المقالات
السياسة
هوامش حول قضية التهميش (2 - 4)
هوامش حول قضية التهميش (2 - 4)
05-26-2014 12:54 AM

تعرضنا فى الحلقة الاولى لبعض الجذور التاريخية للتهميش ونحاول ، فى هذه الحلقة ، قراءة دور الحكومات المختلفة.

وبعيدا عن اطلاق الاحكام المعممة سنحاول تقديم عرض سريع لدور الحكومات المتعاقبة فى تكريس وتعميق التهميش وشرح ماتم خلال كل مرحلة من مراحل ما بعد الاستقلال حتى نتعرف على اولويات الفئات الاجتماعية الحاكمة وما قامت به ولكى نتدارس استراتيجية اقتصادية بديلة لصالح المنتجين الحقيقيين:
الحكومة الوطنية الاولى:
ناضل شعب السودان حتى حقق استقلاله السياسى فى 1956. تفجرت ، بعد تحقيق الاستقلال، معركة سياسية حول طريق التطور الذى ستسلكه البلاد. كان لتلك المعركة السياسية الفكرية، ومانتج عنها من سياسات، اثار بعيدة المدى لا نزال نعانى ، حتى اليوم، من تبعاتها. فقد رفعت القوى الاجتماعية، التى قادت معركة الاستقلال، شعار تحرير لا تعمير ، فى مواجهة دعوة القوى النقابية واليسارية المنادية بالتعمير والتحرير فى ان واحد وانه لا تعارض بينهما. وكان الافق الاجتماعى للقوى التى ورثت حكم السودان قاصرا على استكمال الاستقلال السياسى (السودنة ، رفع العلم، نشيد وطنى ، تمثيل دبلوماسى عالمى) مع الابقاء على كل الهياكل والبنيات الاقتصادية والاجتماعية التى خلقتها الدولة الاستعمارية. بينما دعت القوى النقابية واليسارية لانتهاج تنمية مستقلة وانهاء كافة اشكال التبعية للدولة الاستعمارية. ذلك الصراع لم يكن تهويما اكاديميا مجردا وانما كان صراعا حول خطين للتطور الاقتصادى الاجتماعى: اولهما يحصر الاستقلال فى الاطار الشكلى والاخر ينادى بتنمية حقيقية لصالح الاغلبية الساحقة من شعبنا ( فى المركز والاقاليم).
نجح انصار التيار الاول ،الذى لم ير اكثر من تحقيق الاستقلال السياسى الشكلى ، فى السيطرة على جهاز الدولة الموروث واستمر فى حكم البلاد ( مدنيا وعسكريا) طيلة فترة ما بعد الاستقلال والى الان. استمرار ممثلو هذا التيار فى السيطرة على جهاز الدولة ادى لتعميق الهوة الاقتصادية بين اقاليم السودان الجغرافية وفئاتها الاجتماعية المختلفة. فقادة تلك القوى كانوا اصحاب مشاريع القطن الخصوصية بالنيلين الابيض والازرق وملاك مشاريع الزراعة الالية فى القضارف ، كما كانوا وكلاء للشركات العالمية التى تعمل فى الصادر والوارد ، وتربعوا فوق المناصب العليا للخدمة المدنية والقوات النظامية. اهتمام هذه القوى بالعائد الاقتصادى السريع جعلها تحافظ على غرب السودان كما تركه الاستعمار مصدرا للعمالة الرخيصة والمواد الخام للتصدير( الحبوب الزيتية والصمغ والماشية).
عملت الدولة الوطنية على دعم النشاط الاقتصادى لتلك الفئات. وقد نالت تلك الفئات الرخص التجارية وتصديقات المشاريع الزراعية والصناعية والتسهيلات المصرفية المريحة والوظائف القيادية فى الخدمة المدنية والقوات المسلحة. بينما لم تنل الاغلبية الساحقة ، فى الهامش وحتى داخل العاصمة، غير الكدح والمعاناة وتدهور احوالها المعيشية.
وكمثال صارخ لسياسة دولتنا الفتية ، تجاه الكادحين من الوسط ، ماحدث فى فبراير 1956 ( بعد اسابيع قليلة من استقلال السودان ) وكشف عن طبيعة تفكير القوى التى ورثت جهاز الدولة الاستعمارى وعقليته الادارية وكما ارسلت رسالة واضحة بانها ستواجه بعنف كل من يهدد مصالحها. ويتلخص الحدث فى الاتى: طالب مزارعو مشروع جودة الزراعى ( مشروع خاص على النيل الابيض لزراعة القطن) بمعرفة حساباتهم وتجمعوا سلميا امام مكاتب ادارة المشروع. استدعت الادارة البوليس التى استخدم الرصاص لتفريغهم وقتل على الفور 25 منهم واعتقل 189 مزارعا تم وضعهم فى زنزانة صغيرة سيئة التهوية. ولم تهتم السلطات بصيحات المزارعين واستغاثاتهم فمات بعضهم اختناقا. اثارت تلك الجريمة غضب الشعب ونظم اتحاد العمال وطلاب الجامعة ونقابة المحامين مواكب ردت عليها السلطة بالعنف واعتقال ومحاكمة قادة المظاهرات وبلغت جملة الاحكام 141 شهرا. وكان هذا احد التجليات الصارخة لبرنامج تحرير لا تعمير. كما انه يهزم الحجة التى تحمل كل سكان مناطق وسط السودان النيلية المسئولة ، مباشرة او بطريقة غير مباشرة، عن تهميش بقية السودان. وهنا يحضرنى موضوع الالاف من شباب منطقة الجزيرة الذين يمشطون اسواق واحياء العاصمة القومية يبيعون الاوانى المنزلية وبعض الخردوات مقابل ارباح زهيدة لا تسمن ولا تغنى عن جوع ، هل هؤلاء مسئولون عن التهميش الجغرافى ام هم انفسهم يعانون التهميش فى اسوا صوره ويكدحون لتوفير لقمة العيش! وينطبق نفس المثال على عمال عطبرة الذين عاملهم كادر ويكفيلد ( خلال العهد الاستعمارى) بمستوى اقل من الحد الادنى اللازم لبقاء الانسان حيا ولذلك ناضلوا بلا هوادة من اجل تحسين اوضاعهم المعيشية!
وفى اطار دعوة اليسار والنقابات لتغيير سياستنا الاقتصادية، طالب اتحاد العمال الحكومة، فى 1958، بتنفيذ اجراءات اقتصادية اهمها: تنويع التجارة الخارجية ، تاميم القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، اجراء تخفيض فعال فى منصرفات جهاز الدولة الادارى وتحسين اجور العاملين. لم تهتم الحكومة بتلك المطالب مما ادى لان يعلن اتحاد العمال اضراب عام شاركت فيه 42 نقابة عمالية. وكان رد الحكومة هو حملة من الاعتقالات.
وخلاصة القول: سلطة تفصل تعسفيا بين التحرير والتعمير لا نتوقع منها الاهتمام بغرب السودان او اى اقليم اخر.
الحكومة العسكرية الاولى ( 1958-1964):
نتيجة لتصاعد الحركة الجماهيرية المناهضة للمعونة الامريكية والرافضة للارتباط بحلف بغداد الاستعمارى والداعية لسحب الثقة من حكومة ( السيدين) فى جلسة البرلمان المقرر انعقادها فى يوم 17 نوفمبر. قام حزب الامة بتسليم السلطة للجيش.
واهم ما قامت به الحكومة العسكرية فى الجانب الاقتصادى هو وضع الخطة العشرية للتنمية ( 1960-1970). اهم اهداف تلك الخطة هى:
* تحويل 800 الف عامل من القطاع التقليدى الى القطاع الحديث كعمال زراعيين
* 70% من استثمارات الخطة فى المجال الزراعى وجهت لانشاء 3 مشاريع فى المناطق النيلية ( امتداد المناقل – خزان الروصيرص- خزان خشم القربة) وذلك للاستمرار فى زراعة القطن للتصدير. والمعروف ان المستفيد الحقيقى ، من ذلك التوسع فى زراعة القطن، هى الفئات من اصحاب الرخص الزراعية وشركات التصدير.
* التوسع الافقى الكبير فى الزراعة الالية وتقديم التسهيلات المالية والاعفاءات الضرائبية لمن توزع لهم المشاريع ( كبار رجال الخدمة المدنية والعسكرية والتجار ورجالات الادارة الاهلية).
وهكذا تم التركيز على الزراعة المروية و اهمل القطاع التقليدى والذى لم ينل غير امتداد خط السكة الحديد لنيالا لتسهيل نقل الماشية للتصدير وتوفير العمال الزراعيين لمشاريع القطن بوسط السودان.
وشهدت فترة الحكم العسكرى الاول بداية التعاون مع المعسكر الاشتراكى السابق ، فى مجال التصنيع الزراعى، والذى قدم مصانع وزعت على انحاء السودان المختلفة ولكنها فشلت لسوء التخطيط والمصانع هى مصنع بابنوسة لتجفيف الالبان ومصنع واو لتعليب الفاكهة ومصنع كسلا لتجفيف البصل ومصنع كريمة لتعليب الفاكهة.
فترة مابعد ثورة اكتوبر ( 1964-1969):
تميزت فترة ما بعد ثورة اكتوبر بالتوسع الافقى الكبير فى الزراعة الالية وتوزيع مساحات شاسعة فى القضارف والدمازين. وشاب توزيع المشاريع الزراعية تدخلات حزبية سافرة لمنح الرخص والاعفاءات والتسهيلات للاعوان من اعضاء الاحزاب الحاكمة. وشهدت هذه الفترة دخول البنك الدولى لمجال الزراعة الالية وتقديم قروض انشات بها المؤسسة العامة للزراعة الالية. فرض البنك الدولى شروطه بتوجيه تمويله للقطاع الخاص ( سلفيات للالات وللنظافة وللتخزين الخ). وصاحب التوسع الكبير فى الزراعة الالية توسع كبير اخر خارج المناطق المخططة اصلا للزراعة الالية.
وشهدت الفترة دخول الزراعة الالية لمنطقة هبيلا ( وهى اول منطقة فى غرب السودان تدخلها الزراعة الالية). وكان لها اثارها الجانبية حيث انتزعت الاراضى من اصحابها الاصليين ووزعت لاخرين واغلقت المسارات الطبيعية للرعاة ولم يتم الالتزام بالدورة الزراعية او الاحزمة الشجرية لحماية التربة. وتم تحويل ما حقق من فوائض اقتصادية لمناطق اخرى لاستثمارها فى العمل التجارى والعقارى ولم تنل منها المنطقة الاصلية وسكانها اى فوائد.
فترة نظام مايو ( 1969-1985):
بدات سلطة مايو باعلان الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية ( 1970-1975) ثم استبدلتها بالخطة الخمسية المعدلة ثم الغتها واستبدلها بالخطة الستية لتلغى هى الاخرى وتستبدل باستراتيجية جديدة سميت " استراتيجية سلة خبر العالم " والتى ابلغ ما وصفت به ما قاله عالم اقتصاد المانى بانها " سلة خبز العالم الفارغة ". هذه التعديلات والتبدلات فى الخطط الاقتصادية تكشف درجة التخبط والتغير الفجائى فى الوجهة والاتجاه حسب مزاج القيادة السياسية ( وهو داء شاب سوداننا طوال تاريخه).
وبدون الاستفادة من تجربة هبيلا والدمار الذى نتج عنها قررت الدولة فى الخطة الخمسية المعدلة توزيع 10 الف فدان للزراعة الالية فى جنوب دارفور كبداية للتوسع فى الزراعة الالية فى دارفور.
واصلت مايو سياسات الانظمة التى سبقتها فى التركيز على المشاريع المروية فى وسط السودان واساسا على محصول القطن. وقد حدث بعض التنويع لاحقا بادخال محصول السكر فى نفس المناطق النيلية.
شهدت نفس الفترة توسعا افقيا كبيرا فى قطاع الزراعة الالية حيث منحت ملايين الافدنة للتجار ورجال الادارة الاهلية وكبار موظفى الخدمة المدنية والقوات المسلحة والشركات الزراعية الخاصة. وكمثال منحت سلطة مايو حوالى 2 مليون فدان فى القطاع التقليدى لعشرين شركة خلال اربعة اعوام. ومنح قانون الاستثمار الزراعى لسنة 1980العديد من الامتيازات والاعفاءات لتلك الفئات التى منحت رخص مشاريع. ومن الغريب انه تم ، تحت بصر وسمع الدولة، استغلال تلك الاعفاءات فى النشاط الطفيلى فقد تم استيراد بضائع من الخارج ( معفية من الجمارك حسب اعفاءات القانون) لبيعها فى السوق.
كما واصل البنك الدولى دعمه للقطاع الخاص فى مجال الزراعة الالية مما ادى لظهور طبقة راسمالية زراعية كبيرة حققت فوائض مالية ضخمة على حساب مواطنى ورعاة القطاع التقليدى. ومن التغييرات الهامة التى تمت ، خلال عهد مايو، هى تصفية مزارع الدولة فى الزراعة الالية تحت اصرار البنك الدولى. وخططت تلك المزارع لتعمل على تامين احتياطى للغذاء ( ذرة) وتشكل مراكز لمساعدة المزارعين بالخبرة ومكافحة الافات وتاجير الاليات باسعار مخفضة. وهكذا فتح الباب واسعا امام القطاع الخاص.
انه لمؤلم حقا ويحز عميقا فى القلب تجاهل توصيات بنيت على دراسات علمية متخصصة من قبل منظمة العمل الدولية التابعة للامم المتحدة حول استراتيجيات التنمية فى السودان ونشرتها فى تقرير شهير صدر فى 1976. ومن ضمن تلك التوصيات الهامة الدعوة لتطوير القطاع التقليدى ( زراعة ورعى حيوان) وان تطويره لن يكلف نفس حجم تكلفة المشاريع الاخرى ( مشاريع مروية و زراعة الية مطرية). واضافت ان تطوير القطاع التقليدى سيغير حياة اغلبية السكان ويجذبهم للاقتصاد النقدى وسيدفع بعجلة الاقتصاد خطوات للامام. ومن المثير للاهتمام حقا ان التوصيات قد حذرت من تفجر مشكلة الارض مستقبلا فى غرب السودان نتيجة للتوسع فى الزراعة التجارية وازدياد اعداد الثروة الحيوانية والزيادة الطبيعية فى عدد السكان بالاضافة للعوامل البئية والطبيعية الاخرى. كما ركزت التوصيات حول ضرورة الابحاث والدراسات الخاصة بالقطاع التقليدى وقضايا استقرار الرحل والبنيات الاساسية والتمويل. واقترحت التوصيات توفير استثمارات كبيرة للقطاع التقليدى فى الفترة مابين 1985-1995 وان تلك الاستثمارات ستنمى الصادرات السودانية بشكل كبير ( صمغ/ ماشية/ حبوب زيتية الخ) مما سيفيد الاقتصاد السودانى ككل.
وحتى المشاريع البسيطة التى نفذتها مايو فى غرب السودان كانت نموذجا كلاسيكيا لسوء التخطيط والتنفيذ. وكمثال على سوء التخطيط والتنفيذ مشروع تنمية غرب السافنا الذى انشات بموجبه " هيئة تنمية غرب السافنا" فى مارس 1978 وبتمويل من البنك الدولى لتنفيذ مشروعات التنمية المتكاملة. وعند تحليل مكونات الصرف خلال الفترة 1977-1984 تم اعتماد 27 مليون جنيه صرف منها 11 مليون فى مبانى الرئاسة والمكاتب والورشة والمخازن وبعض الاليات والعربات.
ومثال اخر يحمل نفس الادعاءات الكاذبة للتنمية الريفية المتكاملة يعطيه مشروع جبل مرة للتنمية الذى بدء العمل فيه فى عام 1979 بمنحة من صندوق التنمية الاوربى. قدرت التكلفة الكلية للمشروع بحوالى 25 مليون جنيه وجهت كلها لبناء المحطات الارشادية وجلب المدخلات والمحاريث والعربات ومعدات الارشاد والورش. ونلاحظ استخدام المشاريع " كواجهات" لتصريف بضائع دول السوق الاوربية المشتركة والشركات التابعة لها. ويشهد واقع الحال ان تلك المعدات والاليات لم تستغل استغلالا سليما لمصلحة المنتج الصغير الدارفورى ولم تحقق الاهداف المعلنة حول التنمية الريفية المتكاملة وينطبق عليها المثل (Too little too late ). وهنا يجب ان نلاحظ ان تنمية الغرب لا تتم بمجرد انشاء المزيد من المشاريع وانما بمشاريع تنموية بتخطيط جيد وبمعرفة الجهات المستهدفة بتلك المشاريع واشراكها فى التخطيط والتنفيذ والمتابعة وكيفية تحقيق الفائدة المرجوة. وهذه قضية كبيرة لا يتسع المجال للخوض فى تفاصيلها فى هذا الحيز.
وبوضوح تام لم يجد القطاع التقليدى، طوال عهد مايو، اهتماما يذكر فيما يتعلق بتطوير تكويناته الانتاجية والخدمية ويتضح ذلك من ضالة اعتمادات ومنصرفات التنمية على مشاريع هذا القطاع، حيث بلغت الاعتمادات للمشروعات ذات الصلة بالقطاع التقليدى، والمتمثلة فى مشروعات الثروة الحيوانية وتنمية الموارد الطبيعية والخدمات الزراعية ومشروعات الرئاسة فى جملتها حوالى 220 مليون جنيه سودانى خلال الفترة من 1977_ 1984 وهذه تمثل حوالى 22% من جملة الصرف الفعلى لمخصصات القطاع الزراعى فى برنامج الاستثمار للفترة المذكورة. ويحدث هذا رغم ان القطاع التقليدى يعول حوالى 60% الى 70% من سكان البلاد وينتج حوالى 50% الى 60% من جملة انتاج البلاد من المحاصيل الزراعية ويساهم بحوالى 30% من صادرات البلاد الزراعية بالاضافة لثرواته الكامنة ( ثروات حيوانية وغابية وزراعية بالاضافة للتعدد المناخى).
واذا نظرنا للصرف على مشروعات الثروة الحيوانية خلال الفترة 1977- 1984 فان الصرف على قلته ( 6% من جملة الصرف الفعلى للقطاع الزراعى فى برنامج الاستثمار) فنجد انه تميز بالاهمال المتعمد لتطوير امكانات الانتاج الحيوانى بالقطاع التقليدى، وهو القطاع الذى يتمتع بوفرة فى هذا النوع من الانتاج الزراعى. وماتم من صرف فى هذا المجال وجه اساس نحو توفير الحد الادنى من الخدمات الضرورية المتصلة بتامين تدفق الماشية بالاعداد التى تكفل تحقيق الارباح المجزية للقابضين على اسواق التصدير والاستهلاك المحلى للحوم فى المناطق الحضرية. وما انفق ، على قلته، صرف اغلبه على مشاريع حول العاصمة ( مشروع انتاج الكتاكيت – مصنع اعلاف الخرطوم – البان الجزيرة- مشروع استغلال الثروة السمكية) ولم تحظى ادارة ابحاث وخدمات الانتاج الحيوانى باكثر من 2 مليون جنيه ( 5% من مجموع المخصصات لمشروعات الثروة الحيوانية) وحتى هذا المبلغ ( رغم ضالته) وجه اكثر من نصفه على محطات ابحاث الانتاج الحيوانى القائمة فى المناطق التى تفتقر نسبيا الى الثروة الحيوانية مثل محطتى عطبرة والهدى مع الاهمال الكامل للمحطات القائمة بمناطق الانتاج الرعوى مثل محطة الغزالة جاوزت.
اما داخل الادارات الخاصة بالخدمات البيطرية فلقد وجه حوالى 68 % الى دعم خدمات التسويق لضمان استمرارية تدفق صادرات الحيوان مثل انشاء المؤسسة العامة لتسويق الماشية واللحوم وبناء المنازل وتشييد مخازن التبريد ومكاتب بالكدرو وابودليق وفتاشة وجبل اولياء. وحتى مشروع طريق الماشية فقد واجهته مشاكل عدة. وهنا يجب ملاحظة ان اغلب هذه المشاريع هى منح من مؤسسات دولية كمنظمة الاغذية والزراعة الدولية.
ومايهمنا هنا هو اختلال اولويات الصرف وعدم عدالة توزيع الاستثمارات مع ما يتفق مع الحاجات الفعلية والملحة للمواطنين وحقهم المشروع فى التنمية المتوازنة. وهكذا لم يجنى سكان القطاع التقليدى من القبائل الرعوية وغيرهم من تلك السياسات الخاطئة سوى الكوارث الاقتصادية والاجتماعية المدمرة التى ادت الى هلاك اعداد هائلة من الثروة الحيوانية.
اما الموارد الطبيعية ، والتى تهم مواطنى الغرب بصفة خاصة، فلم ينفق عليها الا اقل من 3% من جملة مخصصات القطاع الزراعى ( 1977-1984 ) و صرف اغلب ذلك المبلغ على بنود غير انشائية رغم تعدد الاطراف الاجنبية التى مولت ذلك مثل منظمة الساحل التابعة للامم المتحدة وبرنامج الغذاء العالمى. والادهى وامر ان الحكومة عجزت حتى عن توفير الحد الادنى من الاحتياجات الاساسية لتسيير العمل بتلك المشاريع وحولت بنود الصرف التنموى الى صرف جارى لمقابلة المرتبات وكانت النتيجة ما نشهده من تدهور بيئى متزايد يوما بعد يوم.
فترة الديمقراطية الثالثة ( 1986-1989):
تميزت الفترة بالصراع السياسى الحاد فى المركز للانفراد بالسلطة واهملت الاقاليم كلها تماما وفى مقدمتها دارفور. ورغم ضغوط نواب دارفور على قيادة حزب الامة وعلى الحكومة للاهتمام بقضايا الاقليم الا ان نتائج ذلك كانت مخيبة لامالهم ولامال ابناء دارفور. وابرزت حكومة المركز قدرة عالية ، لا تحسد عليها ، على عدم الجدية وقلة الاهتمام. كما تميزت تلك الفترة بان الهم التنموى ، بالنسبة للمواطنين، تراجع للمرتبة الثانية بعد انفجار النهب المسلح والصدامات القبلية بشكل عنيف ، غير مسبوق، بين بعض العرب والفور. وقد ساهمت تلك الاعتدءات فى تدمير اجزاء هامة من البنيات الاساسية، الضعيفة اصلا، وعطلت الحياة الاقتصادية العادية. بالاضافة للاثر السالب على مجمل النشاط البشرى جراء اقتتال الفصائل التشادية داخل الاراضى الدارفورية تحت سمع وبصر السلطات المركزية ان لم يكن نتيجة لتواطؤها مع بعض الاطراف الليبية/التشادية. ليس ذلك وحسب بل هنالك الاثر الافتصادى لالاف اللاجئين التشاديين الذين تقاسموا لقمة العيش مع مواطنى دارفور.
ورغم استقالة اثنين من نواب الجبهة الاسلامية احتجاجا على مواقف حزبهم من قضايا الاقليم وتحالفه مع حزب الامة وبعض القبائل العربية ضد الفور الا ان الجبهة الاسلامية لم تغير موقفها السياسى وكان ذلك احد الاسباب الاساسية لتململ داؤود يحى بولاد ، منذ الديمقراطية الثالثة، ونقده المتكرر لقيادة حزبه ( الجبهة الاسلامية).
انعدمت خلال تلك الفترة المجهودات المركزية الهادفة لتطوير دارفور او توفير احتياجات المواطنين الاساسية. و من الجانب الاخر ،اصبحت الهموم الاساسية للمواطنين منحصرة فى توفير الحد الادنى من متطلبات المعيشة وصارت سلع اساسية مثل السكر والجاز الابيض والجازولين غالية بشكل لا يطاق.
والاسوا ان المنطقة شهدت تراجعا حتى عن ماتم تحقيقه، رغم انه كان يشكل اقل من الحد الادنى. وكمثال قامت الحكومة ووزير تجارتها الدكتور على الحاج بالغاء امتياز شركة الحبوب الزيتية ( رغم كل النقد الموجه للشركة لقصورها عن اداء واجبها). وهكذا تم ازاحة الشركة، مما فتح الباب واسعا امام كبار تجار الحبوب الزيتية ليراكموا الارباح والثروات على حساب المنتج الصغير فى غرب السودان حيث يتم الشراء منه بابخس الاسعار عند موسم الحصاد وذلك لاحتياجه الملح وعدم توفر صوامع التخزين.
فترة حكومة الانقاذ ( 1989 حتى الان):
واصلت حكومة الانقاذ الاهمال التاريخى للغرب عامة ودارفور خاصة ولكنها اضافت اسلوبها الخاص الذى تميزت به عما عداها الا وهو الانجاز من خلال اجهزة الاعلام وليس فى الواقع. فالمشروع الوحيد الذى بدا به فى الغرب صاحبه ضجيج اعلامى ضخم الا وهو طريق الانقاذ الغربى. والغريب ان هذا الطريق ( ما نفذ منه) تم تنفيذه باموال المواطنين حيث تم بيع سكر الغرب لسنوات مما حقق اموالا طائلة لانجاز الطريق الذى لم ينجز. ثم تطايرت الاتهامات حول اموال الطريق وصرح احد دهاقنة الانقاذ علنا " خلوها مستورة" وهكذا "فقه السترة" يحقق الثراء الحرام والنهب المصلح ويحرم المواطنين من ابسط حقوقهم المشروعة.
وقد اصدرت حكومة الانقاذ قانون الاستثمار لسنة 1990 والذى اعطى امتيازات واعفاءات وتسهيلات لراس المال المحلى والاجنبى. كما قنن توزيع ملايين الافدنة دون اعتبار لحقوق واحتياجات السكان المحليين من زراع ورعاة. وكمثال منحت الحكومة 3.5 مليون فدان فى جنوب دارفور للتجار وكبار موظفى الخدمة المدنية وضباط القوات النظامية ورجالات الدارة الاهلية ( تحوى قائمة المشاريع المصدقة حوالى 434 اسما معظمهم من الفئات المذكورة). وقد تم ذلك دون اجراء اى دراسة للاثار السالبة لتجربة مشاريع الزراعة الالية بمنطقة هبيلا بجبال النوبة.
وتميزت فترة الانقاذ بالتراجع التنموى ( ان صح التعبير) عن طريق البيع والخصخصة. حيث شهد عهد الانقاذ انهيار مشروع جبل مرة بعد ان عصفت به الخصخصة وبيعت المكاتب والمنازل فى زالنجى وبيعت العربات فى دلالات عربات الخرطوم. كما توقفت مدبغة نيالا ومصنع النسيج. وكذلك تراجع الاهتمام السنوى بضبط مياه الخيران ( وهى تجربة ناجحة طورتها مساعدات جمهورية سكسونيا الالمانية). وزيادة فى التراجع فقد توقفت العيادات البيطرية المتحركة ومشروع تحسين الماشية وتسويق الالبان.
ولم تنشئ الانقاذ اى مشروع تنموى حقيقى بدارفور وهو من اكثر اقاليم السودان التى اهملت فى الماضى ولكن الانقاذ على استعداد لصرف 3 مليار دولار لانشاء سد مروى لانتاج الكهرباء. وهنا يجدر بنا ان نتعرض لحجة عدم توفر الامكانيات فى ظل رفع الدولة ليدها عن كل الخدمات الضرورية، رغم انها اكثر حكومة فرضت ضرائب بمسميات مختلفة على المواطنين. وهنا يقفز للذهن سئوال عن مصير مليارات الدولارات التى نتجت عن استخراج البترول وتصديره لمدة عشرة اعوام كاملة؟
أما اكبر اسهامات الانقاذ فى تعميق التهميش بدارفور هو ما قامت به لتغيير الخارطة السكانية بالاقليم. ابتدأ هذا فى عام 1990/1991 باقامة ادارات لقبائل عربية قادمة من تشاد داخل اراضى المساليت وتعيين امراء لتلك القبائل ومنحهم حق توزيع الاراضى على مواطنيهم وعندما احتج المساليت تم قمعهم بعنف مفرط. ثم امتد المخطط لقبيلة الفور عن طريق دعم بعض القبائل العربية لمواجهة الفور تحت شعار مواجهة التمرد المسلح. وخلال تلك الحملة تم حرق مزارع الفور واقتلاع اشجارهم المثمرة ونهب ممتلكاتهم وقتل حيواناتهم وحرق قراهم وقتل ابناء القبيلة. وهكذا انفتحت ابواب الجحيم على دارفور.

د. صديق الزيلعي
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1224

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1017251 [رمضان]
0.00/5 (0 صوت)

05-27-2014 01:23 PM
قال الكاتب في تحليله الرائع
اقامت الانقاذ ادارات لقبائل عربية قادمة من تشاد داخل اراضى المساليت وتعيين امراء لتلك القبائل ومنحهم حق توزيع الاراضى على مواطنيهم وعندما احتج المساليت تم قمعهم بعنف مفرط. ثم امتد المخطط لقبيلة الفور عن طريق دعم بعض القبائل العربية لمواجهة الفور تحت شعار مواجهة التمرد المسلح. وخلال تلك الحملة تم حرق مزارع الفور واقتلاع اشجارهم المثمرة ونهب ممتلكاتهم وقتل حيواناتهم وحرق قراهم وقتل ابناء القبيلة.
اليس هذا لوحده كافيا لينهض ابناء الغرب دفاعا عن ارض الجدود؟؟؟

[رمضان]

#1015862 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

05-26-2014 09:37 AM
"وكمثال منحت الحكومة 3.5 مليون فدان فى جنوب دارفور للتجار وكبار موظفى الخدمة المدنية وضباط القوات النظامية ورجالات الدارة الاهلية ( تحوى قائمة المشاريع المصدقة حوالى 434 اسما معظمهم من الفئات المذكورة). وقد تم ذلك دون اجراء اى دراسة للاثار السالبة لتجربة مشاريع الزراعة الالية بمنطقة هبيلا بجبال النوبة..."

منحت الأراضي لهؤلاء (434) بمتوسط 8000 فدان للفرد والبقية (الملايين ) يتطاحنون على الحواكير..؟؟

سوف ننتظر الحلقات القادمة من مجهودك المقدر حتى نعلق بفهم متكامل

شكرا لك

[مجودي]

د. صديق الزيلعى
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة