المقالات
السياسة
أين نحن من الذي يجري حولنا؟
أين نحن من الذي يجري حولنا؟
06-10-2014 01:11 PM


فى زمن ليس بعيد دعى نظام الانقاذ الشيخ يوسف القرضاوى لزيارة دارفور للوقوف على ما يحدث هناك. لكن قبل ان يصل الى دارفور، وهو لا يزال فى الخرطوم، لخص القرضاوى الامر فى ان ما يجرى فى الغرب الدامى انما هو بفعل الصهيونية و الكاوبوى الامريكى. و طلب من جماعة الانقاذ ان يقوموا بتعليم اهل دارفور مبادىء دينهم. و انتفى بذلك غرض الزيارة، فانتهت قبل ان تبدأ، و دفع فاتورة تكلفتها الشعب المنكوب.
من يعلم من؟ مجموعة عصابات من القتلة و اللصوص الذين ما زالوا يمارسون كل مؤبقة و اثم من اغتصاب للرجال و النساء و فساد فى الارض، يعلمون الدين الحنيف لحفظة القرآن، حفدة السلطان على دينار ألذى اعترف بفضله السعوديون انفسهم فى كسوة الكعبة المشرفة و حفر الابار للحجيج، فصارت تسمى باسمه، آبار على، يبدا منها الحجيج احرامهم!
الان اصدر القرضاوى فتوى بتكفير انتخابات الرئاسة المصرية وكل من يشارك فيها. من قتل الشاب محمد صبحى الناشط فى حركة تمرد صبيحة الانتخابات الرئاسية ، و هو يحمل اوراقا خاصة بتلك الانتخابات، انما فعل ذلك تنفيذا لفتوى القرضاوى. لكن الانتخابات لم تقف، و لن تقف حركة شعوب المنطقة فى سعيها لنيل حريتها و كرامتها و التأسيس لدولة مدنية قائمة على التعدد العرقى و الدينى و الفكرى لكل مواطنيها.
"دولة الكرامة" هو الشعار الذى رفعه اللواء خليفة حفتر فتنادت له القيادات و الضباط و الجنود فى الجيش الليبى فأسس بذلك، مثل رصيفه المشير السيسى، لوعى جديد و نهج فى الدور السياسى للعسكر لم تشهده الدول النامية من قبل. و مثلما فعلت اقوال و افكار اخوان الشيطان فى مصر فعلتها بقتل احد قادة تمرد فى مصر، قتل فى ذات اليوم الصحفى الليبى مفتاح ابوزيد المعروف بمعارضته العلنية لجماعة انصار الشريعة فى بنغازى. فاغتالته بينما الجيش الوطنى الليبى بقيادة حفتر يواصل حملته ضد الارهاب فى عقر داره.
اين نحن من كل هذا؟ اين نحن من دولة الكرامة التى يسعى اليها الاخرون و يقدمون ارواحهم فدى لها؟ وصل بنا الهوان فى السودان ان يتباهى رئيس عصابة مسلحة انه هو الذى يقرر فى شأن البلاد و العباد لانه لا يوجد فيها جيش يحميها. فاذا قال هو، اى رئيس عصابة الجنجويد، اقبضوا على الصادق المهدى، يقبض على الصادق. و اذا امر باطلاق سراحه، يطلق سراحه! هذا ما ذكر على لسانه فى الاخبار المتداولة. ان صح ذلك او لم يصح، فالواقع انه لا يوجد جيش قومى لننتظر ان تقوم طليعة منه لحماية ارادة الجماهير فى التغيير، مثلما حدث فى اكتوبر و ابريل.
لكن الاخطر من ذلك ان الطليعة المستنيرة، او التى يفترض ان تكون مستنيرة لا زالت تختلف حتى حول الثوابت التى بدونها لا امل فى رأى عام مستنير يؤسس للدولة المدنية. و اهم هذه الثوابت التخلص من العنصرية، و لو نسبيا وتدريجيا، و القضاء على فكر التطرف الدينى. كثير من هؤلاء و هم من اهل الشمال يصفون اهل المناطق المهمشة بانهم عنصريون. اى انهم يسقطون ما بداخلهم على اؤلئك المهمشين! و يصفون محاولاتهم لاخذ حقوقهم و الاعتراف بهم كمواطنين، بالتحريض. كما يصفونهم بانهم حاقدون.
اما التطرف الدينى، فهنا مثال عن شخص عرف وسط الانتلجنسيا السودانية بدفاعه عن المهمشين ودفع الثمن غاليا. و قد كنت منذ زمن بعيد، و لا ازال معجب به، و هو د. عشارى احمد خليل. فى مقالة له فى سودانايل، انتقد السيد الصادق المهدى و اورد حججا و ادلة قوية تؤيد ما ذهب اليه. الا انه وصف المشير السيسى بالفرعون الجديد ووصف الاخوان فى مصر بالابطال. (....فرعون العصر الذى عذب الاسلاميين ابطال المقاومة شهداء الدفاع عن الديمقراطية فى رابعة العدوية) !
شهداء الدفاع عن الديمقراطية هم من قام قادتهم بتعذيب وقتل اثنين من ضباط الشرطة و هم من اعلنوا على الملا و من خلال وسائل الاعلام انهم سيحركون متطرفيهم فى سيناء للذبح و التفجير و القتل، وقد فعلوا... هاجموا معسكرات الجيش و اغتالوا ضباط الجيش و الشرطة من مختلف الرتب. و فجروا مقرات الدولة فى وسط القاهرة عدة مرات و روعوا الآمنين. كيف يمكن لهؤلاء ان يكونوا شهداء الدفاع عن الديمقراطية؟!
ليس فى فكرهم ولا منهجهم مجال للديمقراطية، و ان تشبهوا بها حتى يتمكنوا. فقد بداوا بالفعل فى محو اجهزة الدولة من قضاء و اعلام وجيش و شرطة، و تحويلها مؤسسات اخوانية. و مهدوا لذلك بالاعلان الدستورى من رئيس جمهورية عليه تنفيذ اوامر المرشد. ولهم اجندتهم الخارجية عبر تنظيم الاخوان العالمى التى لابد و ان تتعارض مع مصالح الشعب المصرى الذى يبحث عن العيش فى امان. أية ديمقراطية حتى يصيروا شهداء دفاعا عنها؟!
من جانب آخر فان من يقوم بفعل هدفه الاستجابة لارادة اكثر من عشرين مليون مواطن، لا يمكن ان يقال عنه فرعون. الفرعون هو من يستبد برايه و يخضع الجميع لارادته. كما لابد و ان نتذكر دائما ان لاى حركة تغيير مفصلية فى تاريخ الشعوب تجاوزاتها . هل نقول عن اللواء حفتر فرعون لانه هاجم و قتل الارهابيين فى بنغازى؟
كيف الطريق لكى نبدا المسيرة نحو دولة الكرامة و المدنية فى السودان؟ الامل فى التأكيد على الثوابت المفضية الى الرأى العام المستنير من خلال الحوار، و من خلال التعبئة الجماهيرية لقطاعات الشباب و المساعدة على ان تكون المبادرة بايديهم. المثال الحى الذى يعبر عن ذلك يمكن ان نراه فى الندوات الجماهيرية التى يقيمها تنظيم حق بقيادة الاستاذة هالة عبد الحليم و تطرح فيها رؤى المفكر العظيم الخاتم عدلان . كتلك التى كانت بالحارة 12 بامبدة قبل وقت قريب. فقد كانت تظاهرة جمعت اهل الهامش و المركز( الذى صار اكثر تهميشا) فى تلاحم فريد.
الغرض ليس فقط التخلص من دولة الفساد و الاستبداد، رغم خطورة المهمة و صعوبتها، ولكن البحث فى سبل تغيير بنية الوعى لصالح مجتمع مدينى civic تعترف جميع مكوناته ببعضها البعض، و تتخلص فى ذات الوقت من ذهنية التحريمTaboo Mentality . لم تتطور المجتمعات الحديثة الا بالتخلص "النسبى" من هذين الراسبين الاجتماعيينsocial residues الاستعلاء العرقى و ذهنية التحريم. فهما يعملان، دون ان يدرى الفرد، على ابطال ملكة العقل و التحليل، وتتحكم فيه متناقضات لا يحس بتناقضها. لنضرب مثلا بسيطا هنا. قبل اكثر من نصف قرن حرك الترابى ومعه الزعامات الدينية جماهير الشعب لطرد الحزب الشيوعى من البرلمان بزعم مجافاة فكره لمبادىء الشرع. و الان وبعد ان تحكمت عصابة اللصوص القتلة، بقيادة ذات الشخص، على كل مفاصل الدولة باسم الشريعة لمدة ربع قرن، نجد ان الحزب الشيوعى هو الحزب الوحيد من بين الاحزاب التقليدية الذى رفض دعوتهم للحوار رغم سعيهم الحثيث لذلك و محاولاتهم الاتصال به. فهل غير فكره؟ أو حتى اسمه؟ ولا احد يرى فى ذلك تناقضا ولا حتى يحس بما حدث.
لابد من الاعتراف بانقضاء فترة صلاحية البناء الاجتماعى التقليدى القائم على قيم العشيرة المتدثرة بالفقه الموروث! ولابد من تغيير بنية الوعى من اجل ان يدرك الفرد انه هو المسئول عن تنظيماته المجتمعية بما فيها الحكومة ،و ليس العكس. وهوجهد غير يسير، الا انه ليس بالمستحيل. بل انه بدأ بالفعل. بدأ منذ زمن بعيد!
التيار اللبرالى فى السودان بدأ منذ وقت بعيد، حتى قبل حركة 1924 ،على عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ، لكنه مر بفترات صعود و هبوط. لقد كتب كثيرون عن الديمقراطية و حركة الفكر الليبرالى فى السودان، بما فيهم بالطبع د. حيدر ابراهيم. الا ان الهدف لابد و ان يكون ربط الشباب بهذا التراث بغرض توثيقه و تطويره كبرامج عمل تعبوية تعتمد الخطاب الجماهيرى و ليس الاكاديمى او الفكرى البحت. اى ان يكون دور " الشيوخ" خلق منصات ينطلق منها الشباب كى لا يظنوا انهم يبدأون من فراغ.
تحويل تراث الحرية والكرامة الى ذخيرة يبنى عليها الشباب روح المقاومة نجده فى اربعة رجال افذاذ رغم انهم جاءوا من ذات المؤسسات و البيوتات التقليدية، لكن كانت لهم رؤيتهم الثاقبة لان دينهم دين المعاملة و سمو الاخلاق، لا دين التمكين المفضى الى دولة الفساد و الاستبداد.
ازعم، وقد اكون مخطئا، ان لا احد من القيادات السياسية المعروفة نال من التعذيب البدنى و النفسى من هذا النظام الفاشى ما ناله اثنان، الاستاذ سيد احمد الحسين، القيادى بالحزب الاتحادى الديمقراطى، والامير عبدالرحمن عبدالله نقد الله، القيادى بحزب الامة، امده الله بثوب العافية. نالا من التعذيب اشده لان الطغاة فى كل زمان و مكان يدركون مكامن الخطر عليهم، من يفضح عورتهم ولا يخاف منهم!
عن الثابتين: درء العنصرية و ذهنية التحريم، يقول الاستاذ سيد احمد الحسين لماذا لم يصبر الناس على التفاعل و الاندماج و التعايش فى بلد متعدد الاعراق و الديانات؟ ويوضح ان الاغلبية، لكونها اغلبية متحركة، نشأت بفعل التفاعل المتسامح ، يكون مناطها تحديد عملية تداول السلطة، "لا ان تحدد باغلبيتها الناخبة شكل الحكم او نظام الحكم." و يؤكد فى رؤية ثاقبة ان مسيرة التفاعل و الاندماج بين العناصر و الاثنيات المختلفة تعطلت منذ سبتمبر 1983 باصدار قوانين الحدود.
اما الامير عبدالرحمن نفد الله فهو من بيت دينى عريق و قد كان كثيرون يخافون عليه ان تغتاله العصابة، حتى قبل استيلائها على السلطة، فى زمن الديمقراطية الثالثة لانه كان يحاربهم بالدين. مثل ابيه الامير عبدالله نقدالله باطنه كظاهره: الدين الحق! فى زمن ابيه مثلما فى زمنه، حين لا يسمع أهل ودنوباوى قرآن الفجر والعصر يتلى بصوت رخيم يبعث الطمأنينة والامن فى نفوس سامعيه من مسجد الامام عبدالرحمن، يدركون ان الواحد منهما قد احتضنته سجون العسكر. يقول حاج عبدالرحمن، وهو الاسم الذى عرف به منذ الصغر وسط اسرته الممتدة، انك لا تستطيع ان تقيم دولة دينية فى وطن يوجد فيه فرد واحد لا يدين بذلك الدين !
فى عهد الديمقراطية الثانية طالب نفر من الانصار نقدالله الكبير ان يعزل وكيل الوزارة التى هو وزيرا لها بحجة ان الوكيل شيوعى. فرفض طلبهم قائلا انه لو كانت الشيوعية هى الكفاءة و الامانة و الاخلاص فى العمل فانه نفسه يرغب ان يكون شيوعيا !
رابع هؤلاء هو الدكتور عبد العزيز محمد عثمان الذى كان رئيسا لقسم الدراسات القرآنية بمعهد المعلمين بالمدينة المنورة. كان يحارب اللصوص القتلة بالنصوص من القرآن و السنة. و قد اصدر اشرطة بصوته يهاجمهم فيها بعناوين مثل " الاموال"، "الدماء" وهكذا. اى ان عبارة " اللصوص القتلة" المستخدمة هنا ما هى الا تكرارلما اكده بالقرآن و السنة هذا العالم الجليل !
كان يؤكد انه لو عمر اهل الشمال الجنوب و صيروه مثل الولايات المتحدة، فان هذا لا يكفى لجذبهم لخيار الوحدة ان لم تقم حملة اعتذارات تاريخية من النشطاء و القادة فى السياسة والادب و الفن و الفكرو الدين تستخدم فيها كل وسائل الاعلام و تستمر لمدة عامين يعتذرون فيها عن الفظاعات التى ارتكبوها فى حق الجنوبيين بداية من الحكم الوطنى !
و يقال ان العصابة اوعزت للمسؤولين عن المعهد الذى كان يعمل فيه بالسعودية بفصله.
هؤلاء هم من يجب تسليط الضوء عليهم وعلى افكارهم التنويرية و تقديمها للشباب من اجل تطوير قدراتهم على النضال، دع عنك اؤلئك الذين يطلون علينا كل صلاة جمعة من تلفزيونات النظام ، و يعجب كثير من القوم بفصاحتهم و قدراتهم الخطابية.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 734

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ميرغنى احمد خليل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة