المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
أحمد الملك
رحلة الحب الأسبوعية
رحلة الحب الأسبوعية
06-03-2014 11:47 AM


كان عبدالرحيم مزارعا كسولا لا يقوم بأية جهد الا بما يكفي بالكاد لسد رمقه ورمق أطفاله. و بسبب تعذر حصوله في قريتهم على قطعة أرض يفلحها بسبب شهرته كمزارع كسول، إضطرللهجرة الى قريتنا ليفلح قطعة أرض صغيرة في مزرعتنا وليقوم بتقليم جريد أشجار النخيل. لكنه كان يقضي معظم الوقت حين نحضر الى البيت في العطلات المدرسية في لعب الورق (والونسة معنا). ذات مرة حضر رجل لفحص طلمبة الماء اليدوية بناء على طلب الوالد. قال الرجل ان طلمبة الماء تسحب ماء ملوثا من بئر بيت الأدب . وجد عبدالرحيم في واقعة التلوث تبريرا منطقيا لشائعة كسله الأزلي، أعلن ونحن نلعب الورق بدلا من أن يقوم الى زراعته في موسم الشتاء: ما هو دة الكاتل حيلنا!
ضحكنا من كلامه وعلّق احد اخوتي قائلا ان حيله كان (مكتولا) منذ أن رأيناه و قبل حتى أن تتلوث مياه الشرب!
ولأنه كان طيبا جدا فإن اصحاب الحواشات لم يكن يعنفونه بسبب فشله المتكرر في الزراعة، حين يتحدث شخص ما عنه وقبل ان ترد تفاصيل حكاية كسله وان نجاح موسمه كان يعني نجاحه في استعادة التقاوي التي زرعها، كان احدهم يحسم النقاش قائلا: راجل طيب! كان كل ما يفعله اصحاب المزارع هو تحاشي السماح له بالزراعة معهم، كان يحاول جاهدا الاستعاضة عن الزراعة بتربية الضأن والماعز التي لا تكلفه في العادة جهدا كبيرا اذ يتولى صغاره رعيها، دون أن يجهد هو نفسه في محاولة تطويرها أو استقدام ذكور من أنواع جيدة لتحسين نسل أغنامه كما يفعل معظم المزارعون، تاركا كل شئ للصدفة. لم تكن هناك متاعب كثيرة في الحياة، كانت الدولة تضمن العلاج والتعليم مجانا للفقراء، كان زمان الانتفاضة، لم يصل بعد سرّاق السلطة والمال العام الى الحكم، لم يكن هناك جنجويد أو قوات دعم سريع أو بطئ، كانت الحياة تبدو واعدة رغم مشاكلها الكثيرة.
وهكذا مضى عبدالرحيم في فشله وطيبته التي لا (تأكل عيش). كانت لديه مشكلة اخرى اقل اهمية. زوجته رفضت الحضور للسكن معه في منطقتنا وفّضلت العيش مع أهلها. كان يسافر نهاية كل اسبوع بحماره لزيارة اسرته. وبسبب كسله وكسل حماره كان يستغرق زمنا طويلا في السفر حتى أنه كان يشرع في العودة بمجرد وصوله احيانا!
حين عرف مزارع صديق آخر بقصة عدم استقرار عبدالرحيم بالاضافة لكسله، أعلن رأيه بعنف ثوري: رجل باطل! قبل أن يوضح: المرأة تقعد معاك في المركب يا تديه ورقته! كان خبيرا في اصدار اوراق الطلاق، وقد اهدر وقتا في المحاكم في المشاكل مع زوجاته السابقات اكثر من كل الوقت الذي قضاه في مخادع زوجاته. وكان يتبنى خطا رجعيا يؤمن لا بتفوق الرجال بصفة عامة، بل بتفوقه هو شخصيا. وكانت المرة الاولى لي التي اجد فيها شخصا يفرح بالموت! فقد أعلن لي مرة بفرح أن والد زوجته الذى كان يلتقيه في المحاكم اثناء فض نزاعاته مع زوجاته أكثر مما يلتقيه في المناسبات الاجتماعية او العامة، قد إنتقل الى الدار الآخرة! يبدو انه لم يتذكر أية محاسن لوالد زوجته السابقة، فقد أعلن: كان راجل (فقر) بضم الفاء وكسر القاء اقصد القاف) أهو راح في ستين داهية قبل أن يعلن: والله انا فرحت!
قمنا بإبلاغ عبد الرحيم حين رجع من رحلة الحب الاسبوعية ان عبدالله جارنا شتم عدم استقراره في الحب وعدم انصياع زوجته لقرار الرحيل، ووصفه بالباطل. كنا نتوقع ثورة عارمة، تخفف من رتابة الحياة في الشتاء، لكن عبدالرحيم أثبت بما لا يدع مجالا للشك انه رجل طيب يؤمن بالرأي الآخر، كان رده الوحيد ضحكة خفيفة ثم قال واصفا عبدالله: مسكين ما بيعرف ينتق (ينطق) !
سيتغير الزمان، وسيأتي التتار الجدد يرفعون راية الدين، بعد أن إستثنوا انفسهم عمليا من كل دين وأخلاق ، ليظل عبدالرحيم يزحف في رحلة الحب الأسبوعية بحماره الكسول المسن، تثقل كاهله ذكريات الزمان السعيد الآفل بأكثر مما تثقله سنوات العمر الضائعة وضنك حياة تفاقمت مصاعبها في عهد التتار الجدد.


www.ahmadalmalik.com

https://www.facebook.com/ahmad.almalik.16
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1307

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1025153 [المهدى الامام]
3.00/5 (4 صوت)

06-04-2014 11:15 AM
المرأة تقعد معاك في المركب يا تديه ورقته! كان خبيرا في اصدار اوراق الطلاق، وقد اهدر وقتا في المحاكم في المشاكل مع زوجاته السابقات اكثر من كل الوقت الذي قضاه في مخادع زوجاته .....
ياخ ده زول عسل

[المهدى الامام]

#1025041 [hasoun]
5.00/5 (3 صوت)

06-04-2014 10:00 AM
Jameela jidan ya king

[hasoun]

#1024140 [ود جبرا]
3.00/5 (3 صوت)

06-03-2014 12:38 PM
قصة جميلة، ذكرتني بأغنية عم عبد الرحيم ما بخبر زعل، تسلم أستاذ الملك
لدي ملاحظتان صغيرتان جداً لن يهتم بهما سوى مستعرب غيري
الأولى: كما كان يفعل معظم (المزارعين) وليس (المزارعون) مضاف إليه
والثانية: كان راجل (فقر) العبارة واضحة ولا تحتاج للتفسير كما يفعل كتاب المقالات
وأنا سعيد بقراءة قصة عميقة كهذي، وكما يقول أستاذنا في الجامعة، الكلام الجيد هو الذي تستطيع أن تحصي ملاحظاتك عليه

[ود جبرا]

أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة