المقالات
السياسة
( لا تبك من أجلي يا أرجنتين )
( لا تبك من أجلي يا أرجنتين )
07-18-2014 08:46 PM

image

ياترى ما الذي يجعل من سيرة المرء أسطورة ؟ هل هي حكاوي الماضي تراكمت فضخّمت الصورة ؟ أم هناك شيء من خيال أو نواة للحقيقة بالضرورة ؟ ربما كان الأمر مزيجا من هذه وتلك ولكن ما يبقى في النهاية هو أن للأسطورة وهجها الذي لا يقاوم . مقدمة كان لا بد منها للإقتراب من سيرة أسطورة أرجنتينية ملأت الدنيا وشغلت الناس في أربعينات وخمسينات القرن الماضي ، شابة جاءت من أعماق الفقر ، دفعت بها الأقدار لكي تكون السيدة الأولى لبلادها . لم تكن تملك في هذه الدنيا سوى حبها للأخرين ، حنوها المتدفق وبراءة لا تكاد تفارق عينيها الجميلتين . لم تدرس في مدرسة ساس يسوس حتى تكون نسخة مبكرة من (غاندي) أو من رصيفتها (ماغي) ، لكنها إستطاعت بفضل إرادتها ومواهبها الخطابية ومحبة الناس إليها أن تحقق الكثير لبلدها في زمن قصير ، يسندها في ذلك حب زوجها ، الذي وجد فيها إمرأة إستثنائية ، كان لها الفضل الكبير في تثبيته على منصة السياسية . هي أسطورة حقا في بلاد القمم الشاهقة والسهول الباذخة ، أسطورة لم يطالها (دييغو) ولا (ميسي) ، لا (ستيفانو) ولا (خورخي) .. ربما (جيفارا) وحده زاحمها على الصدارة.



ولدت (ماريا إيفا دوارتي) في بلدة (لوس تولدوس) بمقاطعة (بيونيس أيرس) في عام 1919. كانت هي الصغرى بين ثلاثة أخوات وأخ واحد . كافحت الأم كثيرا في تربية أبنائها خاصة بعد إنفصال الأب عنها . أكملت (إيفا) بالكاد المرحلة الإبتدائية ثم إرتحلت إلى العاصمة لكي تحقق حلمها الكبير بأن تصبح ممثلة . كانت وقتها في الرابعة عشر من عمرها . إصطحبتها أمها لكي تطمئن على أحوالها ، ثم كان أن عثرت على بغيتها بالعمل في إحدى الفرق المسرحية بأجر زهيد ، ثم واتتها فرصة نادرة للعمل بإحدى الإذاعات المحلية لتفجر هناك مواهبها وكانت أشهر الأدوار التي أدتها هي دور الملكة اليزابيث في واحد من أهم المسلسلات الهامة التي كان يتابعها المستمعون . لقد كان نجاحها الأكبر في الإذاعة مع إشتغالها في بعض الأفلام .. ثم تشاء الظروف أن يحدث زلزال في منطقة (سان خوان) ويتم إستدعاؤها مع أخرين لإطلاق نداءات للمتضررين من الزلزال . هنا كانت النقطة المفصلية التي غيّرت حياة (ماريا إيفا دوارتي) ، إذ سنحت لها الفرصة لأول مرة لمقابلة كبار المسئولين في الدولة ثم جاءت اللحظة القدرية حينما إلتقت (إيفا) بالضابط العالي الرتبة في الجيش الأرجنتيني (خوان بيرون) .. جذبته بتلقائيتها وعفويتها وجمالها الهاديء فسقط الجنرال في حبها ، حب كان لا بد أن يفضي إلى الإقتران بالأميرة الصغيرة لبتدأ من هنا رحلة الصعود لـ (إيفا بيرون) .


في عام 1950 يدخل (بيرون) الإنتخابات مستفيدا من قدرات إيفا الرهيبة في الخطابة ومن دعم حزبه البيروني فيكتب له الفوز وتصبح (إيفا) سيدة الأرجننين ألاولى ومنذ تلك اللحظة أصبح الفقراء والعمال والنساء على موعد مع أسعد العهود . فتحت قصرها للفقراء والمحتاجين والمرضى . ذهبت إليهم في بيوتهم وأغرقت أطفالهم بالهدايا .. إنشأت مؤسسة إيفا للأعمال الخيرية ، مكرسة جهدها لإصلاح أحوالهم . كان هدفها في الحياة بأن يكون في بلادها (أغنياء أقل .. فقراء أقل) . وفرّت الخدمات التعليمية والصحية للعمال والكادحين .. لم تنس جنسها فكانت وراء القرار التاريخي القاضي بمنح المرأة الأرجنتينية حق التصويت لأول مرة ثم كونت الحزب النسائي البيروني دعما لزوجها . كانت نصيرة للمرأة مثلما هي نصيرة للفقراء . لم تنس إعتزازها بأنوثتها وإنتمائها إلى جنس النساء ولها في ذلك مقولة (أن يولد رجل يولد مواطن .. أن تولد إمرأة تولد أمة) . إستمرت إيفا مدعومة بزوجها في تنفيذ كل الوعود التي قطعها في الحملات الإنتخابية لتساهم بقدر وافر في تعديل الدستور لمصلحة الشعب ، مما رسّخ مكانة (بيرون) عند الأرجنبيين . نتيجة لذلك بدأ حب إيفا يتمدد في كل البلاد مثل مد بلا جزر .. تضايق كبار العسكر الذين تملكتهم الغيرة وطلبوا من (بيرون) الحد من نفوذ زوجته المتزايد لكن لم يكن بالإمكان فقلب (بيرون) معلق بـ (إيفا) وقلب إيفا معلق بالشعب .. أذعن العسكر في النهاية للأمر الواقع فمن الصعب أن تقتلع حب الجماهير فتلك منّة من الرب يمنحها لمن يشاء .


لا تقف (إيفا) في عملها الدؤوب على الداخل بل تسافر إلى الخارج لتدعم سياسات زوجها فزارت إسبانيا حيث منحت هناك وسام (إيزابيلا) الرفيع ، ثم زارت فرنسا ، البرتغال ، موناكو وقابلت البابا وحققت العديد من المكاسب . كانت تجد الترحاب في كل مكان تذهب إليه وحينما عادت إلى بلادها لم تستطع أن تتمالك نفسها وهي ترى مئات الالاف في إنتظارها فأنخرطت في البكاء بتأثر شديد .. كانت لحظة عاطفية خاصة أكدت لها مدى حب الشعب الأرجنتيني لها . منذ عام 1951 بدأ المرض اللعين يغزو جسمها لكنها كانت تقاوم ظروفها وتمارس أعمالها فشهدت الفترة الإنتخابية الثانية لـ (بيرون) التي كتب له فيها النجاح ، غير أن القدر لم يمهلها فتوفيت في 26 يوليو 1952 حيث تحل بعد أيام ذكرى رحيلها الـ (62) . في كل عام يحتفل الأرجنتينيون بذكراها رغم مضي هذه الفترة الطويلة من الزمن ، بعد أن نحّتت إسمها على صفحات التاريخ كشخصية بارزة في تاريخ الأرجنتين الحديث ، تشهد على ذلك صورها المنحوتة على الجدران ، على اللوحات ، على العملات الورقية ، حضورها في الأفلام والمسرحيات وتلك الأعداد المتزايدة من المواطنين والسياح الذين ظلوا على مدار العام يؤمون متحفها الكبير في (بيونيس أيرس) . ذكرى تتجدد أيضا مع كل أغنية أهديت إليها لا سيما تلك التي كتبت لها في أواخر السبعينات بعنوان (لا تبك من أجلي يا أرجنتين ) والتي تقول نهايتها :

لا تبك عليّ يا أرجنتين
فالحق أنني لم أغادرك أبدا
في كل أيامي القاسية
وحفظت وعـــدي
فلا تظلي على بعدك عني





* (إيفا) في إحدى خطاباتها الجماهيرية من شرفة القصر الرئاسي (1951)

.


[email protected]

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
eva peron 1951.jpg


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1984

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1069774 [محمد السـيد علي]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2014 11:28 AM
فقط أحب أن أصحح أن دخول (بيرون) للإنتخابات الرئاسية كان عام 1946 وليس عام 1950 .. لذا لزم التنويه وشـــكرا ،،

[محمد السـيد علي]

#1060696 [ابوغفران]
3.00/5 (4 صوت)

07-18-2014 11:17 PM
اين سيداتنا الاول من هذه السيدة العظيمة ؟ . الواقع سيدى قارئ الراكوبة ان بعض (ستات الشاى) السودانيات قمن منفردات بتربية وتعليم ابنائهن فى صمت ومثابرة بعيدا عن الضوء . فطوبى لهن.

[ابوغفران]

محمد السـيد علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة