المقالات
منوعات
يا عطبرة.. نعيب (مكاننا) والعيب فينا
يا عطبرة.. نعيب (مكاننا) والعيب فينا
05-13-2014 09:15 PM

أستعيض هنا ظرف (المكان) عوضاً عن (الزمان)، وأتساءل ما ذنب "عطبرة" عاصمة الحديد والنار أو "عطبرا" مصدر الإلهام للمبدع والمناضل "العطبراوي" حسن خليفة للرائعة "قطار الشوق".. أو "أتبرة" الحلوة، أو "أتبرا" بلد الحبايب لم تكن فقط من أهم وأقدم وأشهر محطات القطار في العالم، بل هي من أهم محطات النضال السوداني.. الحديد لا يعني القوة المفرطة والظالمة والنار لا تعني صب الزيت على البنزين.. الحديد والنار لا يعنيان العنف والدمار والحجار والقوارير والأحذية والطوب.. الحديد تصهر وتسال عن طريق النار ليجري بسلاسة جريان نهر "عطبرة" في هدوء ووقار..
تعرفني "عطبرا" مذ كنت يافعاً، وأعرفها أكثر بأدق تفاصيلها وتقاسيم وجهها المشرق.. أعرف أحيائها وحاراتها بدءاً من الداخلة والفكي مدني والامتدادين الشرقي والشمالي والحصايا وحي السكة حديد والخليوة والموردة والطليح والسودنة والسيالة وانتهاء بحي المطار، بل أعرف شوارعها وزقاقاتها "زنقة.. زنقة".. هي مدينة ليست كباقي المدن، لأنها تجمع بين طيبة ووداعة القرية وحداثة وجفاء المدينة.. محطة سكك حديد "أتبرة" لا تشبه باقي المحطات في كل شيء.. "أتبرا" حد فاصل بين المدن، بين القديم والجديد، مدينة تجمع كل المتضادات.. عندما كنت طالباً بالمرحلة الثانوية تقابلني الأم الرؤوم "عطبرة" بالأحضان وبالوجه الحسن والطلق أكثر من ست مرات خلال العام الواحد جيئة وذهاباً.. تودعني بكأس من ماء عذب سلسبيل غير آسن يروي ظمئي طيلة وجودي بثغرنا الحبيب "بورتسودان" ذات الماء الأجاج.. ويستقبلني وأنا أشد شوقاً لحنانها ومائها لأقضي معها بعض الوقت.. لا استطيع أن أحدد مدة الإقامة فيها، قد تكون ساعة.. ساعتان.. يوماً.. يومان.. قطار الشوق المقل لحلفا والقادم من الخرطوم من يحدد مدة بقائي في "أتبرة" الجميلة، وكنا نتلذذ بتأخر القطار بعطل أو خلافه غير آبهين بالخسائر الباهظة المترتبة على ذلك لأن حبنا لـ "أتبرا" وأهلها الطيبين يفوق حب ميم لميم وعين لعين"عنترة" لـ "عبلة" بمليون درجة.. إنارة محطتها منتصف الليل لها لون مختلف وضوء مميز غير باقي الأنوار الشعشعانية، لذا كانت تغير من لون ملابسنا المزركشة حتى يساورك الشك فيما ترتديه وفيما يحدث.."عطبرا" ساهمت بشكل كبير في إصحاح البيئة لاعتمادها الدراجات الهوائية في تنقلاتها من وإلى البيت والعمل والسوق والزيارات في صورة معبرة تشبه الجراد المنتشر.. سابقت الزمان وطبقت ترشيد الوقود وحافظت المدينة على نظافتها وتجنبت التلوث الناتج من عوادم السيارات.. ما يحدث من جماهير "قلة" ينتمون لنادي الأمل العطبراوي بصورة متكررة من تجاوزات غير لائقة، هؤلاء "القلة" واللاعبون يجدون التشجيع والتحريض والدعم كل الدعم من الإدارة، لا علاقة لمدينة "عطبرة" وأهلها بها، لأن جماهير الأمل أينما رحلت وحلت جلبت معها الفوضى.. هي مسؤولية النادي وإدارتها التي تشجع مثل هذه السلوكيات الشاذة ويجب أن تتحمل وحدها تبعات وعواقب القرارات الحازمة إذا ما تمادوا في هذا الغي والطغيان وإقصاء الطرف الآخر وتجاوز آداب الحوار، وإلقاء الاتهامات الجزافية..العيب فينا نحن كبشر.. وليس"المكان" أو "الزمان".. لنجعلهما "الشماعة" الجاهزة ونضع عليهما عيوبنا الكثيرة والكبيرة والجاهزة أيضاً.
لا أظن مكاناً.. منطقة.. مدينة.. كل أهلها طيبون بلا استثناء.. كرماء كرم من لا يخشى الفقر، غير عطبرة وبورتسودان.. كل أهلهما وإن كانوا يمثلون كل ألوان الطيف والقبائل السودانية المختلفة.. تربطهم صلات قوية وحميمة.. علاقة محبة لا علاقة مصلحة كما في المدن الكبيرة مثل القاهرة والرياض والخرطوم (متين سافرت.. جيت متين.. نشوفك.. أبقى أظهر.... إلخ) من العبارات المطاطة والكاذبة.
أحبتتها من أول وهلة.. من أول نظرة.. قلت لها بلا تردد أحبك.. لكن في نفسي.. مع معرفتي الجازمة بحبها لي، طلبت منها بإلحاح أن تبعث لي بكلمة واحدة.. آثرت الصمت المباح طويلاً عن قصد.. مع أنها تعرف المطلوب أكثر من أسمها.. أعدت مرة ثانية وثالثة وعاشرة، لكنها كتبت كلمة (إلو) وهي برطانة السكوت والمحس تعني (أين أنت)؟!.. عندها أيقنت بأن (أتبرا) الجميلة تجيد الرطانة، يا لها من عراقة.. أعدت العاشرة بعد المائة فقالت بخجل جميل (أحبك).. رددت على الفور (أكثر).. هكذا العشق لا يفرق بين مدينة وإمرأة.. بين مسن ومراهق!!..
منى حياتي وأنا طول عمري أعيش في هذه المدينة الساحرة..
لك وداع مشفق ومحب لأنك بريئة من كل شغب..

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 910

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محيي الدين حسن محيي الدين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة