ريبة
05-30-2014 01:46 AM

تداعيات

نظر (الوسيلة) بريبة الى الشاب الواقف امامه، جمع كل حواسه حين لامسه هذا الشاب بكتفه، التفت الى ذلك الذي وراءه، مسح بنظره كل الجوانب ، كتله من البشر مختلفة الأحجام والتفاصيل تلتف حوله، ولا يملك (الوسيلة) الا ان يستخدم كل تلك الريبة، متوجساً جداً، سرعان ما ينفعل مع كل حركة، نهار قائط. الكمساري يتسلل بمجهود شاق بين ركاب هذا البص المتجه من ام درمان إلي الخرطوم.
سنتمترات قليلة تلك التي تفصل بين قدم راكب وآخر، الأجساد لا تملك إمكانية اخرى غير التلاصق، إلتحام إضطراري يجعل من (الوسيلة) عالماً من الانتباه والحذر والريبة، اي حركة يجب الإنتباه إليها، عيناه تتحركان بسرعة ويلملم اطراف ملابسه عليه كلما أحس بأي تلامس، السكين على الذراع اليسرى، الصديري الأسود هو مصدر القلق لأن يده اليمنى لا بد لها من ان تمسك بالعمود الذي فوقه، مما يجعل طرف الصديري الأيمن مرفوعاً وذلك تبعاً لحركة الجسم، لذا كان عليه ان يكرر دائماً وبطريقة مضحكة هذه الحركة، يجذب بيده اليسرى، طرف الصديري الأيمن، ولكن تبدو فكرته مستحيلة، يلتفت بسرعة، احس بأن هنالك من لمس كتفه، تلك النظرة المرتابة تتجول في كل الجوانب، كل ذلك الحذر والإنتباه، كل تلك الريبة لأنه لا يتحمل مطلقاً ان يكون فرصة سهلة للنشالين. من هم هؤلاء النشالون؟ ، لا يستطيع (الوسيلة) ان يرد على هذا السؤال، ولكن كل ما يستطيع ان يفعله هو ان يتصور ان كتلة البشر التي حوله في هذا البص لا تخلو ابداً منهم ، هؤلاء النشالون، يجذب بيده اليسرى طرف الصديري الأيمن، رد فعل مباغت، يغير موضع قدميه وذلك بسبب تلامس خفيف من ذلك الذي وراءه.
(الموردة - نازل؟)
(ايوه - هنا يا اخينا)
إنتبه (الوسيلة)، إستغل فرصة وقوف البص وخلص يده اليمنى من العمود وجمع كل اطرافه عليه، جهز حواسه المرتابة، عدد من الركاب يتجهون عليه وسط زحمة الباقين، عليه ان يستعد ، ليس هنالك ضمان ان يكون من بين هؤلاء البشر التاركين البص احد اولئك الملاعين، انه يعرف تماماً انهم سيمرون به حتماً، لأنه يقف قريباً من الباب الخلفي، اذن لا بد من الحذر، هؤلاء اللصوص يمتازون بسرعة غريبة، يكفي ان يلامسك النشال لمسة خفيفة تجد بعدها انك قد سرقت، لملم اطراف الصديري عليه، مر به النازلون بعد ان تابعت حواسه حركتهم امامه، ضم ذراعيه على صدره تحوطاً ضد اي غفلة، امسك بيده اليمنى العمود، جذب بيده اليسرى طرف الصديري الأيمن.
(اطلع يا معلم)
زحزحة الركاب الجدد ، يحاولون ان يجدوا مكاناً مما جعل (الوسيلة) يرجع الى إنتباهه وريبته، عرق يغطي كل مساحة على وجهه، توتر عالٍ جداً يضع ملامحه على كل اعضاء جسده، يحس بالإرهاق من جراء ذلك، لكن، لا بد من كل ذلك، لأن ما حدث لـ(مختار ود الحرتي) لن يتكرر معه ابداً، ان كل تلك الريبة التي يتعامل بها (الوسيلة)، مع هؤلاء البشر مستنداً على ذلك الذي حدث لـ(مختار ود الحرتي).
جاء (مختار ود الحرتي) الى السوق العربي يجر وراءه لوري مليئاً بالأحلام التي هي على شكل عدد لا يستهان به من جوالات الفول المصري، انه حصاد العام، تحولت الأحلام الى شكل آلاف الجنيهات بعد ان تمت البيعة، وضع (مختار ود الحرتي) هذه الآلاف من الجنيهات في الجيب الداخلي للصديري وضعها بكل تلك الحيوية التي تحول البذرة الى ثمرة، فكر في الذهاب الى اقرب مطعم، في طريقه الى المطعم من بين ذلك الزحام الذي يتميز به السوق العربي اعترض احدهم طريقه بحميمية عالية وبكل ترحاب السودانيين، صاح ذلك الشخص :- (( اهلا، اهلاً بـ(الأرباب)، ازيك يا عم (مختار)، بالأحضان يا عم (مختار)) ، ودخل (مختار ود الحرتي) في احضان الرجل بنفس تلك الحميمية، وبكل ذلك الترحاب خرج الرجل من احضان (مختار ودي الحرتي) وخرجت معه كل تلك الآلاف من الجنيهات ، ضاع محصول العام بكل سهولة، ضاعت احلام (مختار ودي الحرتي)، تلك الأحلام التي تخولقت من ماء الشقاء وطين الحياة، ذهب الرجل الى حيث لا يعرف احد، إلى حيث لا رجعة، ولم يستطع (مختار ود الحرتي) ان يتذكر ملمحاً واحداً من ملامحه، لكن صوت الرجل لا زال يرن في دواخله ، هنالك في القرية لم يستطع ان يتحمل طعم الخيبة، تحول (مختار)، الى ذلك الصامت الآن، فقد كل تلك الحيوية التي كانت تميزه، ضاع ذهن (مختار) حين ضاعت ثمار شقاء ذلك العام بسبب تلك التحية ذات الحميمية المفتعلة، اطفال القرية اكتشفوا فيه لعبة مسلية، يكفي ان تسلم عليه بهذه الجملة: - ( ازيك يا عم (مختار) فيتحول الى كائن غريب، يصدر اصواتاً مبهمة وترتعش اطرافه، يقع على الأرض بشكل مضحك، يدحرج نفسه على الأرض في دوائر متوترة جداً الى درجة اثارة الغبار، والأطفال يحولون كل تلك المأساة الى لعبة، إنهم يبحثون عن متعتهم من خلال ذلك العذاب الذي اطاح بكل ذاكرة (مختار ود الحرتي) ولولا ان تدخل كبار القرية مانعين الأطفال من تلك اللعبة لكان (مختار) الآن في عداد الموتى.
إسترخى (الوسيلة) قليلاً حين تشبعت نظراته بتلك الخضرة التي تحتفي بالتقاء النيلين، يهتز البص تلك الهزات المعروفة على كوبري النيل الأبيض، مع كل هزة يصلح (الوسيلة) وضع صديريته بتلك الحركات المكررة درجة الجنون، لن يتخلى عن حذره، عن ربيته، عن كل ذلك الإنتباه، عن هذا التوتر المرهق، وفي باله حادث (مختار ود الحرتي) التراجيدي، إنهم يسرقون الكحل من العين، الأحلام من الذاكرة، هؤلاء الذين تراهم أمامك يفتعلون الزحام بحثاً عن صيد ثمين، ليست هنالك براءة، لا تغفل يا رجل، الأجسام لا زالت ملتصقة، إنه وضع غير مطمئن، مع كل تلامس يكون (الوسيلة) قد تحول الى رادار حساس يرصد كل التحركات التي تدخل في مجاله المرتاب، تلك التي على يمينه، التي على اليسار، على الجانبين ولا ينسى ان ينتبه الى الجالس على المقعد الذي هو بقربه.
(الإدارة المركزية، حدي نازل ؟)
(ايوه- هنا)
خلص يده اليمنى من العمود، جمع ذراعيه على صدره إستعداداً ومزيداً من الحيطة والحذر، ينظر الى الركاب المارين أمامه في طريقهم الى النزول، نظرة خالية تماماً من الود، يجمع أطراف الصديري عليه، يزيد من تحكم ذراعيه على صدره حتى لا يكون هنالك اي مجال يتيح الإقتراب من تلك المنطقة المحظورة، انه يحمل مبلغاً لا يستهان به من المال، في الجيب الداخلي للصديري، لو ضاع هذا المبلغ يعني ذلك ضياع تلك الآمال التي تسعى الى زيادة انتاج الحواشات، ان عليه ان يشتري بابوراً وطرمبة للسقاية، لن يرتاح (الوسيلة) من هذا الهم حتى تستمع اذناه بصوت البابور وهو يقذف بالمياه الى الحواشات، لذلك لا بد ان يكون الحذر كاملاً وإلا.
حين نزل (الوسيلة) من البص في المحطة الوسطى، أحس بإرتياح عميق، إنه طعم النجاح، لا زال محتفظاً بالمبلغ في الجيب الداخلي للصديري، وهذا في حد ذاته نجاح، لكن سرعان ما احتل الخوف افكاره حين رأى افواج البشر التي تتحرك في المحطة الوسطى، تذكر ان حادث (مختار ود الحرتي) لم يكن في بص، بل كان في شارع، نظر حوله وتحرك في إتجاه السوق العربي يمشي محاذراً يلتفت يميناً ويساراً، يتفادى الزحام، إن عليه ان يصل الى دكان (اولاد الصافي) حيث يلتقي دائماً كل اهل القرية هناك، ومنه يتحرك بمساعدة احد (اولاد الصافي) لشراء البابور والطرمبة، يتحسس المبلغ بيده كل مرة، في محاولته للابتعاد عن الشوارع المزدحمة دخل في إحدى البرندات، لم يسمح لنفسه بالاستمتاع بالفرجة على الأشياء المعروضة للبيع، كان ذهنه محصوراً في الوصول الى دكان (اولاد الصافي) دون التعرض لأي مغامرة من اولئك اللصوص الذين من المحتمل ان يكونوا في اي مكان، قد يطل عليك احدهم من حيث لا تدري، احس بالجوع ولكن طرد فكرة الجوع هذه حين تذكر ان عليه ان يصل سالماً، خرج من برندة ودخل في اخرى، وحين كان يحاول ان يعبر الى الثالثة مر بشخص يقف بين البرندتين يبدو ان ذلك الشخص اهتم به وقبل ان يتجاوزه (الوسيلة) اقترب منه الشخص قائلاً:-(دولار.. ريال.. شيك سياحي)
لم يفهم (الوسيلة) هذه اللغة، اعتبرها احد نداءات الباعة، مر (الوسيلة) امام هذا المنادي الهامس دون اي مبالاة لما يقول، ولكن لم يتخل ابداً عن حذره، لحق الشخص (بالوسيلة) مرة اخرى:-(دولار.. ريال شيك سياحي)
كان هذه المرة قريباً جداً، إبتعد (الوسيلة) حاملاً معه حذره وريبته، وكلما ابتعد (الوسيلة) يظن ذلك المنادي الهامس انه قد وجد ضالته ويفكر ان (الوسيلة) يريد الابتعاد عن انظار الناس حتى تتم تلك العملية السرية، إستمرت الملاحقة و(الوسيلة) لا يستطيع ان يفهم معنى هذه الشفرات، ولكنه يعرف تماماً ان عليه ان يكون مستعداً لأي مناورات تفقده احلامه، اسرع الخطى قليلاً محاولاً الابتعاد عن ملاحقة تاجر العملة، لاحظ (الوسيلة) ان الرجل يبدو نظيفاً، انيقاً، يلبس جلابية ناصعة البياض وطاقية حمراء ومركوباً من جلد النمر، تأكد تماماً إنها ملاحقة من ذلك النوع من البشر الذين يجب ان يحذر منهم، كلما ابتعد (الوسيلة) كلما زادت ملاحقة تاجر العملة له ، حين إبتعد (الوسيلة) وأخذ اتجاهه نحو دكان (اولاد الصافي) لحقه تاجر العملة متلهفاً حسبما كان يظن، إقترب الرجل اكثر من (الوسيلة) ذلك الممتليء بالحذر والريبة، اوقف الرجل الوسيلة قائلاً:- (ازي الحال يا عمنا؟)
أمسك (الوسيلة) بالرجل من يده بكل قوته:-(بتعرفني من وين ، عمنا؟ والله كويس)
( شنو يا حاج؟؟ ، فك اليد دي)
( آهـ يا حرامية!!))
بكل قوته اطلق (الوسيلة) صفعة لها دوي جعلت الدم يسيل من انف تاجر العملة الطموح، لا زالت قبضة (الوسيلة) تتحكم في يد الرجل بينما يتلقى وجهه صفعات متتالية، يصرخ الرجل بينما (الوسيلة) يردد:-(عمنا يا حرامي.. بتعرفني من وين؟).
تمادى غضب (الوسيلة) حتى انه أخرج سكينه من ذراعه ولوح بها في وجه الرجل الذي اندفع من الخوف متخلصاً من قبضة (الوسيلة) وركض بكل قوته، حاول (الوسيلة) ان يركض خلفه لكنه اكتفى بأن ادخل السكين في جفيرها قائلاً ( أما حراميه ، عمنا قال ) و إتجه نحو دكان (اولاد الصافي ) بكل ذلك الحذر ، بكل تلك الريبة ، يتفادي الزحام ، و لايدري بانه قد صغع اللص الحقيقي في هذا الزمان .


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2436

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1021128 [#أفندي]
2.00/5 (1 صوت)

05-31-2014 12:38 PM
لك التحية أستاذ يحي فضل الله وانت تواصل في العطاء والإبداع ...
دمت ودام قلمك سيفا بتارا!

[#أفندي]

#1020944 [بعانخي]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2014 09:08 AM
الله عليك يا استاذ ... رائع

[بعانخي]

#1020576 [jangy]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2014 07:11 PM
يديك العافية يحيى فضل اللة يا ضلنا انت قاص جميل جمال كردفان وكادقلى

[jangy]

#1020328 [كاكا]
5.00/5 (1 صوت)

05-30-2014 11:45 AM
كل الشعب السوداني الما متنفذ هو (مختار ود الحرتي) يكفي ان تنادي عليه (تكبير .. تهليل) حتي يتحول لكائن غريب

[كاكا]

#1020197 [عاشق القراءه]
5.00/5 (1 صوت)

05-30-2014 07:26 AM
ما شاء الله لا قوه إلا بالله،أسلوب سلس،بسيط،خال من التكلف والتعقيد،مشوق،مليئ بالطرافه.

[عاشق القراءه]

#1020140 [الجمبقلى]
3.00/5 (2 صوت)

05-30-2014 03:26 AM
روعه يا استاذ .قصتك دى ذكرتى ال500 ريا ل النشلونى ليها فى الجمرات ايام الحج

[الجمبقلى]

ردود على الجمبقلى
European Union [بعيشيم الحريق] 05-30-2014 09:26 PM
هههههههههههههههههههههههههه بالغت يالجمبقلي


يحيي فضل الله
يحيي فضل الله

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة