المقالات
منوعات
أريد أن أرى السودان..... هل ممكن؟
أريد أن أرى السودان..... هل ممكن؟
06-22-2014 03:30 PM



الليلة الصعيد جاد وأتخلف براقو
والفرع لولتو الزيفه وكرس نقناقو
ترا الليل انتلت هجعوا المساهرين راقو
وحسْ قلبي المشارف لي بلد عشاقو
" شاعر سوداني"
في عام 1975 كنا طلاباً بمدرسة خور طقت الثانوية واستطعنا جمع مبلغ لا يستهان به من المال بغية تنظيم رحلة طلابية إلى جوبا في صيف ذلك العام إذ كان الجنوب يتمتع بحالة من الاستقرار النسبي عقب اتفاقية أديس أبابا التي وقعتها حكومة مايو مع زعماء التمرد في عام 1972؛ فقد أقرت الاتفاقية الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي كإقليم واحد مكون من ثلاث ولايات، وبموجب الاتفاقية دمجت قوات حركة الأنانيا الجنوبية في صفوف الجيش السوداني. ونتيجة لتلك الترتيبات انتهت الحرب وعم الاستقرار في كل الوطن لأول مرة منذ اندلاع التمرد في عام 1955، وتسارعت وتيرة التنمية في الشمال والجنوب؛ ولكن لظروف تتعلق بالمعلمين لم نتمكن من القيام بتلك الرحلة. لقد ذهبت الوحدة أدراج الرياح وأنشطر الوطن إلى نصفين، ورغماً عن ذلك ما زالت عندي رغبة قوية في رؤية مناطق السودان، من محمد قول أو إن شئت فقل من حلايب وشلاتين شرقاً حتى الجنينة غرباً، ومن حلفا شمالاً حتى نملي جنوباً وفقاً لخارطة السودان القديمة التي ستظل منحوتة في وجدان الشعب السوداني في الشمال والجنوب ما تعاقب الليل والنهار. ولعل هذا الإحساس الدفين يعود لما غرسته في نفوسنا ونحن يومئذ أطفال صغار تلك القصيدة التربوية الرائعة للشاعر الكبير أستاذ الأجيال عبد الرحمن على طه وقد جاء فيها:
ما زلت في رحلاتي السعيدة
حتى وصلت يامبيو البعيدة
منطقة غزيرة الأشجار
لما بها من كثرة الأمطــار
قدم لي منقو طعـام البفره
وهو لذيذ كطعام الكســـره
وبعدها استمــر بي رحيلي
حتى نزلت في محمد قـــول
وجدت فيها صاحبي حاج طاهر
وهو فتى بفن الصيد ماهـــر
ذهبت معه مرةً للبحـــــر
وذقت ماء لا كماء النهــــر
إن مثل هذا الشعر أقل ما يقال عنه أنه يجعلك تحس وتدرك الانتماء لوطن يزخر بالتنوع والتفرد في كل شيء ويسند ذلك ما كنا نراه من رحلات يقوم بها الناس من تمبكتو في دار مالي أو من سكوتو أو غينيا أو نيجيريا أو الكاميرون أو غانا أو السنغال أو غامبيا أو ساحل العاج، في رحلة نحو الحج تمتد لسنوات مروراً بسلطنات دارفور والسودان الغربي حتى بور تسودان لا يحمل أحدهم إلا عصاه وقليلاً من الماء والزاد وربما مصحفاً وبعض الكتب، لا يخاف إلا الله ووحوش الفلاة في تلك البقاع الشاسعة التي يقطعها الناس سيراً على الأقدام أو على ظهور دوابهم التي أنهكها طول السفر ومشقته، وهم في سيرهم يرددون قول الشاعر:
يا راحلين إلى مِنى بقيادي
هيّجتم يوم الرحيل فؤادي
سرتم وسار دليلكم يا وحشتي
الشوق أقلقني وصوت الحادي
حرّمتم جفني المنام ببعدكم
يا ساكنين المنحنى والوادي
فهذا الشوق الدافق الذي تجده في مثل الشعر الوجداني الرصين هو ما يجعلك تحن إلى رؤية أماكن تراها بقلبك قبل أن تراها العين؛ فأنا هنا أحن إلى رؤية أشجار السرو والقمبيل والمهوقنى وشلالات سوني وقلول ونيرتتى في قمة جبل مرة في أقصى غربنا الحبيب، ودعونا نردد هذه الكلمات الرقيقة مع أبو عركي البخيت:
مرسال الشوق يا الكلك ذوق
أغشى الحبان في كل مكان
قليهم شفنا جبل مرة
وعشنا لحظات حب ومسرة
بين غيمة تغازل كل زهرة
وخيال رمانة على المجرى
تخيل نفسك تنظر إلى لوحة بهذا القدر من الرونق والروعة والجمال، وبعد هذا كله ألا تحن لرؤية الجبل؟ ويا حبذا لو تناولنا، ونحن في طريقنا نحو تلك البقاع، كوباً من عصير الليمون في بارا أو قليلاً من مانجو أبو جبيهة في الجبال الشرقية ومنها إلى هيبان وسلارا وغيرها من ديار النوبة والحوازمة في جنوب كردفان. وما رأيكم إذا امتدت بنا الرحلة إلى بحيرة كيلك في ديار المسيرية:
من النهود لي بارا
شوف جمال البقارة
و رقصتم مع النقاره
وشوف جمال السودان
في بلدنا كردفان
وإذا اتجهنا شمالًا نستريح قليلاً من عناء السفر في حدائق نوري أو تحت نخيل الباوقة ريثما نستأنف رحلتنا إلى كسلا حيث توتيل والقاش والسواقي والوجه الحسن، ونزور النيل الأزرق ونشتري العسل من باو أو الكرمك ونواصل السير إلى رهيد البردي في رحلة غير منتظمة الخط:
الفؤاد دايماً بنادي
في اغترابي وفي ابتعادي
ليك لأنك من بلادي
شلت من النيل صباهو
ومن جمال النيل بهاهو
من مناظر السبر صفحة
من رهيد البردي لوحة
من نخيل الباوقة طرحة
من مريدي السمحة نفحة
وإن لم تعد مريدي جزءاً من الوطن الحبيب، ولكنها مع ذلك تبقى في الوجدان وما بكت العرب على شيء كما بكت على الأطلال فالمكانُ هو تذكُّرٌ لمَراتِع الصِّبا، وضَحكاتِ الطُّفُولةِ البريَئةِ، وهو جزء من كِيانِ الإنسانِ، فمهما ابتعد عنه، وشطت به الدارُ، فلا بد أن تبقى أطلالُ بلادهِ في ثنايا مُخَيّلتِه، وهذا جُزْءٌ يَسِيْرٌ مِنَ الوفاءِ لهذه الأرضِ التي حملتكَ على ظهرْها وأنتَ تحبو، ثم تمشي، ثم بعد انتهاء الأجل تدفن فيها. ومرجعنا في ذلك قول الشاعر العربي:
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهمُ مآرِبُ قضَّاها الشبابُ هُنالكا
إذا ذَكَروا أوطانَهم ذكَّرَتْهُمُ عهودَ الصِّبَا فيها فحنُّوا لذلِكا
والإنسان يتشوق للوطن في ديار الغربة بجميع الأحوال، فكيف به إذا طال به الاغتراب وأحس بأن سنين العمر تنقضي دون أن يلوح أمامه أمل بالعودة! ولذلك لا نزال نذكر هذهِّ الأبيات:
وطنَ النجومِ، أنا هُنا، حدّقْ.. أتذكُرُ مَن أنا؟
ألمحتَ في الماضيْ البعيدِ فتًى غريراً أَرعنَا؟
جذلانَ يَمرحُ في حقولكَ كالنّسيمِ مُدندِنَا
أنا ذلكَ الوَلَدُ الّذي دُنياهُ كانت هاهنا !
هذه دعوة صريحة للسياحة في السودان من أجل الحب والمودة والسلام فدعونا ننظم رحلة من بلاد المهجر تحمل هذه المضامين بعيداً عن السياسة والحروب والجهوية والقبلية، فلنذهب سوياً؛ ولذلك نتمنى أن تضع الحرب أوزارها وأن يسمح حاملو السلاح والساسة لمثل هذه الأشواق والأفكار الوادعة والحنين الدافق أن تجد طريقها إلى التنفيذ من أجل سودان العزة والكرامة والوحدة والإخاء والتنمية حتى يستمتع الناس بهذه المناظر الخلابة في أمن وطمأنينة. فهل لنا من عودة يا ترى؟
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 853

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1042469 [حيدر حسن فؤاد]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2014 12:02 PM
من اسعدته الظروف وجادت عليه الايام بمودتها وساح في مساحة المليون ميل .. بعيدا عن السياسة والانتماء ..لعرف قدر السودان وعلو كعب الانسان السوداني..ولدندن دهجمال سوداني.. ففي هذا الوطن العظيم والجميل يمتزج حسن الانسان بجمال الطبيعة وتقف مندهشا لمن تغني .. اقول ارموا وراء ظهوركم قذلرة السياسة وتعالوا نسوح في وطن الجمال ويكفي ان نغني [ الناس في بلدي يصنعون الحب ] .

[حيدر حسن فؤاد]

#1042103 [أب احمد]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2014 12:30 AM
والله يا استاذ التجاني ما قادر اوصفك بأيه , لكن يمكن تكون طولت من السودان أو مع أحترامي ليك تكون ضارب ليك حاجة,! يا أخي كل ما قلت من وصف و شعر اتت عليه النيران و ما بقي منها لفت به حاجات الفول و التسالي ما عندهم , حتى الفوائل في دواوين الخدمة الخاصة بالمستخدمين لم تسلم و كل الأشياء الجميلة و التي كانت قبل ثورة المغول محفوظة في الباب الذين مثلك, اما كل الامكنة التي ذكرتها تشم فيها رائحة الجثث و تري فيها الموت جهارآ نهارآ هذا اذ لم تسلب او تقتل حالآ او تقصفك إنتنوف أو تسقط عليك سخوي ما جاد منها , يا تجاني هل تعلم نتيجة لعدم و جود الحديد الخردة دلوقت كل الطواري جمع طورية و الحشاشات و الملود و مكمك طق الهشاب كل هذه الادوات مصنوعة من قذائف المغول ,و الله يا تجاني فيكم خيال لا يوجد و لا في هوليود , حتى اهل هوليود تركوها و حضروا يشاهدو مأساتنا و نصبوا الاقمار من حر مالهم لتوثيق ما نحن نعيشو , تجي إنت الليلة يا تجاني تقول لينا خيال رمانة هو سيدها الغناها نكرها و اليوم واقف معانا برجل واحدة , احذرك ثم احذرك ثم احذرك في حال إنك دقست و جيتنا خت في بالك إنك ميت ميت بنسبة 200% أو اكثر خاصتآ إنت من دار الريح حيث لا امان من حي الناظر او من موقف سودري , إياك و إياك أن يقودك الحنين و تفكر في الوقوف على اطلال خورطقت لانك سوف تموت واقف امام مكان الحلاق او السفرة و ربما إلتقاك شبح ود ضيف الله محزرأ دخول داخليته و معه دقنة بشحموا و لحمو و دقنو , و الله يا تجاني لولا إنك في غربة طولية لسجلنا سذاجتكم بدواوين غنيس و لمات مدوني غنيس من الضحك عليك , هل تعلم ان موضوعك نقلتو من النت في ورقة خارجية و ادخلتو في خزانتي الخاصة نسبه لدثامتو و معلوماتك الثرة قل ان تجدها في دار الوثائق الكانت قبل ان باعها المغول, يا أخي السودان ما فضل فيه قشة واحدة , ولو سألت اي واحد عمرو اقل من خمسة و ثلاثين قلت ليهو ما معني قش يقول ليك قشو ما تجيبو حي هذا هو المعنى,,! شكرأ ليك يا تجاني وآسف لتهكمي عليك يا استاذ و معليش روحنا مكركرة , و جذاك الله علي تذكيرنا بالهرم عبدالرحمن علي طه و في القولد إلتقيت بالصديق الذي هجرنا و نأى بموته بعيدآ من المغول ,جذاك الله خير,,

[أب احمد]

محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة