المقالات
السياسة
أوقفوا هذا النزيف أيها الزعماء!
أوقفوا هذا النزيف أيها الزعماء!
07-12-2014 03:40 PM



قد يبعث الأمرَ العظيمَ صَغيرُهُ حتى تظلَّ لهُ الدِّماءُ تَصَبَّبُ
والظلمُ فرَّقَ بَيْنَ حَيَّيْ وَائِلِ بكرٌ تساقيهَا المنايا تَغلِبُ
(طرفة بن العبد)
قلت ذات مرة كأن قائل هذه الأبيات، الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد، قد أطل عبر التاريخ واستشرف حال السودان هذه الأيام ثم قال هذه الأبيات التي تصور حال العرب في جاهليتهم، يسفكون دماءهم ويُعمِلون السيف في رقاب بعض دون حرمة لنفس أو مراعاة لرحم أو قربى، فيقتتلون لأتفه الأسباب حتى في الأشهر الحرم! ولعمري كأن إنسان السودان قد عاد القهقرى فرجع شخصاً بدائياً متعطشاً للدماء لا يعلم عن الدين شيئاً ولا يدرك معنى الحضارة والتعايش السلمي وكل القيم النبيلة التي يتحدث عنها ديننا الحنيف وفقاً لمنطوق الآية الكريمة (يا أيُّها النّـاسُ إنّـا خَلقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وأُنْثى وَجَعلْناكُم شُعُوباً وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ، إنّ اللهَ عَليمٌ خَبيرٌ). فهذه الآية الكريمة تضع قاعدة عامة لو تمسك بها الناس لما سالت قطرة دم واحدة ولكن يبدو أننا قد فقدنا البوصلة تماماً فقد شاعت بيننا عصبية غير مسبوقة وقبلية ماحقة وجهوية ستقضي على الأخضر واليابس إذا لم نتصدى لها جميعاً!
عموماً لقد جاء الإسلام ديناً قِيَماً، متمماً لمكارم الأخلاق؛ ينهى عن العصبية، ليضع أسساً للأخوة الإنسانية التي ترتكز بالدرجة الأولى على مراعاة حرمة دم الإنسان؛ لذا اعتبر المسلمين أمة واحدة: " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون". وبهذه الروح فتح المسلمون مشارق الأرض ومغاربها ودانت لهم الدنيا بالطاعة؛ وما كان يمكن لقبائل العرب أن تحقق ذلك مطلقاً لو استمرت على عصبيتها الجاهلية. وقـد قضى هذا المبدأ الإنساني على النزعات القومية والاختلافات العنصرية التي كانت – وما زالت – تسود المجتمعات وتسبب العداوات فتقتل الأنفس وتزهق الأرواح وتنهب الأموال وقد تنتهك الأعراض والحرمات. ومن جانب آخر، فإن كل المواثيق الدولية تتفق مع هذا التوجه القيمي وتنادي بحرمة دم الإنسان أياً كان دينه أو لونه أو عرقه أو موطنه، بل إن بعض الحيوانات لا يقتل بني جنسه فما بال البشر الذين حرم الله دماءهم إلا بالحق؟
ما بالنا نحن السودانيين بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام على نزول الآية المذكورة آنفاً ورسوخ هذه القيم الرفيعة، لا نزال نقتتل وتسيل دماؤنا أكثر مما يسيل الماء في بعض أرجاء وطننا؟ فهذه دارفور ينزف جرحها الدامي وتتعطل فيها الصلوات ويسكت صوت طلاب القرآن بعد أن كانت تخرّج أكثر من ألف حافظ لكتاب الله في العام الواحد، فانحسر ذلك كله وحل صوت البندقية بدلاً من صوت المؤذن وترملت النساء وعم البؤس وكثرت الفتن والزعازع وهجرت القرى وخلت من أهلها وانتشر السلاح وانفرط حبل الأمن حتى لم يعد الشخص يستطيع أن يكسب قوت يومه آمناً مطمئناً وفتح الباب على مصراعيه لتدخلات أجنبية إقليمية ودولية قد تعصف بوحدة السودان مرة أخرى كما حدث في جنوب السودان تماماً.
هذه الأيام تشهد ولاية غرب كردفان أحداثاً مؤسفة وتشتعل فيها نار فتنة قبلية نخشى أن يكون لها ضرام إذا لم يتدخل وجوه المجتمع والشخصيات العامة والدولة وزعماء القبائل لاحتواء هذا الموقف الذي ينذر بكارثة وشيكة قد يكون لها آثار مدمرة على النسيج الاجتماعي في هذه الجزء العزيز من وطننا؛ خاصة مع انتشار كثيف للأسلحة الفتاكة التي لم تشهدها المنطقة من قبل بل دخلت إليها جراء جرم جره سفهاء قوم فأناخ بكلكله على الأبرياء والعزل الذين لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث ولا ذنب لهم سوى انتمائهم لهذه القبيلة أو تلك. وما يزيد الوضع سوءاً أن هذه الأحداث تجري بين أطراف تربط بينهم علائق ضاربة جذورها في عمق التاريخ، ليس هذا فحسب بل إن بعضها قد وقع بين أبناء العمومة مثلما هو حال بعض أفخاذ وعشائر أهلنا المسيرية!
إننا نتساءل: هل نسي الناس الرحم والمصالح والمنافع والعشرة وكل ما هو مشترك ونزغ الشيطان بينهم وحرّك أجناده وأوقر صدورهم ضد بعضهم البعض وزين لهم سفك الدماء والقتل حتى عميت البصائر أم ماذا جرى؟ نحن نعلم العلائق التي تجمع بين أهلنا في دار حمر والمعاليا ولنا فيهم أخوة نعتز بصحبتهم ونثق في أخلاقهم وحكمتهم وحنكتهم، ونعول عليهم كثيراً في رتق هذا الفتق غير المبرر قبل أن يتسع ويخرج عن نطاق السيطرة، وعلى رأس هؤلاء شيخ العرب عبد القادر منعم منصور أمير أمراء السودان وزعيم قبيلة دار حمر فهو صاحب الأهلية والقدرة على قيادة تحرك عاجل يوقف هذا النزيف الذي راح ضحيته أناس يعزون علينا جميعاً من الطرفين، ولا نشك مطلقاً في أن إخوته من زعماء القبائل في شمال كردفان وغربها وجنوبها سيكونون عضداً وسنداً له في هذا المجال، وكلهم أصحاب خبرة ودراية بأمر الصلح بين القبائل، فهلا أجبت نداءنا يا شيخنا سليل العز والكرم. كما نرجو من الأجهزة الأمنية الاضطلاع بدورها واتخاذ خطوات احترازية من شأنها الحيلولة دون وقوع مزيد من الاشتباكات ريثما يتم ترتيب الأوضاع ووضع حد لهذه الاحتكاكات المشئومة.
إنّ هذا القتال، حسب تقدير كثير من المراقبين، يأتي نتيجة لضعف الوازع الديني وانتشار الأمية والجهل ووجود السلاح في أيدي الموطنين، في غياب شبه تام لهيبة الدولة وضعف الأجهزة الإدارية والشرطية في المنطقة إذ إنها لم تستطع نزع فتيل الأزمة قبل اندلاعها ولا هي أفلحت في احتواء الموقف بعد تفجر الأوضاع ومع ذلك قد نجد لهم العذر نظراً لعدم توفر الدعم اللازم من الجهات المعنية ولكن أن تستمر هذه الفتنة في حصد الأرواح فهذا أمر لا يقره عرف ولا شرع؛ ولذلك يتطلب الوضع تحركاً عاجلاً من عدة جهات وفي أكثر من محور سعياً للوصول إلى حل دائم يحفظ لهذه المنطقة وحدة نسيجها ويوقف هذا العبث بأرواح الناس وممتلكاتهم وأعراضهم. ومن هنا نعلن جاهزيتنا نحن المغتربين بالقيام بدورنا غير منقوص بإذن الله ونضع كل إمكانياتنا تحت تصرف زعمائنا من أجل حفظ النسل والحرث وإعادة اللحمة بين أبناء العمومة من الطرفين.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 830

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1056803 [احمد]
1.00/5 (1 صوت)

07-13-2014 12:26 AM
" جاء الإسلام ديناً قِيَماً، متمماً لمكارم الأخلاق؛ ينهى عن العصبية، ليضع أسساً للأخوة الإنسانية التي ترتكز بالدرجة الأولى على مراعاة حرمة دم الإنسان "


كما قال الأستاذ الصادق الرضي في الأبيات التالية

" قال الله كونوا
ثم كنا
هل تحققنا تماماً
من وجود الذات في أرواحنا"؟

حتى يتحقق الكل و يعلم أن المنطق و العدل هما المعبر لغاية السلام ستظل النفس عطشى تترنح ما بين وهج الأمل و الحمرة العضوية العالية التردد لحد السعر او الضياع كما فرضته الفطرة لك من حمل الأمانة حسب الموروث الروحي كتكليف و حاجة إلى البقاء و الإستمرارية.

هذا فقط إجتهاد و الله أعلم.

نأمل أن ما بين الزعماء من هو بصحة تأهله لسماع صوتك و أشهد أني قد قرأت الندأ و أن الله على كل شيء شهيد.

[احمد]

#1056623 [ناير]
1.00/5 (1 صوت)

07-12-2014 05:15 PM
وقعت الكيانات القبلية للحمر والمعاليا في الخرطوم مساء امس الخميس ، وقعتا على وقف المواجهات الدامية بينهما في ولايتي شرق دارفور وغرب كردفان منذ عامين ، وأمن الطرفان على دعم الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر الصلح يوم الجمعة المقبل 18 يوليو بمدينة الفولة . ووقع الاتفاف الذي عقد بدار الحمر في مدينة أمدرمان ، رئيس اتحاد منطقة دار حمر عبد الرحيم أحمد سالم ، ورئيس مجلس شورى المعاليا الشيخ مردس جمعة عبد الله . وطالب الطرفان كل أفراد القبيلتين ممثلين في الإدارة الأهلية بضبط النفس وكبح جماح المتفلتين وسد جميع إبواب الذرائع المؤدية الى النزاع . وكان السلطات بولايتي غرب كردفان وشرق دارفور وجهتا أول الشهر الجاري بنشر قوات مشتركة عازلة بين قبيلتي الحمر والمعاليا عقب تجدد قتال استخدمت فيه الأسلحة الثقيلة ، وأدى إلى مصرع وجرح 75 من الطرفين.

[ناير]

محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة