الكتابة علي تندة لوري
06-27-2014 03:25 AM

كتبت اعمالي في كل مكان ، كتبت مثلا بعض صفحات من ( الوجود و العدم ) علي تلة صغيرة في ( البرفيس ) حين كنت في رحلة علي الدراجة مع سيمون وبوست ، كنت اول من وصل فجلست علي الارض في ظل بعض الصخور وبدأت اكتب ثم وصل الاثنان و جلسا قربي بينما واصلت الكتابة ، من الواضح اني كتبت الكثير في المقاهي ، مثلا اجزاء كثيرة من رواية ( وقف التنفيذ) و كتاب ( الوجود و العدم ) كتبت في مقاهي ( لاكوبل و لاثروا موسكيترز ولافلور ) و لكن منذ العام 45 - 1946م حين اقمت مع امي في 42 شارع بونابرت ثم بعد عام 1962م في بوليفار راسبيل كنت اكتب غالبا في مكتبتي ، كذلك كتبت اثناء السفر ))
هكذا تحدث الفيلسوف الاديب ( جان بول سارتر ) عن بعض عاداته في الكتابة حين حاوره ( ميشيل كونتا ) و قد نشرت دار شرقيات للنشر و التوزيع هذا الحوار الممتع في كتاب بعنوان (صورة شخصية في السبعينات ) بترجمة من الاستاذ المترجم الراحل احمد عمر شاهين ، التقط هذا الحديث عن عادات الكتابة لهذا الفيلسوف الكبير الذي راهن علي الادب كوسيلة لايصال افكاره حول الوجود و العدم و الذي يعتبر الكتابة من اهم شروط وجوده (( لقد اردت ان اكتب عن العالم و عن نفسي وذلك ما فعلته ، اردت ان يقرأني الاخرون وقد حدث و حين يقرأ كاتب علي نطاق واسع تأتي الشهرة ، واتت الشهرة ، هذه هي الحياة التي حلمت بها و انا ولد ، وهكذا لقد حققت تلك الحياة و لكن هناك شيئا اخر لست متأكدا ماهو ))
علي كل هاهو ( جان بول سارتر ) يعلن انه يكتب في اي مكان خارج ما يسمي بطقوس الكتابة ، الكتابة تلك العملية المعقدة و التي ينظر اليها البعض بإعتبارها نوعا من الجنون ، نوعا من ذلك الإنفلات وبرغم كل ذلك تحتاج هذه العملية الي نوع من الإلتزام والإنضباط و لكن قد تتمرد تلك الرغبة - رغبة الكتابة او سمها شهوة علي قيود الزمان و المكان ، ان تلك التلة الصغيرة في ( البرفيس ) و التي حرضت ( سارتر ) علي الكتابة تقذف بي الي مشهد اعتبر نفسي محظوظا اذ اني حظيت بمشاهدته ، صيف امدرماني و ليل له مع النسائم و القمر الإبتهاج ، صيف 1986م ، في حي بانت حيث كنت اسكن و معي الاصدقاء السماني لوال و عبد الله حسب الرسول و كان الصديق الشاعر الراحل المقيم عمر الطيب الدوش ضيفنا الدائم ، في تلك الليلة القمراء كان عمر الدوش يتألف مع إنفلاته حين داهمته القصيدة ، كنا خارج المنزل و في طريقنا اليه و في ميدان بانت جلس عمر الدوش بالقرب من تلة رمل علي طرف سوق بانت امام احدي الدكاكين التي كانت تحت الصيانة ، جلس عمرالدوش منتميا الي ضوء القمر الساطع و باصابعه بدأ يمسح علي الارض كتلاميذ الاولية و ليس الابتدائية حين يتعلمون كتابة الحروف علي الرمل و باصابع مرتعشة كتب عمر الدوش علي الرمل
(( سحابات الهموم يا ليل
بكن
بين السكات و القول ))
و لم املك انا إلا إرتعاشي الحميم تجاه هذه المدخل الشعري النقي و الصافي و من حسن الحظ ان جيوبي لاتعدم الورقة و القلم فها هو عمر الدوش يكتب باصابعه علي الرمل و انا انقل ما يكتبه علي الورقة المزحومة بكتابات اخري غير مترابطة
(( و باقات النجوم الجن
يعزن
في المطر
فاتن عزاك رجعن ))
يتدفق الشعر علي ذلك الرمل و ان الاحق الكلمات قبل ان تمسحها كف عمر الدوش بتلقائية غريبة كي ينتقل اصبعه السبابة المرتعش بفعل هذا الثقل الجمالي الحميم الي دفقة اخري من الشعر
(( وشوق رؤياك
رزاز صفق
علي خطوة بنات
سجعن ))
الم اقل لكم انني في تلك الليلة الصيفية المقمرة ، ليلة من تلك الليالي الامدرمانية انني كنت متحالفا مع الحظ كي اشهد ميلاد هذه القصيدة الجميلة و التي تغني بها مصطفي سيد احمد كعادته دائما و هو ينحاز الي الشعر الكثيف الجميل
اخبرني صديقي القاص الممتع احمد المصطفي الحاج في حواري معه لبرنامج ( فضاءات ) لاذاعة البرنامج الثاني انه كتب قصته ( الكترابة ) علي الاطراف الفارغة من جريدة يومية و علي ضوء القمر ، حدثني العم الاستاذ بدر الدين محمد عبد الرحيم والد زوجتي عن ان الشاعر العذب عبد المنعم عبد الحي قد كتب قصيدة ( انا امدرمان ) التي تغني بها الفنان احمد المصطفي وهو في خندق اثناء حرب 1948م ، ولي شخصيا تجربة مع قصيدة احبها جدا ، كنت مضطرا لجلوس ممل في احدي اجتماعات امانة المسرح الغير مجدية و كان الحديث مكرورا وكنت اتجادل بين إنتباهي و سرحاني ودون ان اشعر انحزت الي موجة خصوصية في دواخلي ووجدتني اكتب و بتدفق غريب علي الورقة التي امامي
(( مين علم الوردة
إحتضانا للندي ؟
مين علم السحب
الرحيل عبر المدي ؟
مين علم الخطوة
الحنين و المشاوير السدي ؟
مين علمك إنتي العذوبة
وسكنك في الاورده ؟ ))
و هكذا خرجت بي تلك القصيدة القصيرة الكثيفة من ذلك الملل و التكرار
ذكرني حديث ( جان بول سارتر ) عن الاماكن التي كتب فيها بطرفة بطلها الاخ الصديق الشاعر و الكاتب المسرحي محمد محيي الدين في بداية الثمانينات من القرن المنصرم ، دخل المعهد العالي للموسيقي و المسرح احد اولئك المتباهين بحالة كونهم كتاب و كان المعهد وقتها يضم بين طلابه عددا لا يستهان به من الكتاب في مختلف ضروب الفن و الادب دون ان يحسوا بأن ممارستهم للكتابة يجب ان تمنحهم اي نوع من التميز و التمايز بين الطلاب ، جاء هذا المتباهي المتضخم الذات الي المعهد وقد داهم عوالم محمد محيي الدين البسيطة و التلقائية بزخم من تلك الاحاديث والبطولات التي هو مركزها ويبدو ان محمد محيي الدين قرر ام يمنح هذا المتضخم المتباهي درسا من خلال (مقلب ) طريف فقد إتفق هذا المتضخم مع محمد محيي الدين علي انه سيطالب في اجتماع الجمعية العمومية للطلاب ان يمنح الطلاب الذين يمارسون الكتابة غرفا خاصة في الداخلية وذلك لان ممارسة الكتابة تحتاج الي عزلة..... و الخ وحرض محمد محيي الدين ذلك المتضخم علي تقديم هذا الاقتراح و اكد له انه سيمنح الاقتراح تثنيته
في اجتماع الجمعية العمومية لاتحاد طلاب المعهد العالي للموسيقي و المسرح رفع ذلك المتضخم المتباهي اصبعه طالبا الحديث في امر مهم و بطريقة لزجة و عبر لغة مقعرة مستعينا ببعض الكلمات الاتجليزية قدم ذلك الاقتراح ولم يثن محمد محيي الدين الاقتراح الذي قوبل من الجمعية العمومية بعاصفة من الضحك
و حين انتهي الاجتماع جاء ذلك المتضخم الي محمد محيي الدين مشهرا غضبه قائلا (( ليه يا محمد ما ثنيت الاقتراح الاتفقنا عليه ؟ )) فرد عليه محمد محي الدين (( إنت مخستك ؟ ، انا بكتب في اي حته ، في تندة لوري انا بكتب


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1825

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1047841 [ابو عمر]
2.50/5 (2 صوت)

06-29-2014 12:53 PM
استاذ يحى المقال ده قديم ونحنا بنتشوق للجديد

[ابو عمر]

#1046202 [الكردافى]
2.25/5 (3 صوت)

06-27-2014 11:23 AM
لك كل التحايا والاحترام ايها المتداعى الجميل استاذي يحي فضل الله

[الكردافى]

#1046187 [ودالباشا]
3.63/5 (4 صوت)

06-27-2014 10:42 AM
ليس كل من يمسك القلم او لدية زخيرة من مفردات اللغة او عميق الثقافة يصلح ان يمون كاتب او شاعر فهؤلاء ولدت معهم هذه المواهب حتى لو لم يتعلموا او يكونوا مثقفاتية

[ودالباشا]

#1046151 [عاشق القراءه]
2.25/5 (3 صوت)

06-27-2014 09:53 AM
رائع جدا ،ولكنك عرفت المضاف(الغير مجديه)،فالمضاف لا يعرف بل يعرف المضاف إليه(غير المجديه)

[عاشق القراءه]

يحيي فضل الله
 يحيي فضل الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة