الجزيرة ومصر: اكتشاف المرآة
02-08-2011 02:56 PM

الجزيرة ومصر: اكتشاف المرآة

د. عبدالوهاب الأفندي
[email protected]

(1)

الموت البطئ لنظام الرئيس حسني مبارك خلق حالة نادرة أصبحنا نشاهد فيها احتضار نظام على شاشات التلفزة. في الغالب تنهار الأنظمة بسرعة ويندثر خطابها بحيث يصبح من اهتمامات المؤرخين وقضاة المحاكم. أما في مصر، فنشهد هذه الأيام حالة سريالية يعيش فيها خطاب النظام المندثر جنباً إلى جنب مع خطاب الثورة، كحال أهل الكهف إذ يمشون بين الناس.

(2)

ليست السريالية فقط هي التي تميز الخطاب الرسمي المصري، بل التناقض المستمر مع الذات. استمعت إلى صحفي مشهور مقرب من النظام وهو يصب جام غضبه على المتظاهرين ممن أساءوا الأدب مع الرئيس مبارك وأنكروا فضله، ثم يعترف بأخطاء ارتكبت في عهد مبارك، ويقول إن مبارك لم يكن يعلم عنها، وحتى لو كان يعلم، فيجب أن يعطى فرصة ليصحح. ثم يقول إن الرئيس استمع إلى صوت المحتجين، قبل أن ينتقد احتجاجهم مجدداً. فلا تصل في نهاية الاستماع إليه إلى نتيجة.

(3)

في واقعة أخرى كان أحد الصحفيين إياهم يعلق على الطلب الأمريكي الواضح بسرعة استقالة مبارك بلهجة تذكر بأيام عبدالناصر رحمه الله. فمصر لا تخضع لإملاءات الأجانب، وإنما المصريون هم من يحدد من يحكمهم (صاحبنا نسي أن دعوة استقالة مبارك جاءت من شوارع مصر، بما فيها مسقط رأسه في المنوفية). ولكن لم تمر سويعات على مثل هذه التصريحات العنترية حتى وردنا مشهد آخر من محطة تلفزيون أمريكية لشخصية رسمية هذه المرة، في حديث حميمي مع مقدمة الأخبار في مبنى يطل على ميدان التحرير وهو ينخرط في حملة علاقات عامة لإقناع الرأي الأمريكي بأن مبارك هو رجل أمريكا والقادر على ضبط مصر.

(4)

السريالية جاءت في التناقض بين الحديث الناعم للخبير الرسمي وبين المشهد الذي أراد للمحطة الأمريكية أن تراه، وهو يقول للمذيعة الأمريكية اللامعة إن ما ترينه هناك ليس مصر الحقيقية. هذا المشهد، أضاف، سيصبح في ذمة التاريخ، وسترين قريباً مصر الحقيقية. ثم جاءت مصر الحقيقية: الحمير والبغال والجمال، وأنا لا أتحدث هنا عن الدواب. سمع المشاهدون الأمريكية كلمات الرجل المتحذلق عن مصر الحقيقية وشاهدوا البربرية والبلطجة في أبشع صورها، فأي الرسالتين وصلت ياترى؟

(5)

يضطرب خطاب المدافعين عن النظام بين الإشادة بالشباب المحتجين والقول بأنهم سمعوا صوتهم، وأن الرئيس المصري قد استجاب لمطالبهم، وبين الزعم بأن هؤلاء مأجورون لا يمثلون مصر ولا شعبها. من جهة يؤكد هؤلاء أن مبارك لن يترشح هو ولا ابنه، ثم يهتف هتافتهم بأن مبارك هو حبيب الشعب وأنه سيبقى رئيساً لمصر. الإعلام الرسمي يتجاهل الاحتجاجات تماماً، ثم يتحدثون عن مؤامرة تحاك لمصر.

(6)

منذ بداية الأحداث، شعر النظام بأن الإعلام هو مقتله، فقام بإغلاق الانترنيت وشبكات الهاتف النقال، ثم انثنى إلى قناة الجزيرة فأغلق مكاتبها ومنع موظفيها من العمل وشوش على إرسالها. وإذا قبلنا تهمة أن الجزيرة كانت متحيزة، فما هو ذنب الانترنيت والهاتف النقال، هل تدربت هي أيضاً في أمريكا وإيران وقطر لزعزعة استقرار النظام؟

(7)

حقد النظام على الجزيرة يصعب فهمه، لأن من يتابع تغطية القنوات الأخرى، ومنها البي بي سي العربية ومعظم القنوات الغربية، لا يجد أنها تختلف كثيراً عن الجزيرة. فالكل ينقل الصور من ميدان التحرير ومناطق التظاهر الأخرى، وينقل آراء المتظاهرين والقادة السياسيين ورموز الفكر والمجتمع في مصر. قناة العربية اجتهدت أكثر من غيرها في محاولة إرضاء النظام، وذلك بإخفاء الصورة الحقيفية ما أمكن ومحاولة إعطاء دعاية النظام المتناقضة مساحة أكبر. ولكن حتى الأسئلة البريئة أغضبت المدافعين عن النظام وهم يحاولون بيع ما لا يباع، فألمح بأن المذيع لا يفهم مصر. وعندما أبلغه المذيع بأنه مصري أيضاً، رد الرجل بجفاف: مش باين، وأنهي المكالمة.

(8)

مثلما أن الحكومة حكمت بأن الجزيرة هي عدوها الأول، اختار الشعب المصري العربية عدواً وصنفها بوقاً للنظام، حتى اضطرت القناة للدفاع عن نفسها بعد أن أوردت أن طواقمها أصبحت تتعرض للتهجم بانتظام من قبل أفراد الشعب المصري. وعليه يبدو أن عودة الجزيرة بعد نجاح الثورة سيتزامن مع طرد العربية من مصر.

(9)


من السذاجة بالطبع القول بأن هناك إعلام محايد، لأن كل خطاب إعلامي لا بد أن ينطلق من أسس سياسية وثقافية. الجزيرة حققت ما حققت من نجاح لأنها سعت إلى التناغم مع نبض الشارع العربي، ولكن مع احترام أبجديات المهنية الصحفية. فهي ليست بوقاً دعائياً لحزب أو نظام، ولو كانت لما التفت إليها أحد. والأنظمة تخشى الجزيرة تحديداً لأنها تحظى بالاحترام والمصداقية، ولأنها أصحبت مرآة ترى فيها وجهها القبيح، كما حدث مع صاحب الحمير والبغال.


(9)

قناة العربية أنشأتها الأنظمة لتصبح المتحدث بصوتها في مقابل الجزيرة التي أصبحت عندهم لسان الشعوب المغلوبة على أمرها. وهي اعتراف من هذه الأنظمة بفشل إعلامها الرسمي ومحاولة لبناء إعلام احترافي موال. ولكن القيود الكثيرة المفروضة على العربية، وصعوبة تسويق بضاعة الأنظمة الكاسدة جعلها في وضع حرج. وكما هو الحال في مصر، فإن تحيزها للاستبداد يضرها دون أن ينفع الأنظمة.

(10)

إن الأنظمة على حق، لأن الثورات الأخيرة التي عصفت بالاستبداد كانت بالفعل نتاج التنسيق الإعلامي عبر الوسائط الحديثة من شبكات الانترنيت والمحمول. ولكن الأنظمة مخطئة إذ تظن أن حجب المعلومات وإعادة البلاد إلى العصر الحجري تقنياً سيطيل عمرها. فالجماهير لم تكن في حاجة إلى الجزيرة لكي تعرف عن فساد الأنظمة واستبدادها، فهذه أمور يعيشها المواطن كل يوم. وإذ تريد الأنظمة إعادة الزمن إلى ما قبل اكتشاف مرآة الإعلام حتى لا ترى وجهها القبيح، فإن الشعوب لا تحتاج للمرآة لكي ترى هذه القبح الماثل أمامها.

القدس العربي


تعليقات 8 | إهداء 1 | زيارات 2984

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#93144 [kalifa]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2011 06:11 PM
أستاذنا الأفندي....تحايتنا...كنا نحسب أنك من العقلاء الفارين بجلدهم من مشروع الاسلام السياسي الفاشل وبعد أن رأيت بأم عينك مافعله رفقاء الأمس بالسودان من فساد وإفساد وقتل وإغتصاب وأخيرا تفتيت البلاد واعلاء الجهوية وإشعال فتن القبيلة والعصبية الأثنية التي نهي عنها أشرف الخلق الرسول الكريم...ولكن خاب الظن ويظهر ان بالكاس باقي.....قناة الجزيرة ياسيدي الفاضل هي قناة تجمع مابين الأصوليين الإسلاموييين والصهيونية العالمية وتدعم الخطط الاستراتيجية للحلف السري وتتلخص أهداف القناة في الأتي :
1. هدم وتكسير ماتبقي من فكر قومي عربي
2. محاربة الأنظمة التي تسند العروبة مثل السعودية ومصر
3. تحسين صورة الأنظمة والجماعات الموالية سرا أو علنا للتوجهات الاصولية مثل السودان وحماس وحزب الله
4. خلق فوضي وبلبلة تسبق سيطرة جماعات الاسلام السياسي الموالية كما في الجزائر والمغرب وموريتانيا ولبنان والعراق
5. دعم التوجهات الايرانية في المنطقة كحلف تكتيكي يسهل سيطرتهم على الدول العربية والاستفادة من الخلايا الشيعية المنظمة والمترابطة والغنية ولاننسي هنا حلف رجال لبازار مع رجال الأعمال اليهود لعقود طويلة بل مئات السنيين
أن موقف الجزيرة من مايحدث في السودان ووقوفهم الدائم خلف عصابة البشير لظاهر للعيان..لأن ماتخطط لة الصهيونية بالسودان ينفذ حرفيا حتي نال إستحسان البانتجون كمان!!!! اما الشعارات ونفخات ناس ابو العفين وجلالات الدفاع الشعبي كلوا هوا في الهواء الطلق !!!


#92764 [قاسم خالد ]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2011 07:25 AM
الجزيرة منحازة للكيزان فليس لها عين ترى فساد من تقاسموا الميادين و المنتزهات ليبنوا فيها القصور للمحظيات من الصبايا أقصد المثنى و الثلاث و الرباع ، لا و لم تسمع ببيوت الأشباح ، لا و لم تسمع بملايين دار فور في معسكرات الجوع رغم أنهم مسلمون ... لا و لم تسمع بالصبية المجندين الذين قتلوا في العيلفون عمليات صيد كتلك التي يقوم بها صيادو الأرانب ، و لا و لم تسمع بقتلى المظاهرات السلمية في بورسودان و أمري و كجبار الذين تم قتلهم بالرصاص كما تقتل الكلاب .... لن تسمع الجزيرة بمن سيقتل و لا بمن سيعذب ، لا و لن ترى فساد أهل هي لله الذي يزكم الأنوف لأن عين الرضا عن كل عيب كليلة و لأنها تتغذى من هذا المال المعطون بالدم و أنات الجوعى في دار فور و الشرق ، الجزيرة أكبر كذبة و هي مثل ظراط الشياطين ... ستجد دعايتها مع أولئك الذين برعوا في إطلاق الرصاص على أرجل مخالفيهم في غزة ....


#92724 [مامون]
0.00/5 (0 صوت)

02-09-2011 01:15 AM
ويبقى القول يا دكتور اي نوع من الاعلاميين انت في ما يتعلق بما يحدث في السودان؟ نعلم بأنك كنت منهم, فهل انت منا الان؟ او ما زلت متذبذب المزاج وسابح مع تيار المصلحة؟ وهل يوجد دواء لداء الكوز؟ ام ان الحالة داء ليس له دواء؟


#92614 [واحد]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2011 07:46 PM
الجزيره قناة الشعوب الجزيره الاعلام الصادق

لكن السودان ليس شعب واحد حتي تقف الجزيره الي جانبه

السودان دولة القبيله والحقد القبلي واللوني

لذا الجزيره في حيره من امرها

قسموه وفتتو واي قرد يطلع جبلو

السودان لحم راس باختصار حلاوه مولد
مستحيل يكون دوله واحده يتساوا فيها الحميع

ده من قبيلة فلان وده من علان ده تشادي وده فلاتي وده جانا من وين والزول ده قبيلتو شنو والزول ده دخل الجحيم اقصد السودان سنة كم وده عنصري وده احمر واصفر

وهاك يا اهان واذدياد في التخلف والرجعيه
وداعا يا امة ضحكة من جهلها الامم


#92612 [زول]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2011 07:42 PM
مع تقديرنا لثورة شباب مصر ، الاّ أن جزيرة (الحمساوي) وضاح خنفر ، لم تكن محايدة يوماً ، فهي مرآة بها عطب واضح بحيث لا تعكس الصورة كما يجب ..
خاصة اذا تعّلق الأمر بالدولة صاحبة القناة او بالاسلامويين ..


#92547 [مواطن ]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2011 05:47 PM
الكاتب الاسلاموي ...الدكتور عبد الوهاب الأفندي .....يدافع عن قناة الجزيرة القطرية الاخوانجية
لأنها لا تهاجم فكر الأخوان المتأسلمين ولا تهاجم النظام القطري الذي يمولها ويستضيفها ....
ولا عجب فالطيور على أشكالها تقع ........نفاق في نفاق !!!!!


#92477 [محمد موسى]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2011 03:48 PM
لكن يامعالى الدكتور قناة الجزيرة هذه التى تتغنى بمحاسنها وحياديتها والممولة قطربا لاتجرؤ بتاتا على ذكر اى امر سياسى يتناول دولة قطر ونظام حكمها وحاكمتها المطلقة الشيخة موزة المسند . اليس بنظام قطر مساوىء او اخطاء ؟ اليس هو نظام الاسرة الواحدة المرتكز على قاعدة السيلية الامريكية التى انطلق منها غزو العراق؟ الا يرفرف فى سمائها علم بنى صهيون من خلال مبنى الملحقية التجارية ااسرائيلية؟


#92437 [smy]
0.00/5 (0 صوت)

02-08-2011 03:09 PM
الجزيرة اسفل قناة تلفزيونية ونحن من تغطيتها لانتخابات الخج في السودان عرفناه علي حقيقتها .
فهي مع النظام الفاسد في السودان .


د. عبدالوهاب الأفندي
د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة