المقالات
منوعات
حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا.. حلقة "5"
حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا.. حلقة "5"
06-01-2014 11:47 PM

الفرقة الموسيقية مكونة من أربعة أشخاص من أصول رومانية يعزفون أنغام هجين غجرية/تركية في سمت رهيف. وضع النادل أمام فانيسا طبقها الأساس، خليط من الباذنجان والبطاطس والمشروم والبروكولي مع صلصة الصويا وقسط من الأعشاب الكاريبية، بينما تكون طبقي في الأساس من جمبري بالسبانخ مع شوربة المحار. علقت فوطة المائدة على رقبتي إلتزاماً بالإتكيت، لم أشعرني في حوجة ماسة لها، فقط كان معظم الناس من حولنا في المطعم يفعلون ذلك، فانيسا لم تفعل. أكملت فانيسا كوب النبيذ الأحمر الأول بينما أنا ما أزال أغالب كوبي الثاني المصنع من روح اليانسون.

"طبقك يبدو شهيا" كان قراراً وليس إستفساراً، عندها مدت فانيسا قطعة من المشروم المحمر إلى فمي ثم مازحتني "سأحولك يوما ما إلى نباتي" ضحكت وواصلت "كيف وجدت الطعام الذي طلبت"، "شهي، شهي جداً، لكن للأسف لا أستطيع أن أجعلك تجربينه كونك نباتية" وما زحتها بذات القدر الذي فعلت "سأحولك يوما ما إلى آكلة لحوم من جديد" فداست برفق على قدمي اليسرى بقدمها اليمنى وردت بصرامة "لا". كانت هناك لحظة صمت قلقة بعض الشيء، قطعتها فانيسا "قلت لي أنك لا تؤمن بالصدف"، "أنا أؤمن بكل شيء وأنكر كل شيء"!.

"لم يكن لقاءنا صدفة إلا بقدر ما يكون الكون كله صدفة. نحن مجهزون منذ الأزل لهذه اللحظة".

عندما يلتقى شخصان عبر المصادفة في مكان واحد لن تجعلهما الصدفة وحدها يلتقيان من حيث المزاج ما لم تكن هناك ترتيبات وجدانية وجسدانية مسبقة أزلية السمت. ذاك المزاج مرجعيته في الإنفجار الكوني العظيم The Big Bang "بيق بانق"، الإنسان عمره مليارات السنين، كلنا نشأنا وبدأنا من هناك "انت فيلسوف"، "لا أعتقد، هذه ليست فلسفة وإنما رؤية" قاطعتني فانيسا متسائلة "خيال علمي؟، أنا أحب الخيال العلمي" ثم حثتني على المواصلة قبل أن تسألني عن رؤيتي في معنى "الصداقة والحب والجنس" وتخبرني بدورها بما عندها.

لحظة الإنفجار الكوني العظيم أحدثت عدة مظاهر شكلت الوجود الحالي بكل مكوناته وما تزال تفعل فعلها، تلك المكونات بعضها مرئي للعيان مثل الأجسام لكن معظمها عصى على المشاهدة بالعين المجردة مثل الروح.

ليس الروح وحدها هناك المزيد لكننا لا نعلم كل شيء في الوقت الراهن. مركز المادة المتفجرة "نواتها" تحولت إلى روح وبقية المادة ظلت كما هي، ولو أن كلها روح أو في سبيل أن تكون!. وبمثل ما تكون هناك مادة منفلتة تسبح هائمة في الفضاء هناك أرواح منفلتة كما هناك موجات بين بين نشعر بتأثيرها احياناً في عالمنا البشري الخاص هي "الجن". العالم ما زال منذ تلك اللحظة الحاسمة يتشتت ويهرب إلى الأمام لكن في شبه تناسق مع بعضه البعض كونه كله وليد تلك اللحظة العظيمة "بيق بانق". تلك اللحظة ما تزال تشكل مزاجنا في تنويعات مختلفة في المقدار وفي النوع، وذاك هو سر الأبراج والأجرام السماوية. إنه سر لقائنا أنا وانت يا فانيسا وسر كل شيء!.

"هكذا ألتقينا أنا وأنت في القطار إذن؟"، "نعم هو بالضبط ما حدث، لكن ليس القطار وحده بل المزاج أيضاً". البيق بانق لا يشكل مزاجنا وأذواقنا الحسية والمعنوية فحسب بل أيضاً رؤيتنا للحياة والأشياء ومصيرنا في الماضي والحاضر والمستقبل.

"ما هذا؟."، "ماذا؟"، "الفراشة الصغيرة من على كتفك، الوشم"، "لا تقل لي أنها من نسل البق بانق" ضحكت فانيسا بشهية وواصلت في شرح معنى الوشم ومتى حدث "كان عمري تسع سنوات، كنا أنا وجانيت شقيقتي الكبرى في نزهة في بلدة بالجوار في شمال يوركشير، تصادف أن مررنا بمكان خاص برسم الوشوم فقررت جانيت في الحال أن تضع مثل هذا الوشم على كتفها ففعلت بشكل تلقائي مثلها".

"طبعاً هو من البق بانق، كل شيء يأتي من هناك، حتى جانيت شقيقتك، لا شيء يأتي من العدم ولا صدفة"، قاطعتني فانيسا بينما هي تحدق في عيوني "بالمناسبة ظهيرة اليوم تحدثت مع جانيت عبر التلفون، هي صديقتي قبل أن تكون أختي، فحدثتها عنك"، "ماذا قلتي؟"، "ربما يكون عندي هذا المساء موعد رومانسي مع شاب هولندي لطيف"، "أنا لست هولندي"، "أعرف أنك من أصول سودانية"، "الأكثر مطابقة للواقع أنني سوداني/هولندي، على الأقل رسمياً، البيق بانق هو الذي فعل". ضحت فانيسا من جديد بشهية، وذهبت خطوة أخرى في الحوار الحميم "هل تعني أن أرواحنا أنا وانت متطابقة؟". كانت تلك لحظة جديدة للتأمل في وجوه بعضنا البعض وفي خواطرنا معاً إنفجار كوني عظيم!.

يتواصل.. حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا.
محمد جمال
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 3024

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1023102 [مساعد الطباخ]
1.50/5 (4 صوت)

06-02-2014 01:58 PM
@ محمد جمال
وما من كاتب إلى سيفنى::ويبقي الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب يمينك غير شيء::يسرك في القيامة أن تراه

[مساعد الطباخ]

#1023045 [الزول الوسيم في طبعو دايما هادي]
1.00/5 (1 صوت)

06-02-2014 12:44 PM
ياعمك سد جميل
لكن
صحح "ماذا قلتي"

ماذا قلتِ
اتمني يكون (typos) فقط

[الزول الوسيم في طبعو دايما هادي]

ردود على الزول الوسيم في طبعو دايما هادي
European Union [أحمد خليل النقاش] 06-02-2014 03:05 PM
الزول الوسيم. "ماذا قلتي" من الأخطاء الشائعة. الصحيح أن تقول ( قلتِ) بدون ياء المخاطبة والسبب أن التاء هنا في قلتِ هي تاء الفاعل المتحركة وهي من ضمائر الرفع والخطاب للمؤنث فلا يصحُّ حسب قواعد الفصحى أن نجمع بين ضميري رفع أو ضميري خطاب تاء الفاعل وياء المخاطبة. غير أن كثير من الناس لا يملكون برامج تؤلهم لوضع العلامات كالكسرة في قلتِ مما يضطرهم إلى وضع الياء من باب الإبانة والأفضل تركها.

لغة محمد جمال رصينة وهو كاتب مجيد بلا شك مع انه في بعض المرات يستخدم كلمات دارجة في نصوصه مما يربك القارئ غير الملم من غير السودانيين.

تحياتي لك

أحمد خليل النقاش


#1023044 [ود الدياني]
3.00/5 (2 صوت)

06-02-2014 12:44 PM
سرد بديع واسلوب فني ساحر ينقلك بين خبايا الواقع والخيال بأريحية قل أن توجد في النصوص المعاصرة ... ليس هنالك ثمة شك من أن الأخ/ محمد جمال مشروع روائي/قاص ناضج مثقف وملم بأدوات الكتابة ... نأمل أن نرى منه الكثير في المستقبل القريب.

[ود الدياني]

#1022912 [القصًاص]
1.00/5 (1 صوت)

06-02-2014 11:20 AM
في الانتظار

[القصًاص]

#1022679 [ود قاري]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2014 06:19 AM
لا حولة ولا قوة إلا بالله
والله إبدااااااااااااع.
تاني مافي زول يجي يقول الطيب صالح وكلام القرون الوسطى. نحن عندنا زول ننافس بيه العالم كلو في الرواية.
هل هي رواية؟

[ود قاري]

ردود على ود قاري
European Union [ود قاري] 06-02-2014 02:45 PM
نار البعد والغربة

تكون ما قريت ليه اي شيء غير القصة دي وتكون هي ذاتها ما قريتها. أنا واثق، ولو قريت ما فهمت، وكلامك دا رايك الخاص وشتارتك وبس، امشي شوف الناس كتبو عنو شنو

[نار البعد والغربه] 06-02-2014 10:11 AM
يا زول انت مخستك ولا شنو؟ عاوز تقارن العملاق الطيب صالح بخواطر هذا الشخص !! ما شايف اي نواحي ابداعيه بل هي كتابات خواطر او (اماتيور رايتر) ان شئت .. اصلا مافي وجه مقارنه بين العملاق الطيب صالح وهذا الشخص .. انت زول اشتر بس !!


#1022609 [الحامدي ود الحبوبات]
0.00/5 (0 صوت)

06-02-2014 12:37 AM
ابداع ...ابداع في الاسلوب مع سلاسة في التحول والتنقل من جملة وعبارة لاخري مزجتها بحس مرهف...اخاذ....انت رائع ياهذا....شددتني معك بمعني الكلمة وبمعنى المفردة....كم اتمنى لك ان تسبح في هذه السماوات ...وكم اتمنى لك ان تلتقيا مع فانيسا الشجاعة هذه...في امتدادات كونية بازخة....وكلي لهف ان تتتابع هذه الحلقات لتكون رواية....ومن الطرف الخفي الاخر ان تلتقيا دوما لميلاد درر من نوع اخر...حبي لك ...وتقديري لفانيسا...
لا ادري لماذا ...ولكن لساني يسبقني بنطق اسمها كالاتي( فانيسيا)...وليس فانيسا...اعتذر لك ان جرحت كبريائك ...

[الحامدي ود الحبوبات]

محمد جمال
محمد جمال

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة