وطنية الفنانين أكثر صدقا (1)
06-18-2014 01:22 AM

محور اللقيا

أذكر قبل عام و نيف و في حفل ترفيهي للجالية السودانية بأكسفورد بالمملكة المتحدة كنت أجلس قرب الفنان السوداني العالمي الأستاذ إبراهيم الصلحي الذي يقطن في أكسفورد و هو من أعضاء الجالية . وجدت نفسي بحس الكاتب الصحفي أدخل معه في دردشة حوارية شملت ومضات من مسيرة حياته بينما كانت فقرات الحفل تمثل لنا لوحة خلفية .
بداية حواري معه كانت خصوصية الفن السوداني في ما عرف بمدرسة الخرطوم و قد كان الأستاذ الصلحي واحدا من روادها , و أجابني في تواضع جم أنهم لم يأتوا بهذا التعريف بل أتى به بعض النقاد الغربيين الذين شاهدوا الخصوصية في لوحات الفنانين التشكيليين شبرين و عثمان وقيع الله و الصلحي حيث كانت تعبر عن وحدات من المرئيات في الفن التشكيلي الشعبي نتيجة لتلاقح الثقافتين الأفريقية و العربية الإسلامية , فكانت الشرافة و اللوح و البرش و الطبق و الحروف العربية مع آيات قرآنية و المباني القديمة في حلفا و سواكن و الوجوه و الأقنعة الأفريقية و ما شابهها من ملامح على الإنسان و المكان . هؤلاء النقاد أطلقوا على هذا الفن التشكيلي ( مدرسة الخرطوم ) في سبعينات القرن الماضي , و لكن هذا النوع من الفن التشكيلي قد ظهر قبل السبعينات . سألت عن علاقة مدرسة الخرطوم بجماعة الغابة و الصحراء , قال إن مدرسة الخرطوم كانت عفوية بينما الغابة و الصحراء كانت أكثر شمولا . إنتقلت به إلى برنامجه التليفزيوني الشهير في السبعينات و هو سهرة منوعات بإسم ( بيت الجاك ) وقد كان قد إستوحى إسمه من أقصوصة في كتاب الأطفال المدرسي , قال لي أنه يحمد لبرنامجه ذاك تعريفه له بالشخصية السودانية على نطاق أكبر مما زاد في رصيده من الأصدقاء . سألته ما كان قد تردد في فترة مايو و قد كان فيها وكيلا لوزارة الإعلام أنه قد رفض السماح لسيارات الوزارة أن تخرج لتنقل المواطنين للمشاركة في مسيرة مؤيدة لنظام مايو رغما عن توجيه السلطات بذلك و كانت النتيجة أن تم إعفاؤه من منصبه , أجابني بالإيجاب و هو يبتسم !
بعد ذلك إنتقلت معه و هو مقيم في بريطانيا منذ عدة أعوام و قد نال الجنسية البريطانية و لكنه لا يزال يشدد في اللقاءات الرسمية أنه سوداني , صمت برهة و قال إنه فعلا سوداني و أن ما يقدمه هو فن سوداني محلي رغم عالميته , قال إنه قد نال الجنسية البريطانية قانونا بحكم المدة التي قضاها في بريطانيا و لكنه لا زال محتفظا بالجنسية السودانية , و هذا الأمر قد أضاع عليه الكثير من فرص الإنتشار في بريطانيا حيث قد تم تجاوزه في محافل كثيرة لإصراره على تقديمه كفنان سوداني , و لكن في الآونة الأخيرة و بعد أن أثبتت أعماله نجاحات فائقة أعيدت له مكانته رسميا و صارت لوحاته تعرض في أكبر الصالات في بريطانيا و في الدول الأخرى . سألته عما أشيع من إنزال لوحة لبيكاسو في صالة قاليري الفن الحديث في لندن و وضع لوحة له في مكانها , قال و كله تواضع لقد حدث ذلك و لكن لأن الجدار كان كبيرا على لوحة بيكاسو بينما لوحته كانت أكبر و هذا كان هو السبب . سالته أخيرا عن إنتاجه الفني التشكيلي في الإستديو الخاص به , قال إنه يرسم يوميا لمدة عشر ساعات أو أكثر و أنه يداوم على عرض لوحاته في القاليريهات الكبرى ! بعد ذلك طلبت منه أن نتحرك لمشاركة الآخرين في الحفل و لكنه طلب مني أن أخبره بكل صدق إن كنت أعلم بحضوره لهذا الحفل فأعددت ما أعددت من أسئلة , أجبته أنني في زيارة لأكسفورد و ليس لي علم أنه يقطن في اكسفورد تحديدا و قد خرجت كل أسئلتي تلك من مخزون الذاكرة . ضحكنا و تحركنا إلى المسرح و رفعنا يدينا بالبشر و انطلقت الزغاريد !
لقد ساهم المثقفون السودانيون من كتاب و شعراء و فنانين في التوصل إلى صيغة للهوية السودانية منذ ستينات القرن الماضي من خلال مكونات المجتمع الأفريقية العربية , و قد كانت اللبنات الأولى في جماعة الغابة و الصحراء ثم جماعة أباداماك ثم مدرسة الخرطوم للفنون التشكيلية, إلى أن أتى الأستاذ الفنان أحمد الطيب زين العابدين فجسدها في مصطلح السودانوية ! لقد كنت قد كتبت في مقالة لي بعنوان ( السودانوية كحل لقضايانا الراهنة ) أنه منذ عقد السبعينات أبان الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين أن للسودان خصوصيته الذاتية التي شكلت هويته من مجموع خصوصياته العرقية و اللغوية و الدينية في أقاليمه المختلفة . كان السودان موزعا بين العروبة و الأفريقانية و لكن عند وضعهما في مكانيهما الصحيحين كوجهين لعملة واحدة , يزول الإلتباس ! إنني أرجو من القراء الكرام أن يقرأوا ثانية التعريف الذي اورده الأستاذ أحمد الطيب زين العابدين أعلاه عن السودانوية بكل تمعن . إنه يقول أن الخصوصيات العرقية و اللغوية و الدينية في أقاليم السودان المختلفة تشكل في مجملها الخصوصية الذاتية لهوية السودان التي سماها السودانوية . هذا يعني الإعتراف بالجزء و تمثيله في الكل , و هذا يتطلب القبول بالآخر تحت مظلة السلام و الحرية . هل نحن بعد هذا في إحتياج لطرح حوار عن ماهية الهوية ؟
قبل اشهر قليلة مضت تم تكريم الفنان العالمي الأستاذ إبراهيم الصلحي في حفل رسمي و شعبي كبير في العاصمة الخرطوم , و كان عند عودته من بريطانيا قد نزل في بيت والده القديم في حي العباسية في أم درمان , و قد هب كل سكان الحي للترحيب و الإحتفاء به و إجترار الذكريات الجميلة عن أيامهم الخوالي , و لم تقصر القنوات الفضائية السودانية في إستضافته و إظهار ما بدواخله من حب مكنون للسودان . في حفل التكريم أشاد المتحدثون بالمحتفى به و بدوره في إبراز الوجه المشرق للسودان و بوطنيته , ثم شدا الفنانون بدررهم و كان من بينهم زميله الفنان التشكيلي و المغني شرحبيل أحمد كما كان من ضمن الحضور الفنان التشكيلي إبراهيم العوام , و أحسست بما أحس به الأستاذ الصلحي من راحة نفسية و هو في حضن مدرسة الخرطوم الفنية .
من يستطيع إقتلاع شجرة النخيل
الباسقة من جذورها
إنها إن أرغمت تذهب
لكن جذرها العميق يبقى !
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم و هو التعايش السلمي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك افريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني . إن العودة إلى المكون السوداني القديم تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس !


د. عمر بادي
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1408

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
د. عمر بادي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة