المقالات
السياسة
الحوار الأبكم
الحوار الأبكم
06-29-2014 12:45 PM

شهور مضت منذ أن أطلق رئيس الجمهورية الدعوة للحوار، وقد كانت الدعوة كغيرها من الدعوات السياسية التي بنيت على الأشواق والأماني والعاطفة العابرة، فالعواطف متغير يتعرض لعوامل التعرية خاصة إذا ارتبطت بالسياسة، والتاريخ القديم والمعاصر قدم لنا نماذج من تلك العواطف التي جعلت من ملوك ورؤساء يتخلصون من أقرب المقربين إليهم حتى بلغت حد التخلص من الأب والابن والعم والخال والزوجة..!!
وأخطر ما يهدد الدعوة للحوار هي العاطفة التي قادتها، فالحوار يدور بين طرفين متنازعين نبذا أول ما نبذا العاطفة التي حلت مكانها البندقية والقبضة الأمنية والأحكام العرفية وكبت الحريات..!! وللحوار قاعدة وأساس يقوم عليهما، ويتمثلان في الثوابت المتفق عليها من أطراف الحوار، وقد شهدنا في تلك الجلسة اليتيمة مجرد عواطف وأشواق غابت عنها ثوابت الحوار..!! وغابت الثوابت وخرج الجميع بعد أن أفرغوا ما في صدورهم من عواطف في تلك القاعة بعد سماع ذلك الخطاب عسير الفهم والذي أطلق العنان للأشواق فسكبت جميعاً في الجلسة الثانية والأخيرة..!!
ما يدعوني لنفي وجود ثوابت متفق عليها تؤسس لإجراء الحوار هو ذلك الكم الهائل من الأحزاب السياسية التي بلغ عددها نيفاً وثمانين حزباً سياسياً، وأي ثوابت يمكن أن تجد مكاناً بين هذه الجيوش من الأحزاب عديمة التأثير على الشارع السياسي..!!
الثابت الوحيد لدى الجميع الحاضر والغائب هو كرسي الحكم، وهذا ليس ثابتاً بل هو الأكثر عرضة للتغيير، وهو المعرض الأول للتغيير أكان ذلك عن طريق الصندوق أو البندقية أو الثورة الشعبية، كما حدث في السودان من قبل ويحدث حولنا في دول الجوار والإقليم.!!
غابت الثوابت عن الجميع حتى من حزب النظام الذي انشق هو الآخر وانشطر بعد أن تسبب في انشطار وتفتيت الأحزاب المعارضة وإضعافها، حتي أصابه هو نفسه الانشطار والتمزق الذي ألحقه بالآخرين..!! وقد ظن النظام خطأً أن إضعاف المعارضين يفتح الباب أمامه لحكم مستدام، ولكن القاعدة السياسية تقول إن قوة نظام الحكم تنبع من قوة معارضته في تناسب طردي فكلما كانت المعارضة قوية كان نظام الحكم أقوى منها والعكس صحيح..! وحين يضعف نظام الحكم وتضعف معارضته، فليس هناك من وسيلة لسد فراغ الضعف سوى الفساد، الذي هو وليد الطغيان غير الشرعي، ولنا فيما حولنا من الأنظمة الاستبدادية ما يؤكد ما نقول..!! أنظمة الاستبداد مهما حاولت تجميل شكلها فلن تجد من يقوم بهذه المهمة إلا الفاسدون والمنافقون وأصحاب المصالح الذاتية وعشاق كراسي الحكم، وعادة ما يقوم النظام الفاسد بإجراءات شكلية بإبعاد فاسد واستبداله بآخر أفسد منه..!!
جيش الأحزاب الذي تم حشده في القاعة في ذلك اليوم وهي أحزاب في غالبيتها لا أثر لها يذكر في الشارع السياسي واستطيع الجزم بأن الغالبية العظمى منها لا تتعدى شعبيتها ذلك العدد الذي حضر تلك الجلسة، وهم جميعاً اتفقوا على ثابت متحرك دوماً هو كرسي الوزارة ولقب دستوري وما يترتب عليهما من مخصصات ومنافع شخصية..!!
أما الأحزاب المسماة بالكبرى فهي في صلب الحكم، فحزب الأمة له مكان في القصر الرئاسي، والاتحادي الأصل كذلك أما الاتحادي التايواني فقد اكتفى ببعض الوزارات، كل هؤلاء ما أتى بهم إلا حب السلطة وكرسي الحكم..!!
جميع من حضر جلسة الحوار الأبكم ذاك يفتقرون إليه، فأكبر الأحزاب التقليدية والطائفية لا تؤمن به حتى داخل أروقتها، فرئيس إحداها إذا جلس على مائدة الغداء مع أسرته لأكتمل نصاب المكتب السياسي لحزبه، أما رئيس الحزب الآخر وراعيه فإنه بشخصه يمثل المكتب السياسي فهو الذي يقرر دون غيره، فأي حوار يمكن أن يجري في مثل هذه الأجواء..!!
فالحوار اختفى تماماً عن المشهد السياسي، اختفى حتى عما يسمى بالحركة الإسلامية التي لها من الثوابت ما أن تمسكت بها لما عرفت للضلال سبيلاً، رغم أن الثوابت التي كانت القواعد التي ترتكز عليها هي ثوابت سماوية «تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم» فمن أضاع الثوابت السماوية حري به أن يضيع الثوابت الدنيوية رغم أنهما لا يختلفان، فنهاية طريقهما واحدة إلى الله..!! لا ثوابت.. لا حوار، ولا حوار إذن لا سياسة، ولا سياسة.. فالطغيان حتمي، ولا سياسة فالحرب هي البديل، فغياب السياسة وفشلها يعني الحرب.. أهلية.. إقليمية أو عالمية. بعد انفصال الجنوب ظن الكثيرون أن الحرب قد انتهت وأنهم سيعيشون في سلام ووئام، ولكن خاب فألهم، فقد عاش السودان بعد ذلك أسوأ مما كانت الحرب بل امتدت جذورها إلى مناطق أخرى وصار كل السودان جنوباً، غابت السياسة قبل الانفصال وأثنائه وبعده حيث كان نتاج غياب السياسة اشتعال حرب أهلية أخرى في دارفور وامتد أثر تلك الحرب إقليمياً نسبة لتداخل القبائل في الإقليم فلم تسلم من تلك الحرب حتى مالي والنيجر واشتعلت وبصورة عرقية في إفريقيا الوسطى وامتد أثرها حتى بلغ نيجيريا، كل هذا بسبب غياب السياسة والدعوة الفارغة لحوارات بكماء..!!
الحوار له معطيات يستند إليها وله ثوابت متفق عليها، من أهم معطيات الحوار استناد المحاور إلى القوة، والقوة هنا لا تعني بأية حال من الأحوال القبضة الأمنية، إنما تعني قوة الموقف السياسي وقوة عدالة المسألة المطروحة للحوار، أما الثوابت التي يتفق عليها الجميع فأولها وحدة البلاد بحدودها الجغرافية المعروفة لدى كل العالم وحق المواطن في العيش الكريم والحرية، أما إذا قام الحوار على غير ذلك واستبدلت معطيات الحوار وثوابته بالعواطف والأشواق فسمه ما شئت إلا أن يكون حواراً..!! ومما يجعل من الحوار أبكم هو أن كلاً من النظام والأحزاب المعارضة قائمة على أشخاص فانين لا على أساس منهج باقٍ، فإن أدرك رئيس الحزب الموت أو أصابه الضعف تداعى سائر الحزب للانشطار والتشظي كما يحدث الآن..!! ولعل من أهداف الحوار التي يرجوها النظام الحاكم هي توسيع شكلي للحكومة وفي هذا نفض ليد النظام عن أزمة الحكم التي كان هو سببها الرئيس..!!
إن السودان لا يحتاج لسياسيين مارسوا الفشل لأكثر من نصف قرن من الزمان وأبدعوا فيه، فالمواطن في حاجة إلى العمل والإنتاج ليعيش عيشاً كريماً، ليتعلم ويسكن ويتعالج إن مرض، وأن يجد ماءً نقياً ليشربه ويزرع به ويروي به المراعي، ولكن ما يحدث ينفي وجود هذه الحقوق الأساسية للإنسان ليعيش ويطالب بحقوقه السياسية في الحرية واختيار من يحكمه، وهذا لن يتأتى إلا إذا قامت المشروعات الزراعية على رجليها وتم ربط السودان اقتصادياً واجتماعياً، وبعد ذلك سياسياً بشبكة الطرق الحديدية، وهذا ما لا يدركه السياسيون حكاماً كانوا أم معارضين..!!

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 481

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. هاشم حسين بابكر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة