المقالات
منوعات
وقائع موت مبكر
وقائع موت مبكر
06-11-2014 03:52 PM


في صباح ذلك اليوم و في تلك الساعة شدخ الفضاء الهاديء صوت ضحكة باذخة انيقة ‏معطرة بأريج اشجار الليمون اليانعة لتستقر في آذان متيقظة.لكنها لم تتبين مصدره و لم ‏تعرف كنهه. انسلت تلك الضحكة من ذلك الفم الذي سرعان ما أغلقته يدها اليسرى ‏خشية أن يفتضح ما وراءه . تلفتت يمنة و يسرة في خوف و هي تتكئ في فراشها ‏الدافيء في ذلك الظل البارد في خلفية الدار‎
تلك كانت واحدة من المداعبات الخفيفة التي تجعلها تحلّق و لو دقائق فوق آفاق تنسّيها ‏سجنها و دوامة عملها الممل و تطير به فوق أحلامها المسدودة الأفق. كانت تتكئ على ‏ذراعها و هي لم تقم بعد من تأثير أحلامها العابرة و قد نضدت ثيابها في استرخاء. ‏أغراها عدم وجود أي فرد من أفراد الأسرة في تلك الساعة‎. ‎فاستدعت ذاكرتها طيف طالما ‏زارها و لكنها كانت تصده و هي مكرهة. كانت تصده و هي تكوّم الثياب للغسيل، تصده ‏و هي تقشر البصل أثناء الطبخ و أثناء إعداد الشاي أو العصير لسيل لا ينقطع من ‏الضيوف و الزوار و أصحاب الحاجات‎.
كانت عيونها لا تستقبل النوم إلا بعد أن تنقطع جميع الأصوات في ذلك البيت الواسع. ‏و بعد أن ينقطع الحديث و الضحك في لهاة المتسامرين و بعد ان يسحب الكرى دثاره ‏على الأعين التعبى الساهرة و بعد أن تنعس الحيوانات الأليفة و الطيور الداجنة و ‏الحشرات التي تقلق المنام .إذا كانت هي آخر من ينوم في ذلك البيت باستثناء كلب ‏الحراسة الضخم ذو الفك الضخم و الاذنين الطويلتين. و في المقابل كانت أول من ‏يصحو إذ لم يكن نومها نوم و لا حتى صحوها صح. فقد كان النوم يستدعيها عدة مرات ‏قبل أن تستجيب. و حتّى حينما تجيء للسرير لكي تنام كانت تعرف أن الساعات القليلة ‏التي ستنامها لن تكفيها لمقابلة شقاء يومها السابق أو يومها التالي‎.

كانت (فاطمة) و كان ذلك اسمها الذي اختاره لها سيدها او ابيها كما تطلق عليه مجازا ‏حينما تبناها بعد وفاة والدتها كثيرا ما يمر بخيالها طيف والدتها العزيزة.و تتذكر لحظات ‏فراقها الأبدي لوالدتها. كان ذلك قبل عشرة اعوام. كان عمرها هي ثمانية سنوات، وكانت ‏والدتها هي من تقوم بمهام العمل في المنزل. في تلك اللحظات كانت تجمع الملابس ‏القذرة و تكوّمها استعداد للغسيل. فتحت الماء لها كما طلبت منها والدتها. و تفاجأت ‏حين رجعت بان وجدت والدتها مستلقية على جنبها الأيسر و يداها مبسوطتان و رأسها ‏يميل للخلف. تفاجأت لهول المنظر و هي انحنت و هي تنادي عليها في توسل أليم: ‏امي! امي‎! ‎انهضي‎! ‎لم تستجيب لندائها اليائس المستجدي..... و لكن لا فائدة. ثم ‏أعقبتها صرخت مكلومة فجاءت جاءت ربة المنزل و بقية أفراد الأسرى مفزوعين. و كان ‏سلك الكهرباء اللعين لا يزال ملامسا للماء المتجمع من الغسيل الذي كانت تقوم بها ‏أـمها.سرقت الكهرباء في لحظة إحساسها بالأمن و الحنان و الاطمئنان. و ذهبت والدتها ‏و تركتها تكابد العذاب و الملل و تقاسي الإحساس باليتم و الضياع. كانت تتذكر كيف ‏كانت أمها طيبة و صبورة و جميلة الملامح حتى اجمل من سيدة الدار‎.

ماذا لو كانت امها عائشة؟ لربما كانت تجد الفرصة لكي تواصل تعليمها الذي انقطع ‏منذ السنة الثانية. و لربما كانت لا تلجا للعمل في هذا المنزل و لربما لم تكن تكابد ما ‏تكابده من مشقة و رهق و سهر و تعنيف و شدة من سيدة الدار أو من بنتها الكبرى‎.
و كان (هو) هو الإبن الأصغر كان مدللاً، كان طويل القامة وسيماً و معجبا بنفسه ‏مولعاً‎. ‎لكنه كان كثير الطلبات مولعاً بإلقاء الأوامر، و مرهقة. أصدقاؤه كثيرون و ‏ضيوفه كذلكو بالتالي طلباته كثيرة. الملاحظ أنه بدأ في الاونة الأخيرة يغيّر من أسلوبه ‏معها و بدأ أكثر لطفاً من ذي قبل. قبل شهرين فقط ، بدأ لأول مرة يشعر بها كأنثى ‏حيث تنبّه فجأة لتغييرات بدأت تزيّن جسمها حولّتها في ناظريه فجأة من شغالة إلى أنثى ‏مشتهاة.تغييرات في مشيتها و في صوتها و في إنحناءات و نتواءات و استدارات و ‏تجاويف و بروز أنوثة طامحة تطل برأسها معلنة عن مكامن الشهوة الجديدة و عن موارد ‏أثيرة للرواء. فكان هو أول من تلقّف هذه البشائر المبكرة و أول من التفت إلى تلك ‏التغييرات المثيرة و لم تكن تلفت نظره من قبل. فصار يتوقف قليلا ليتساءل عن سر تلك ‏النشوة التي صار يشعر بها و هو يطالعها و هي واقفة أو جالسة أو منحنية. و .. ‏اختمرت الفكرة في رأسه‎.

كان صباح اليوم يحمل لها الكثير. اندلقت تلك الضحكة الناعمة من فمها في الأثير ‏فمرت خافتة في تلك الساعة دون أن تنتبه لها آذان مترصّدة أو قلوب متيقّظة. انسربت ‏تلك الضحكة رد فعل تلقائي لكلمة معسولة المنغمة الماكرة الخادعة المضمغة بالخبرة و ‏الدراية و الممعنة في الفجور و المتعة غير البريئة من فمه الذي خبر كيف و متى يتفوّه ‏بها.و اخترقت الكلمة المنمقة المدربة و انسابت في طريقها إلى أذن صافية و رائقة في ‏تلك الساحة و انسربت من الأذن إلى الخياشيم و منها الأوردة و الخلايا فصحا القلب و ‏تنبّهت المشاعر و تدفقت هرمونات و تسارع دقات القلب و فاحت نشوة ضاقت بها ‏عيونها صبوة و احتلبت ذاكرتها كل خزين الأشواق الذي كانت تكنّه منذ أعوام. و مرّت ‏تلك النشوة على ذلك الجسم المثير الوثير المنسي فاهتز و ارتج وانتصبت أعضاؤه و ‏تنبهت حواسه‎.
أما هو فقد تلفت دماغه ذاك العنيد في حركة آلية يمنة و يسرى للتأكد من أنه لا احد. ‏كان ابوه يرقد في سريره في شبه إفاقة، او فلنقل في شبه صحو، لا يهم فهو يكون ‏مستيقظاً يبدو كالنائم و هو يمسك مسبحته مستغرقاً في ملكوت الدعوات و توقعات ‏الاستجابة‎.
مرت الأيام و الأسابيع و هو يجتر في لذة ذكريات تلك الساعة عدة مرات في اليوم و ‏هو لاهي و هادئ البال. أما هي فكانت إذ تستعيد نشوة تلك الساعة و هي غارقة في ‏شغلها الذي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد تطرد شبح قلق وليد بدأ يطل برأسه و يزداد يوماً ‏إثر يوم‎.
كان النسيم الفجري البارد قد اعتاد أن يغشى ذلك الدار كل يوم هامساً في دجى الليل ‏المتواري في فضاء الكون، و ينادي في صبح الطيور و الديكة ليوقظها من نومها ‏الخفيف لتبدأ يومها بصياحها المنبّه المقدّس. و يمر النسيم الصباحي البارد كذلك ليمس ‏الضان و الماعز مسا خفيفا و هي واقفة أو جالسة او راقدة على جنوبها فتستيقظ من ‏سباتها الوثير‎.
أما هو فقد كان هو وحده من بين تلك الأحياء من لم يوقظه ذاك النسيم و لا الشمس ‏الزاجرة و لا صحو الطيور و لا استفاقة الحيوانات و لا صوت المؤذن و لا حتى نداء ‏بائع الحليب الطازج الذي يأتي متأخرا. كان الصحو يستعصي عليه لطول السهر. و ‏لأنه يغالب الصحو بما يكفي من غطاء يسد به على تلك الأصوات المنبّهة كافة المنافذ ‏بحيث تصل واهنة رقيقة أمام نومه الغليظ‎.
صحا ذلك اليوم مبكرا على غير العادة. اغتسل و استعد و ذهب متلصصا على أطراف ‏أصابع قدميه.اختار وقتا مناسبا والده نائم بعد صلاة الفجر و إخوته الصغار ذهبوا ‏للمدرسة و أخيه الكبير ذهب للعمل مبكرين كالعادة و تبقت فقط الدته هي الوحيدة ‏المستيقظة يقلل من خطورة استيقاظها قلة حركتها و ثقل السمع. منذ يومين أعد العدة ‏لكي يستمتع بذلك الجسم الطازج الفتي الدافيء. كم مرة ألح و لم تستجيب من المؤكد ‏أنه لا مانع لديها لكنها تخاف الآخرين و العواقب. اليوم يوم مناسب و الساعة مناسبة و ‏الظروف أكثر من مناسبة. تسلل في هدوء تحفه شهوته المشتعلة و فوران رغبته الجياشة ‏و جرأة لا بد منها لكي ينال ما يشتهي‎.
دقائق سريعة و كان بقربها في السرير مطبقا شفتيه في عناد. كانت أعضاؤه في أوج ‏تيّقظها. ....و استسلمت هي في لذة مباغتة لم تجد منها بد من الاستسلام. في تلك ‏اللحظات لم يكن قلبها فقط يضخ الدم الفوار الساخن في خلايا جسمها و يكاد أن يخترق ‏جدران الشرايين بل كان طبل يدق على جدار الصدر في عنف يكاد يخرق الضلوع. ‏داهمتها في لحظة شهقة قصيرة مفاجئة. لكنها سرعان ما توارت وراء خدر مدغدغ و لذة ‏عميقة تغلبت على ردة فعلها المندهشة. كانت تلك تجربته البكر الأولى، فتدفقت في ‏ارض شبقها البكر ما رشح من نبع شهوته الطامحة و منجم شهوته البكر بدأ دافقاً في ‏عنفوانه ثم ... ثم اعقبه خمود فاتر الدفق...........و انسل هو متهالك الجسد خائر ‏القوى و تركها تلملم بقايا لذتها في تراخي و خدر واهن. و .....ظلت هي في استكانتها ‏إلى أن هدأ بركانها. و ظلت في غفوتها المستسلمة تلك ثم اعقبتها افاقة هزتها من ‏لتستيقظ مفاجئة و قصيرة على لحظة يقظة أرعبتها‎.
بعد أن نهضت من رقدتها تلك و سوت هيئتها ذهبت لتطمئن على أن ما تم قبل دقائق ‏لم يشهده و لم يسمع به سواهما. غسلت بقايا اللذة التي هربت منها سريعا قبل أن ‏ترتشف منها ما يكفيها.و عندما أكمل الصباح صحوه كانت قد اندمجت في جدول ‏أعمالها اليومية كأن شيئا لم يكن‎.
مرّ يومان و كانت تسرح في ما حدث تجتر ذكرياته في لذة ممزوجة بالخوف و ‏الإنزعاج. حكت ما حدث لصاحبتها و رفيقتها في العمل في المنزل و التي سبق لها ‏الزواج قبل أن يتوفى زوجها و تلتحق بالعمل معها بالمنزل. مرت أيام و أسابيع و بدأت ‏ثمرة الشهوة في النمو و بدأ يغزو هدوء و رتابة حياتها الهواجس و المخاوف. أما هو ‏فقد انتقلت إليه توابع سرحانها المتكرر و قلقها البادي فلم يستكين و لم يرتاح طيلة ‏الأسابيع الفائتة. تحرك يمنة و يسرة و استشار الرفاق و الصحاب و لم يروى ذلك غليله ‏و لم يقنعه‎ . ‎فالحلول جلّها صعبة و كلها غير مأمونة. فاتحته في الموضوع و هو عالم ‏به و أشارت إليه بأن يجد الحل. فكان ذلك يزيد من إنزعاجه و تشوّشه. أما هو في هذه ‏الأيام فكان لا يجد في النوم ملاذاً آمناً و لا لذة آسرة كما كان من قبل،بل صار يجد فيه ‏مهربا واسعا و ملجأ امينا للهرب و التخفّي‎ ‎‏.‏‎
و في صباح لا يختلف عن باقي صباحات أيام الله كانا أمام أحد المنازل يسبقهما خوف ‏و أما هو كان يرى أن اليوم سيحمل له الحل و الراحة . كانت هي رغم خوفها الغامض ‏و ترددها تجد نفسها مساقة مضطرة لحل لا يوجد في أفقها المحدود غيره‎.
جاء من في يده مفاتح الحل مد يده و استلم المبلغ، المبلغ الذي ادخرته لشهور من الكد ‏و السهر . مدت يدا معروقة خالية من مظاهر النعومة و الرقة يد طالما أطعمت و ‏سقت و غسلت و رفعت و أنزلت‎.
جلست على اطراف المحفة العالية و قلبها ينبض بالقلق و هي ترى المكان مزدحم ‏بالمعدات الطبية و الشاش و زجاجات العقاقير‎. ‎نظرت يمنة و يسرة في حيرة.طلب منها ‏ان ترقد .تذكرت أمها الحنون يا ليتها كانت معها. فمن يحيطها بالعطف و الحنان بل ‏بالخوف ، أي الخوف من المجهول‎.
استسلمت في رقدتها و مدت يدها لحقنة المخدر. ثواني و انساب المخدر في عروقها ‏المستسلمة كدبيب النمل. و سرى ببطء إلى أوعيتها و شعيراتها الدموية و انساب في ‏كيانها خدراً و راحة،راحة عميقة الراحة التي لم تذقها منذ سنوات. مرت الدقائق بطيئة و ‏اليد المدربة تعمل و القلوب الواجفة تنتظر و الدقائق تمر متثاقلة و متمهلة . بعد هنيهة ‏تم اقتطاع الثمرة المحرمة. الثمرة التي نمت في غفلة من الجميع و نمت رغماً عن ‏الجميع فذهبت غير مرغوب فيها أو في قدومها.كانت فاطمة ترقد و ملامحها تفيض ‏بالهدوء و قد تحس بانتهاء القلق الذي أقضّ مضجعها طيلة الشهور الفائتة‎.
مرت الدقائق و السكون يحيط بالمكان في صمت قاتل. و سرت السكينة الباردة الناعمة ‏في صمت أطرافها التي لم تعرف النعومة و لا السكينة. أخيراً جاءت تسعى إليها ما ‏كانت تطلبها من قبل و لم تجدها. جاءت الراحة لتعلن في حسم انتهاء سنوات الإرهاق و ‏العذاب و المعاناة و القلق‎. ..........
‎..‎ثم‎ ....‎
راحت في سبات...طويل

و راحة ... أبدية..‏‎.‎


محمد عبدالله الحسين
[email protected]




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 960

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد عبدالله الحسين
محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة