المقالات
السياسة
عندما كفرت العرب وكفر معها المسلمون (2)
عندما كفرت العرب وكفر معها المسلمون (2)
06-03-2014 12:54 AM


نبدا منذ الصغر في تعلم ماهية الدين والرب وتدرك سهولة ذلك فهي بضع حركات تفعلها لترضي الاله او ليرضي الاله عنك، وتمارس ما تبقي من وقت وفق العرف السائد فللاله وقته وشعائره وللحياة وقتها. ولكن توقفك بعض التفاصيل التي لا ينظر لها الاخرين وتحديدا ظلم الانسان للانسان وتتسأل اين الاله من هذا ومع الزمن تكبر الهواجس كيف يكون هنالك اله والظلم يتواصل ودعوة المظلوم لا تستجاب والظالم يستمر كما هو، تحاول ان تستوعب الدين من جديد فتبدا الدخول الى متاهات اخرى فالدين الذي كان بسيط وثابت وواضح يترائي كسراب، فلا شيء واضح او معلوم من ولادة الرسول محمد الى القران هل هو كامل او ناقص او زائد الى السنة الى اتهامات الردة التي كانت توزع حتى للائمة الى الاحكام وطريقة صياغتها الى الناسخ والمنسوخ وتاريخ انتاجه .... فتصرخ ما هو الاسلام؟ تاتيك الاجابة بنوع من الاستهزاء من اصغر شخص بان الاسلام بضع حركات ترضي بها الاله او يرضي الاله بها عنك ثم يسمعك حديث بني الاسلام على خمس !!!
هذه المقدمة كان يجب ان تكون في المقال الاول ولكن احببت ان ادخل الى الموضوع مباشرتا حتى يدرك الكل مغزى المقالات المتتابعة، وهي دعوة الى الايمان واستيعاب الارشاد الالهي بعيدا عن التدوين العربي والايمان بذلك الارشاد وليس عبادة اصنام الفكر العربي التي وجدنا عليها اباءنا.

الاسلام والكفر بين الانتماء والرفض:
عمل الفكر العربي على التداخل بين مفاهيم الرسالة ومفاهيمه عن الحياة حتى اعاد استيعاب كل الرسالة بناء على وعيه التاريخي الذاتي وليس كما ارادت الرسالة، فتم اعطاء مفهوم الاسلام والكفر طابع اجتماعي يوضح انتماء الفرد او عدم انتمائه مع تحميل ذلك المفهوم من داخله كل التراث والفكر العربي، فاصبح المفهوم من الخارج يعني الانتماء الى الاله او عدم الانتماء، ولكنه من الداخل يعني الانتماء الى الفكر والتاريخ العروبي او عدم الانتماء. ولان الانسان كائن اجتماعي من داخله لذلك ظل مفهوم الاسلام بعيد عن الرفض او القبول، فلا احد يرفض انتمائه المجتمعي دون انتمائه لمجتمع اخر. فرغم النقد الذي تواجهه الرسالة الالهية (كفكر عربي) في كثير من اوجهها الا انه لم تستطع النخب الخروج خارجها لرؤية الرسالة ككل بعيدا عن الفكر العربي حتى تتم اعادة استيعابها. فما افعله اذا هو اعادة المفاهيم الى بيئتها الطبيعية وتفكيك التداخل بين الفكر العربي والرسالة الالهية، فالاسلام والكفر يعني استيعاب او عدم استيعاب الارشاد الالهي اما الانتماء المجتمعي فهو يقوم على التحولات الاجتماعية التي بدات بمجتمعات صغيرة ثم تحولت الى اسرية وعشائرية وقبلية الى ان وصلت الى المرحلة الثقافية. فاستيعاب الرسالة الالهية كرسالة ارشادية يجعلك تنتمي الى مجتمعك الحقيقي وليس الى مجتمع متخيل اما استيعابها كفكر عربي يجعلك دائر في فلك العروبة وقيمها، وهو ما جعلنا نعيد مفهوم السودانوية كثقافة معبرة عن الانسان السوداني بعيدا عن العروبة والافرقانية، وثانيا ليس من حق احد انتزاع حرية استيعاب او عدم استيعاب الرسالة الارشادية بناء على الانتماء المجتمعي كما راينا في حالة قانون الردة الذي حوكمت على اساسه (مريم) نتيجة لعبادتنا الفكر العربي. وبذلك يكون استيعاب الرسالة الارشادية او عدم استيعابها لا يلغي انتماء الفرد السوداني مثلا الى المجتمع وكذلك لا يجعل ذلك الاستيعاب سببا للانتماء الى مجتمعات اخرى كما هو حادث الان في محاولة انتمائنا للمجتمعات العربية.

قصور الاستيعاب (الكفر) عند اليهود:
نبهت الرسالة المحمدية الى ان وجود الرسالة عند مجتمع لا يعني ان ذلك المجتمع يستوعب تلك الرسالة وضربت مثل بالمجتمع اليهودي، فرغم ايمان اليهود وتحديدا مؤمني الرسالة الاولى وهي رسالة موسي رغم ايمانهم بالاله الواحد وتاديتهم لكل الشعائر الا انهم وصفوا بالكفار، ومالم تستوعبه النخب العربية ومن بعده الاسلامية هو حاجة الرسالة الى استيعاب نخبوى حتى تؤدي غرضها، ولكن اعادة استيعاب الرسالات وفق الوعي المجتمعي الرمزي يؤدي الى تحور الرسالة وتصبح رسالة قيمية وليست رسالة ارشادية. وذلك ما حدث للرسالة الموسوية.

مقاييس الرسالات الارشادية لقصور الاستيعاب (الكفر):
تاتي الرسالات الارشادية لاعادة تعريف الذات الكلية والاخر المختلف والاخر الضد بناء على لحظة التحولات المجتمعية المحددة وتعيد تعريف الاله المتعالي فهذه هي الكليات التي تعتمد عليها الرسالات في تعريفها للايمان او الكفر كما سنرى، ففي الذات الكلية وتحديدا في الرسالات الثقافية (رسالة موسي وعيسي ومحمد) كان تعريف الذات بناء على توحيد الترميز السلوكي للكل المجتمعي الثقافي اذا تمثل ذلك السلوك في الخير او الشر او الثواب او العقاب وغيره فيجب عدم النظر الى الفرد ولكن النظر الى السلوك فقط، ولكن نسبة لاعادة استيعاب الرسالات بناء على الترميز المجتمعي فقد استمرت النظرة الى الافراد وليس الى السلوك دون اعتبار للارشاد الموجود بينهم الذي وحد كل المجتمع اليهودي (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)). فانفسكم هنا دلالة على تحول المجتمع اليهودي الى مجتمع ثقافي يجب ان يعبر عن الكل، فكان عليهم رؤية التمييز المجتمعي كتمايز في الاستيعاب وفي مرحلة التحولات بين المجتمعات اليهودية.
اما الاخر فقد كان الارشاد الى اعتبار الاخر انسان مختلف ويجب ان يعامل على ذلك الاساس ولكنهم مارسوا التفضيل المجتمعي بينهم وبين الاخر المختلف وتم نسبه الى الاله (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)).
اما الاخر الضد فهو الاخر الذي يفرض نفسه وطريقة حياته على البشرية ويحاول ان يكون البديل للاله على الارض وذلك بفرض نفسه كوسيط بين الاله والبشرية دون ادراك ان الاله يتواصل مع البشرية مباشرتا ولا حاجة له لوسيط، ولذلك جاءت الوصية الى اليهود بعدم الاعتداء على اي فرد في كل الارض وليس في المجتمع اليهودي فقط (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)).
ان الانسان في اصله من الخارج عبارة عن فرد واحد ولكنه من الداخل يتحرك كمجتمع متكامل، فالجينات تاتي محملة بالكثير من الانفعالات التي تتكامل مع مجتمع محدد مسبقا، ولكن نسبة للقصور الذي اعترى الانسانية منذ بدايتها في التكامل بين الفرد والمجتمع، بالاضافة الى قصور الوعي الاولى في استيعاب التكامل بين الانسان والطبيعة كل ذلك قاد الى استيعاب الاله كاله فاعل وليس اله متعالي وبالتالي تم اضافة بعض القيم والمفاهيم المجتمعية الى الاله باعتبارها تجسد النقاء الالهي، ولم يكتفي الوعي المجتمعي اليهودي بالحاق القيم والمفاهيم، ولكنه عندما وجد ان الرسالات تاتي اليه فقط اعتبر ان ذلك تميز من جانب المجتمع عن المجتمعات الاخرى ولم يدرك ان تلك الرسالات جاء تنتيجة لتمثيل المجتمع اليهودي نموذج للمجتمعات الخارجة من مرحلة التحولات القبلية الى المرحلة الثقافية ولذلك انتقلت الرسالة الى المجتمع العربي عندما وصل الى مرحلة التحولات تلك، فاذا نتيجة لقصور الاستيعاب ذلك تم الحاق كل المجتمع اليهودي بكل قيمه ومفاهيمه بالاله وهو ما قاده الى الكفر (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)).

قصور الاستيعاب (الكفر) عند المسيحيين:
باعتبارها اخر الرسالات لليهود مثلت الرسالة المسيحية مراجعة لكل الرسالات اليهودية واعادة استيعاب للقصور الناتج منها، ولكن لان المجتمع اليهودي كان قد رمز ذاته وقيمه كذات وقيم الهية فقد كان عاجزا عن استعاب الرسالة المسيحية التي الغت كل القيم والمماسات السلوكية التي الفتها تلك المجتمعات وتحديدا الشعائر والعبادات، فكيف لرسالتين من اله واحد ان تكون مختلفة في طريقة العبادات لذلك الاله؟! تلك كانت نظرة المجتمع، فكان المجتمع اليهودي في حاجة الى نخب حقيقية لتقوده ولكن ازمة النخب وتخفيها خلف مجتمعاتها قد كان ديدن كل المجتمعات.
ولان الرسالة المسيحية كانت مراجعة لكل الرسالات فقد ازالت الترميز السابق في الرسالات الاخرى وتركت امر الحياة والاستيعاب للمجتمعات اليهودية ونخبها، ولكن نتيجة لخلوها من الترميز والتشدد في العبادة او في الحياة انطبعت المسيحية في ذهنية اصحابها برسالة المحبة والسلام فقط وليست كرسالة ارشادية كلية ((81) لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82))، وحقيقة فشلت النخب المسيحية في ادراك مغزى الارشاد الالهي، ولذلك تميزت المسيحية بسلبية واضحة تجاه الحياة ككل، فاذا اخذنا المجتمع الغربي كمجتمع معبر عن المسيحية نجد عدم وضوح لمفهوم المجتمع وكذلك الفردية المطلقة التي لا تعبر عن حقيقة الانسانية واصبح الانسان مفعول به وليس فاعل اساسي نتيجة لاعتماد التصور المجتمعي، واكثر الفشل ظهورا نجده في مفهوم الاله الذي الحقت به المجتمعات المسيح ومريم العذراء دون استيعاب لمفهوم الاله المتعالي (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)).
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1541

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد يس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة