المقالات
السياسة
دي كليرك وليس مانديلا
دي كليرك وليس مانديلا
05-22-2014 09:16 PM

أتيحت لي الأسبوع الماضي فرصة حضور ندوة قيِّمة تحدث فيها المُحامي ورجل الأعمال والسياسي الجنوب إفريقي البارز "رولف ماير" الذي ساهم بصورة كبيرة في الحوار الوطني الذي ساعد ذلك البلد على الإنتقال من واقع التمييز العنصري البغيض لآفاق الديموقراطية والسلام.

تحدَّث رولف ماير - الذي لعب دور كبير المفاوضين المُمثلين لحكومة الأقلية البيضاء في منبر التفاوض متعدد الأحزاب عام 1993 - عن تجربة الحوار التي أفضت للتحوُّل الديموقراطي الأكبر من نوعه في البلد الذي إستمر فيه تهميش الأغلبية السوداء لأكثر من ثلاثة قرون.

حرص ماير على تذكير الحضور بخصوصية تجربة جنوب إفريقيا في الحوار, وأنها قد لا تصلح بالضرورة للتطبيق بنفس التفاصيل في أية بلد أخر, ولكنه مع ذلك أكد على إمكانيَّة الإستفادة من العناصر التي ادَّت لنجاح تلك التجربة, ومن بينها "شمول" عملية الحوار حيث تم إشراك جميع الأحزاب السياسية - بغض النظر عن جماهيرية الحزب و حجم عضويته - بتمثيل متساوي في طاولة الحوار.

كذلك أكد ماير على "محليَّة" عملية الحوار, بمعنى أنها كانت عملية خالية من التدخلات الخارجيَّة, وأنَّ القوى السياسية في جنوب إفريقيا هى من وضعت أجندة الحوار ولم يك للقوى الإقليمية أو الدولية دوراً يُذكر في تسيير دفته أو فرض مُخرجاته, لقد كان حواراً وطنياً بكل ما تعني الكلمة من معان.

قال ماير أنَّ "بناء الثقة" بين الأطراف المتنازعة كان من أهم العناصر التي أدت لنجاح عملية الحوار, واعترف أنه لم يكن عملاً سهلاً في بلد تطاولت فيه سنوات العسف والظلم التي طالت الأغلبية السوداء.

غير أنَّ العامل الحاسم الذي وقف وراء نجاح تلك العناصر تمثل في وجود "القيادة" الحكيمة التي إستطاعت ببراعة فائقة ورؤية ثاقبة أن تُجنِّب البلاد المزيد من ويلات الإحتراب الأهلي و الإضطرابات والتشظي, و أن تعبُر بها إلى آفاق الديموقراطية والإستقرار السياسي مستصحبة معها كل ألوان الطيف العرقي والسياسي.

لا شك أنَّ ذهن المرء سيتجِّه مباشرة للزعيم الأسطوري "نلسون مانديلا" بمجرد التطرُّق لموضوع القيادة في جنوب إفريقيا, وهذا أمرٌ طبيعي فرضتهُ الرؤية السياسية و التضحيات الجسيمة والصفات الإنسانية النادرة التي تمتَّع بها مانديلا حتى أصبحت تجربته القيادية نموذجاً يُحتذي في كل دول العالم التي تعاني من مشاكل عدم الإستقرار السياسي والإنقسامات الداخلية والتمييز الثقافي والعرقي.

ولكن الناس لا يتوقفون كثيراً عند الدَّور المهم والصعب الذي إضطلع به رئيس جنوب إفريقيا حينها وزعيم الأقلية الحاكمة, فريديريك دي كليرك, في إنجاح تجربة الحوار الوطني والمصالحة.

يرى كاتب هذا المقال أنَّ دي كليرك هو الشخص الذي لعب الدور "الحاسم" في تغيير مسار جنوب إفريقيا وإنهاء نظام الفصل العنصري, حيث إستجاب لمطلوبات "اللحظة التاريخية" و أدرك أنَّ النظام بلغ نهايته, وأنه يجب إشراك الأكثرية السوداء في الحكم.

دي كليرك – وليس أحدٌ سواه – هو من أعلن أنَّ سياسة الفصل العنصري فشلت، وأباح نشاط أحزاب كانت حتى ذلك الوقت خارج القانون، وأعلن الإفراج عن السجناء السياسيين، وألغى عقوبة الإعدام وحدّ فترة الإعتقالات الإدارية، و أفرج عن نيلسون مانديلا من السجن.

دي كلارك كذلك هو من ألغى قوانين التمييز التي كانت مُطبقة حتى ذلك الحين في جنوب إفريقيا، ومنها القوانين المتعلقة بملكية الأراضي والأحياء السكنية والتصنيف بحسب العرق.

سيتجرأ كاتب هذه السطور – رغم حبه وتقديره اللامحدود لنيلسون مانديلا –ويقول أنه لولا وجود شخص مثل دي كليرك إستطاع قراءة الواقع قراءة صحيحة وكان لديه ما يكفي من الشجاعة ليُعيد صياغتهِ من جديد لما حدث ذلك التحوُّل الهائل الذي شهدتهُ جنوب إفريقيا.

لقد سار الرُّجل عكس تيار أهله البيض, وتحمَّل في سبيل ذلك الكثير من الأذى, وواجه تهديدات جديَّة بالقتل, وخرجت أعدادأً كبيرة من عضوية حزبه, ومع ذلك تمسَّك بموقفه لإدراكه أنَّ هناك لحظات في التاريخ يجب فيها قلب الموائد وتغيير الأوضاع السائدة رغم ما قد يحدثه ذلك من هزات عنيفة تطال دوائر عديدة مؤثرة وفاعلة ذلك أن ضياع الفرصة التاريخية يعني ضياع البلد نفسه.

على الرغم من إختلاف طبيعة الأزمة في جنوب إفريقيا عن المشكلة السودانية إلا أنَّ العناصر التي ذكرها ماير تظل مهمة للغاية من أجل إنجاح أية حوار وطني يهدف للإنتقال من الواقع المضطرب و المأزوم لآفاق الديموقراطيَّة والإستقرار السياسي.

بعكس تجربة جنوب إفريقيا, فإنَّ دعوة الحوار الوطني التي أطلقتها الحكومة السودانية في يناير الماضي لم تشمل كافة القوى السياسية وتلك التي تحمل السلاح, وهذا عاملٌ يضعف للغاية إحتمالات التوصل لحلول تنتشل البلاد من الهاوية خصوصاَ وأنَّ المعارضة المسلحة تخوض حرباً في سبع ولايات مما يعني أنَّ الاخيرة تمثل مكوناً مهماً من مكونات الحوار وأنَّ عدم مشاركتها تعني إستمرار الحرب الأهلية.

التدخلات الخارجيَّة في الأزمة السودانيَّة – على العكس من جنوب إفريقيا – كبيرة حيث أنَّ القضية السودانية حاضرة بكثافة في أجندة مجلس الأمن الدولي و الإتحاد الإفريقي و العديد من دول الجوار خصوصاً إثيوبيا, وهذه التدخلات فرضتها ظروف الإقتتال الأهلى المستمر في دارفور منذ اكثر من عشر سنوات, وفي جنوب كردفان والنيل الأزرق من ثلاثة أعوام, إضافة لسياسات الحكومة في الإقليم وعلى الصعيد الدولي.

الثقة بين الأطراف المتنازعة غير متوفرة في السودان, وقد عجزت الحكومة حتى الآن عن إتخاذ قرارات تعزِّز تلك الثقة بصورة حاسمة, فعلى سبيل المثال منح الرئيس ضمان شخصي لقادة الحركات المسلحة كي يحضروا للمشاركة في الحوار داخل السودان, ولكن لا يتوقع أن يستجيب هؤلاء القادة للدعوة خصوصاٌ وأنهم شاهدوا الكيفية التي تعاملت بها الحكومة مع رئيس أكبر الاحزاب السياسية المدنية المشاركة في الحوار – الصادق المهدي – الذي زج به في السجن بسبب تعليقات حول قوات الدعم السريع التي تتبع لجهاز الأمن.

في إعتقادي أنَّ الإختلاف الأكبر والأهم بين تجربة الحوار الوطني التي جرت في جنوب إفريقيا وتلك التي تدور الآن في السودان لا يتمثل في العناصر الثلاثة المذكورة أعلاهُ, بل في الدور الحاسم الذي لعبتهُ القيادة, وخصوصاً قيادة الطرف الحكومي, ذلك أنَّ تلك العناصر – مع أهميتها – تعتبر أموراً ثانوية بالمقارنة مع الدور الأساسي الذي تضطلع به القيادة والذي من شأنه أن يساهم بفاعلية في توجيه تلك العناصر نحو إنجاح عملية الحوار.

وبالتالي فإنَّ السودان في هذا المنعطف التاريخي الهام لا يحتاج لقيادة شبيهة بنيلسون مانديلا بقدر ما يحتاج لزعيم براغماتي شجاع لا يخشى حكومته وحزبه, زعيم يقلب المعايير والمواضعات السائدة, ويرنو للمستقبل بعيني "زرقاء اليمامة", بإختصار : زعيم مثل فريديريك دي كليرك.



بابكر فيصل بابكر
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1134

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1013149 [مهدي إسماعيل]
0.00/5 (0 صوت)

05-23-2014 11:22 AM
عزيزي بابكر
سلام
لعله توارد خواطر. ففي هذه اللحظة أكتب مقالاً بعنوان "تواتر التدليس، من فرية الكوديس إلى وثبة الرئيس".
أعيش في جنوب إفريقا منذ أكثر من عشر سنوات، وبحكم عملي أتابع ل قضاياها السياسية، ولولا ديكيرك لما نجحت تجربة جنوب إفريقيا رغم عظمة وبعد نظر مانديلا (الشبيه بجون قرنق) ويكفي ديكليرك أنه أطلق صيحته الشهيرة داخل برلمان البيض، قائلاً:

WE HAVE TO CHANGE, OR DIE.

مهدي

[مهدي إسماعيل]

#1012923 [alaab]
0.00/5 (0 صوت)

05-23-2014 12:23 AM
Ustaz Babikir this is the type of articles I would like to see you writing. Really very helpful to our problems in Sudan but unfortunately O.H. Elbasheer is no comparison to F.D.Clark. Except for both of them been a racist. In my simple thought this is the major issue in the mind of O.H.Elbishkeer.

[alaab]

#1012919 [القام دابو]
0.00/5 (0 صوت)

05-23-2014 12:09 AM
اتفق معكم تماما اخى فيصل وفعلا اذا تم اسقاط تجربة جنوب افريقيا على الحالة السودانية ولكن اين لنا بمثل دى كليرك مع هذه الغوغائية فحكامنا اقزام لا يتطلعون للمجد وغايتهم اشباع بطونهم وفروجهم

[القام دابو]

#1012854 [sulieman]
0.00/5 (0 صوت)

05-22-2014 10:09 PM
I AGREE WITH YOU MAN.

[sulieman]

ردود على sulieman
United States [نادوس] 05-23-2014 02:35 PM
ما أعتقد فريديريك دي كليرك كان من أحد معتنقي فكر التمكين و المكاوشة بنفس القدر الذي ظهر به جماعة الاخوان الفاسقون الحرامية القتلة...


بابكر فيصل بابكر
بابكر فيصل بابكر

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة