المقالات
السياسة
غربة الساحر
غربة الساحر
06-26-2014 02:32 AM

في محاولة لاصطناع الفرحة تسعى الجاليات السودانية في الغربة لأحياء حفلات أو عقد مناسبات اجتماعية تجمع شمل أفراد الأسرة المنكوبة. قلما ينكسف الجناة أو من تسببوا في هذه المأساة، بل أن بعضهم ينتهزها مناسبة للتشافي من عقدة الذنب وتبرئة نفسه من الوزر فيهرع لمصافحة الكل وممازحتهم بوجه ملؤه براءة وقلب ينطوي على مكر لا يقبل الاعتذار أو الاعتبار.
مد الجاني يده ليصافح المجني علية فرفض الأخير ان يرد التحية. استنكر الحضور هذه الفعلة في يوم عيد هو ابرك الاعياد وعابوا عليه لكنه افحمهم بقوله "لقد اقالني هذا الشخص من وظيفة نلتها بكافة الاستحقاقات العلمية والمهنية يوم ان كان وزيرا للحكم الإداري وكانت الموجة حينها بل الحوجة لضباط رساليين وليس ضباط إداريين، فالحمد لله الذي جاء بالجاني والمجني عليه طلبا للجوء في هذه الدولة الغربية وسعيا للإقامة في بلد يكرم بشرية الإنسان ويحترم ارادته."
رد عليه الحضور بسذاجة (استحالت عبر الايام إلى بلادة مذهبية واعتمادية للتملق كوسيلة للتأقلم مع الحياة المدنية): يا أخي هذا أمر شخصي. كيف يكون الأمر شخصيا -- بمعني انه لا يتعدى دائرة الفعل الخاص الي الفعل العام -- وقد كانت الإقالة هي إحدى الوسائل التي اعتمدتها الانقاذ لتدمير هذه الهيئة الإدارية أو تلك تدميرا منهجياً لم يعف حتي ارشيف مدينة الفاشر من الحرق او مكتبة ديوان الحكم المحلي من الاستحواذ الشخصي (خصخصة) او اطباء مستشفيي بن سينا من الاقالة او فلنكات السكة حديد في مشروع الجزيرة من "التشليع" او ضرب التماسك الوجداني للشعب من خلال الالغاء لداخليات السكن الطلابي؟
هنالك اخطاء ارتكبتها كآفة الحكومات الوطنية منذ الاستقلال لكنها اخطاء في التقدير لا تنحدر مطلقا الي مستوي المؤامرة او الخيانة العظمي، امَّا ما فعلته الانقاذ فقد كان اعتداءً على الإنسان السوداني واستهدافا لمجتمعه واغتيالا لثقافته ولتاريخه.من هنا أصبح الأمر امرا شخصيا يستثير الحمية ويؤجج من انفعالات المرء ويدغدغ مشاعره. يقول جورج اورويل "عندما يلتزم كاتب في الحقل السياسي، فعليه القيام بذلك كمواطن، أي ككائن بشري وليس ككاتب،"وإلا لما استطاع ان يبقى على انسانيته ولهان عليه تحسس رأسه. إن الحياد في مثل هذه الحالات هو موقف غير اخلاقي بامتياز ، امَّا مغالبة النفس وإلهائها بكتابات سطحية (خاصة لأولئك الكتاب الذين ما زالوا يترددون بين الانتماء للمنظومة او الانتماء للشعب)، هو ايهام لا يقل بلادة عن حجة السيدة الامية التي اشرفت ردحا من الزمن علي سجون الدولة النازية. سيفاجأ هذا الشعب إن ادرك يوما بعد التمحيص ان كثيرا ممن هتفوا بالمظالم يتعاطفون مع الظالم، احيانا بدافع العنصرية وكثيرا بدافع المحافظة علي المصلحة الذاتية.
يأتي قادة الانقاذ مدعين ذكاءً وعبقرية (ممن كانوا بالأمس شعبيين)، فيزعمون ان انهيار السودان سببه خلل متأصل في طبيعة السودانيين الاصلية بل ان كبيرهم يذهب من ابعد من ذلك إذ اشتكي اليه اهل الجزيرة محنتهم في زيارته الاخيرة لهم فلا يزيد اكثر من مطالبتهم بالرجوع إلى الله!
لا يفوت القارئ ان هذا الخطاب هو خطاب من المفترض ان يكون نتاج مطالعات ثقافية وخواطر عميقة نضجت فترة اعتكافه (أو اعتزاله للكاميرا)؛ لكنه خطاب يخرج من أعماق جهنمية مظلمة يحاول فيها الشيخ الترابي التهرب من مسؤوليته الشخصية من خلال الاسقاط لخطاب لاهوتي من المفترض ان يكون نقدا واقعيا واعمالا لحس تجريبي يحفز "الحركة الإسلامية"علي إعادة النظر في مشروعية الدولة الدينية، ولا يكتفي فقط بتجريم الاخوانيين أو الحكم فقط بعدم كفاءة المسؤولين.
يحار المرء في المحاولة لرصد الاتجاهات اللولبية لمثل هذا النوع من الخطابات، فالخطيب، عوض عن استشراف رؤية مستقبلية مستعينا بأدوات فكرية ناجعة، يتجه التقهقرية للبحث عن حل في متون الكتب الوعظية. ثم لا يلبث ان يتجه عموديا نحو القاعدة متجاوزاً مسؤولية القائمين على الأمر ودورهم الرائد في ايصال البلاد الي هذا الدرك السحيق، الذي يصدق فيه قول شاعرنا العماني سيف الرحبي:
مقبرة عالية الكفن والعظام
تسفوها الرياح الهوج
من كل الكواكب والجهات
من عادة هؤلاء الوعاظ انهم يفصلون بين المصداقية التأملية والتحقيقية العلمية فقد اعتادوا ان يعزوا علة ما نعاني من تفسخ اجتماعي إلى سوء اخلاقنا. وهم بذلك يعتبرون الاصلاح أمراً ميسورا. فمجرد ان نصلح اخلاقنا، ونغسل من قلوبنا ادر ان الحسد والأنانية والشهوة، نصبح على زعمهم سعداء مرفهين ونعيد مجد الاجداد (د. علي الوردي، وعاظ السلاطين). هم لا شك يدركون كما يقول عبدالاله بلقزيز ان "المشكلة في وقعنا وحاضرنا السياسي والاجتماعي والثقافي، والحل فيه"، لكنهم يتخذون الإسلام مشجبا هرباً من الواقع الذي يتطلب مواجهة المشكلة في ميادينها العقلية، لا المفتعلة والمستعارة، بمعنى أخر فإن خوض المعترك عِلمانيا يحرمهم ميزة الوصاية، ويعفهم من تبعة المساءلة. من هنا نفهم تبريرات للفشل بألفاظ ومصطلحات مثل الفتنة (فتنة السلطة)، الشهوة (شهوة المال)، الابتلاء (الضعف في مقاومة مغريات الدنيا)، وغيرها من العبارات التي تنكر دور العقل في تحقيق الازدهار والمساهمة في تقدم الإنسانية نحو الكمال.
لقد اصبحت تضاريس الوهم الأخواني أكثر أهمية من الخريطة الأرضية وامست عزائم الإفك الإسلامي أعلى شأو من المسلم نفسه، علماً بأن الله قد منَّ على الإنسان بالعقيدة ليحفظ بها كرامته وبالفكر ليحقق به كفايته وبالحرية ليصون بها ارادته. ونحن إذ نرى الانقاذ تزدهر فوق تراب الإفلاس الاقتصادي، التهتك الاخلاقي، الاضمحلال الاجتماعي، التوترات الدولية والإقليمية والضعف الحكومي والاستياء الشعبي، نرى شيخا جل ما يهمه الحفاظ على كيانه السياسي (ليس الكيان الوطني) من التشرذم. لا غرو، فإن الترابي وزمرته يتعاملون مع الله (جل جلاله)، الشعب (عز مقامه)، والوطن (سمت اركانه) على أساس أنها أشياء، مجرد أشياء!
وهو في هذه الآونة رغم تشدقه بالألفاظ الدينية لا يمارس السياسة لاستنقاذ الشعب من محنته وتحريره بعد ان سلبت إنسانيته، إنما يخطط للإيقاع بالأخرين الذي حرموه، من التجوال في دهاليز الحكم لعقد من الزمان او نحوه، وإن كان حاضرا بفكره الذي انتظمت بموجبه احوال الحكم لسنين خلت من بعده.ففي الوقت الذي يسعى فيه الترابي للانتصاف من غرمائه توشك ان تحل كارثة على هذا الوطن "تجعل الاجنة عالقة في أرحام الأمهات". فهو لا يملك اليوم أدوات (جيش، مصارف، سند اقليمي، وهم شعوبي بالخلافة، ارادة او قناعة بالتمكين، مجتمع مدني قابل للتجيير، الي اخره)، انما اصرار علي الدهاء والمكر وقد صدق الشيخ ود بدر في قوله "شايف البيحفر بمشي لي تحت"، فما ادعاء الذكاء والعبقرية في مثل هذه الظروف إلا تحريف للطبيعة الأصلية والسوية للأشياء.

[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 1525

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1046299 [alarabi]
0.00/5 (0 صوت)

06-27-2014 01:47 PM
الراكوبة الراكوبة الراكوبة لماذا مثل هذه المقالات التي تنير طريق السودانيين وتمنحهم المعرفة لسلوك الطريق الصحيح تنشر جانبياً. المسألة مش مقامات المسألة مسؤولية تاريخية على أكتفانا فالوطن الى ضياع ولا نريد أن تساهم الراكوبة الراكوبة في ذلك بتقييمها للمقالات بصورة خاطئة فبالله أنشروا للوليد في قمة هرم الراكوبة ولكم تحياتي أيها المناضلين

[alarabi]

#1045684 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2014 04:06 PM
يا دكتور وليد الحركة الاسلاموية السودانية هم حثالة اهل السودان ودى ما بيتناطحوا فيها عنزان!!!!!!!

[مدحت عروة]

#1045448 [Salah E l Hassan]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2014 12:06 PM
لك التحية يا د.وليد نرجو ان يفهم الشعب السودانى ما تقوله لأن الصطحية و عدم الاستفادة من تجاربنا واخطاءنا السابقة هى اس البلاء فى هذا الوطن نتمنى ان يكونوا وعو الدرس هذه المرة و ان ننسى كلمات المجاملة الممجوجة من عفى الله عما سلف واخواتها من العفوة عند المقدرة و المسامح كريم ....!!!!!!

[Salah E l Hassan]

#1045397 [جنابو]
1.00/5 (1 صوت)

06-26-2014 11:16 AM
رائع رائع يا وليد أنار الله طريقك وأرجو أن يكون هذا المقال إفتتاحية لسلسلة من المقالات لكي يستنير الجاهل ونعري المستغل للجهل بلوي عين الحقيقة .. كسرة: يا ناس الراكوبة مثل هذه المقالات يجب أن تكون في الصدارة وأنتم تعلمون لماذا

[جنابو]

#1045349 [على حمد ابراهيم]
1.00/5 (1 صوت)

06-26-2014 10:26 AM
دكتور وليد
تحية طيبة
من فضلك خليك فى مثل هذه الروائع واترك ما عداها وتعال راجع للحوش عشان اعادة البناء على الاسس المثلى , هل فهمتنى يادكتور

[على حمد ابراهيم]

ردود على على حمد ابراهيم
United States [عمدة] 06-26-2014 11:56 PM
انشاء الله يا دكتور ما تكون عايز ترجعوا لى زريبة الانصار. كان دا قصدك يبقى ستحرم القراء من ابداع حر مستقل.


#1045313 [المشتهى السخينه]
1.00/5 (1 صوت)

06-26-2014 09:57 AM
الخيش حسن الترابى رجل كمل الغباء والسذاجه بامتياز ..استأجر العميد البشير ليمثل دور القوات المسلحة فى الانقلاب ..البشير رجل ساذج وبائس وشبه امى ..لم يقرأ كتابا فى حياته ..احتال على الترابى ( الذكى ) وسرق منه السلطة والحزب والدين وزج به فى السجن حقيرا وضيعا ..
الان البشير هو المالك الحصرى للمتبقى من السودان .واسرته تعتبر من اغنى العائلات فى العالم مالا ونفوذا ..
الان الخيش حسن الترابى يلحس بلاط السلطان يوميا بدقنه ولسانه عله يرضى عنه ويمنحه مما اعطاه (الترابى ) ..

ضاع السودان وانفرط عقده الاجتماعى .وقريبا سترون الصومال جنة بالمقارنة بالسودان .

[المشتهى السخينه]

#1045243 [عبدالقادر التجانى]
1.00/5 (1 صوت)

06-26-2014 08:50 AM
لك التحية يا دكتور . لقد ابدعت و اؤجزت فأصبت كبد الحقيقة الخافية على أغلبناز و دعك من الشمات اللذين لا يفهمون كنه الحقيقة و لو سطعت امامهم بنورها الوهاج .

[عبدالقادر التجانى]

#1045210 [طلال]
0.00/5 (0 صوت)

06-26-2014 07:51 AM
ومن قال لك ايها الاهبل ان الجاليات السودانية تصتنع الفرح ايها الجاهل البي .. ماتحول تعمل فيها ذكي وظريف ..انت مش الجلدك ود المهدي الدلاهه الاسمو بشري .. نعلة الله ليكم جميعا انصار علي كيزان علي مراغنة ..

[طلال]

ردود على طلال
European Union [جنابو] 06-26-2014 11:12 AM
كاك

United States [الخمجان] 06-26-2014 09:08 AM
عليك الله ببلادتك دي ترد على الوليد.....عشان كدة السودان بيحفر لي تحت.....العيب يالوليد ما الشيخ الملعون ولا في الانقاذ...العيب في الشعب السوداني ....شوف المصريين في سنة واحدة اتخلصوا منهم ديل في السودان بيجمعوا اشتاتهم علشان يحكموا الشعب الفضل....لا ارى في استمرار الانقاذ بهذا الشكل من دافع الا اسباب العنصرية والاسعلاء العرقي من بعض مستعربي شمال السودان......وهم الذين حكموا طوال فترة الحكم الوطني ....ولم يكن حصاد حكمهم الا انحطاط السودان.....الحمدلله على سوء الحال.....


د. الوليد ادم مادبو
 د. الوليد ادم مادبو

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة