المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
الطريق إلى إفحام أوكامبو
الطريق إلى إفحام أوكامبو
06-15-2010 02:12 PM

الطريق إلى إفحام أوكامبو

عبدالوهاب الأفندي
[email protected]


(1)

أعاد المؤتمر الدولي حول المحكمة الجنائية الدولية في كمبالا المحكمة إلى صدارة الاهتمامات الدولية، مذكراً كذلك بصراعها مع السودان الذي أصبح إلى حد كبير صراع وجود بالنسبة للمحكمة. ولا شك أن عقد هذا الاجتماع في عاصمة افريقية مؤيدة للمحكمة، وحشد الدول والمنظمات الموالية قصد منه إرسال رسالة واضحة رداً على اتهامات غالبية الزعماء الأفارقة للمحكمة بـأنها لا تتشطر إلا عليهم وعلى قارتهم المنكوبة.

(2)

السلطات السودانية لم تقصر بدورها (كعادتها) في دعم المحكمة، فأهدتها هدية قيمة حين منعت سياسيين وناشطين من السفر إلى كمبالا لحضور جلسات اللقاء، وهو إجراء ساهم في الدعاية للمحكمة ولاجتماع كمبالا بأضعاف ما كان يمكن أن يحققه حضور الوفود السودانية في المؤتمر.

(3)

لم تكن هذه الهدية الوحيدة التي قدمتها السلطات السودانية لأوكامبو ومحكمته. ففي الأيام القليلة الماضية تواترت أنباء عن تعرض معتقلين من صحيفة رأي الشعب التابعة للمؤتمر الشعبي وبعض قيادات لجنة الأطباء لسوء المعاملة في المعتقل، وسارت بذلك الركبان وتناقلته وسائل الإعلام داخل السودان وخارجه

(4)

حتى الآن لم نسمع أن تحقيقاً أجري من قبل السلطات العدلية في هذه الاتهامات الخطيرة، فضلاً عن مساءلة مرتكبيها ومعاقبتهم على ما اجترحت أيديهم.

(5)

على كل حال فإن القانون نفسه يمنح الحصانة لمنسوبي الأجهزة الأمنية، مما يعتبر تشجيعاً على ارتكاب الكبائر، فضلاً عن أنه يخالف قواعد الشريعة الإسلامية التي لا تمنح حصانة لأي كان من القصاص، وتحت أي عذر، بدليل أن الرسول صلى الله عليه نفسه سلم نفسه للقصاص لمن ادعى أنه آلمه (عن غير قصد) وهو ينظم صفوف المجاهدين.

(6)

مثل هذه الحصانات والتستر على مرتكبي كبائر التجاوزات في حق الأبرياء هي تحديداً الحجة التي ساقها أوكامبو وأنصار المحكمة الجنائية حيث يقولون إن العدالة غائبة في السودان، وأن المواطن الذي يفقد حريته وممتلكاته، وحتى حياته، لا يجد سبيلاً للاقتصاص ممن ظلمه، لأن الدولة هي التي ترتكب الظلم وتحمي الظالمين.

(7)

ونحن نقول إن أوكامبو وشيعته لم يقولوا كل الحق، لأن هناك محكمة كونية منصوبة، لا تغيب عن محققيها وقاضيها غائبة، وليس لأحكامها استئناف، وليست هناك أمامها حصانة، ولا تنفع الظالمين فيها معذرتهم، ويتمنون حينها لو أن ضحاياهم اقتصوا منهم ألف مرة، لو أن ذلك ينجيهم من اللعنة وسوء الدار، وما هو بمنجيهم.

(8)

على كل حال فإن إفحام أوكامبو ومن شايعه لا يتأتى إلا بإثبات فاعلية وشفافية النظام العدلي، واستقلالية القضاء. وآية ذلك إجراء تحقيق قضائي عاجل في كل الاتهامات التي شاعت عن التعذيب وسوء المعاملة للمعتقلين، ثم المسارعة بتعديل قانون الأمن الوطني لإنهاء الحصانات وحصر سلطة الاعتقال في الشرطة وتحت إشراف مباشر من القضاء.

(9)

ليست القضية هي بالطبع مجرد إفحام أوكامبو وشيعته، ولكن إحقاق العدل هو قيمة في حد ذاته، ونجاة لمرتكبي المظالم قبل أن يكون نجاة لضحاياهم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة. ولو أنصف الظالمون أنفسهم لكان الأولى بهم المسارعة إلى الاعتذار لضحاياهم وطلب الصفح منهم قبل فوات الأون ثم تسليم أنفسهم للسلطات العدلية.

(10)

هنالك وهم عند أهل السلطة بأن الظلم والعسف ضروري لبقائهم في الحكم. وبعض مرتكبي هذه الكبائر يعتقدون صادقين أن عملهم جهاد في سبيل الله. وكلا المعتقدين خاطئ.

(11)

لو كان القهر مما يطيل أعمار الدول لكان الاتحاد السوفيتي ما يزال قائماً، ولكان جارنا منغستو لا يزال متربعاً على عرش السلطة. ولربما كان من المفيد أن نذكر هنا أن انهيار نظام منغستو لم يتأت عن قلة في الرجال، ولا عن قلة تصميم على ارتكاب كل كبيرة. وكان تعداد الجيش الثاني الذي فر إلى السودان بكامل عتاده في أيام النظام الأخيرة مائة وعشرين ألف جندي، وهو ضعف عداد الجيش السوداني وقتها.

(12)

العدوان على الأبرياء العزل المقيدي الأيدي ليس جهاداً، بل ليس هو من الرجولة والشهامة في شيء. وهو فوق ذلك يضر بالنظام أكثر مما يفيده. لقد بلغ عدد كل المعتقلين السياسيين في عهد الإنقاذ منذ بدايته حتى عام 1996 بحسب تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية في ذلك العام ألف وأربعمائة معقتل، أطلق سراح معظمهم بعد أشهر قليلة. ولكن سمعة النظام تضررت ضرراً بليغاً من الممارسات الأمنية التي لم تنفع شيئاً في حماية النظام ولكنها شوهت سمعته مما سهل تجييش الغضب الدولي ضده قبل وبعد أزمة دارفور.



(12)

سيقول كثير من القراء أن ما نتبرع به من نصائح هنا هو مضيعة للوقت –وقد وصلتني تعليقات عدة في هذا المجال- ولكن التنبيه إلى الأخطاء، مثل الدعوة إلى الخير، هي واجب أخلاقي وديني بغض النظر عن وجود المستمعين، وهي معذرة إلى الله وإثبات للحجة يوم القيامة على مرتكبي الظلامات، ولعلهم يرجعون.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 883

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالوهاب الأفندي
عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة