المقالات
السياسة
نحو روحانية للتعافي الوطني في يوليو أحزاننا
نحو روحانية للتعافي الوطني في يوليو أحزاننا
07-20-2014 03:49 AM

كنا اجتمعنا نخبة من المشغولين بالرأي والفكر من مشارب عديدة في الدوحة في مايو 2012 في محاولة لإحسان الحوار في ما بيننا حول مأزق الوطن قبل كل شيء آخر. وتقدمت في نهاية جلسات الندوة بمشروع نداءات ليتبناها الجمع فتنشر باسمهم. وهي نداءات اتجهت لتعزيز الحوار الوطني بما اسميه "روحانياته". واقصد بذلك أن نلتفت بقوة وجراءة وأريحية للماضي نميط الأذى الذي وقع فيه من جراء الصراع الطويل السقيم في الوطن. فأكثر ما يحول دون الحوار الوطني (وليس هذه المفاوضات الجارية اليوم مع الحكومة المسماة حواراً تجاوزاً ويختلف فيها الناس) هو أن اياً منا محتقن بالماضي وثأره يظن أن طي سجله خيانة. فلا سبيل لحوار وطني تعتوره ثوابت تستميت عندها كل جماعة فتقطع الطريق إلى لقاء وطني جامع. فالماضي ليس خبرة بيدنا بعد لأن أكثرنا لم يستدبر فحيح جرحه لتتحدث "الندبة" (وهي أثر الجرح) والتي هي بداية الشفاء. وشملت الندءات مطلب أن تتواضع الأمة على تحقيق وطني شامل في كل حالات عنف الدولة والعنف المضاد لها يُعَين المسؤولية عنها، ويرد الحقوق، ويذيع الذكر، ويقفل السجل. وناشدت في نداء منفصل أن يشمل التحقيق بصورة خاصة ضحايا عنف الدولة والعنف المضاد في مثل كجبار بورتسودان وسوبا وجبال النوبة ودارفور وأم روابة وأم درمان والنيل الأزرق. وخَصَصت لأكبر حقوق ضحايا الدولة وغيرها نداءً مستقلاً ناشدت فيه بقيام الدولة والمجتمع بتوقير ضحايا هذا العنف بالبحث عن جثثهم مجهولة المدافن وردها إلى مثاو معلومة ظاهرة تزار. وكان الخاتمة نداء إلى علماء الدين بالكف عن إشاعة تهم الردة بخلق ديني، وسياسي، ومهني. وكنت أود أن يقترح الحضور موضوعات من هذه الشاكلة قاصدة بناء روحانية دينية وعلمانية تيسر لحوار وطني بدت لنا الحاجة الغريزية له، ولكننا نكاجر ونتجمل.
ولم تلق هذه النداءات قبول اللقاء فاحتفظت بها. وأذيعها اليوم ونحن قد تركنا خلفنا ذكرى يوليو "المرتزقة" ويهل علينا يوليو الشيوعيين. وكلها ذكر تضرجت بدم غال.
طي سجل عنف الدولة والعنف المضاد
من بين ما يعترض تحقيق الصلح الوطني الصدور الموغرة من عنف الدولة والعنف المضاد لها خلال انتهاكات وقعت للدستور وفي حقوق الإنسان بالانقلاب والانقلاب المضاد والثورة المسلحة والقمع والمقاتل والتطهير والاعتقال التحفظي. ووقائع تلك الحادثات ما تزال "ضغائن" محتقنة لم تحقق فيها الأمة بصورة مؤسسية كما فعلت في "اضطرابات" الجنوب في 1955. وهو التحقيق الذي صار بيدنا بفضله وثيقة نحتكم إليها. وما أبطل الدعوات الصادقة للتعافي الوطني أنه ظل عاطفة سياسية لم تتنزل إلى الوجدان من خلال شغل ثقافي ساهر. ولن تقوم للتعافي الوطني قائمة ما لم تتحر الأمة ظلامات الناس من هذه الحادثات وتطوي صفحتها فيخرج الناس من خنادقها إلى رحاب الوطن أخوانا. لقد نشأت بيننا أجيال من أرامل الشهداء وذويهم لم تهدأ ثائرة رغبتهم في معرفة مصارع الآباء عن بينة. فقد سئموا طول اللجاج الحزبي لوماً ولوماً مضاداً حول تلك المقاتل.
ونناشد الحكومة والأحزاب والغرف التجارية والنقابات والاتحادات المهنية والجاليات السودانية وسائر المجتمع المدني أن تتواثق على تكوين لجنة وطنية عامة من رجال مشهود له بالذمة والخبرة للتحقيق في تلك الحادثات التي تتنزى منها "الأحقاد والفتن" فتخرج بكتاب منير يقيلنا من هائجات اللجاج إلى بر التاريخ. ونطلب من الدولة أن تستكمل لهذه اللجنة عدة التمويل والبحث بفتح خزائن أوراقها فتضع تحت تصرفها كل وثائقها من حصيلة لجان التحقيق ومضابط تحريات قسم القضاء العسكري وسجلات المحاكم العسكرية الإيجازية. وأن تزودها بتسجيلات الإذاعة والتلفزيون وقسم التصوير الفوتغرافي والصحف. ونناشد كذلك منظمات المجتمع إلا تألوا جهداً في حث أعضائها في روح السخاء للجنة بالمال والمعارف المكتوبة والشفاهية التي قد تكون بطرفهم. وستستمع اللجنة للشهود الأحياء وكل راغب في الحديث مباشرة أو بواسطة موقع على الشبكة العنكبوتية. لقد اكتنفنا التظاهر بتاريخ تلك الأحداث الدامية بدلاً عن الامتثال للتاريخ بوحي خبراء ينظرون إلى ما بعد هذه التظاهرات ويركبونها وينهون القطيعة بينها للاحاطة بهذه الحادثات الجلل من جوانبها كلها.
حق المثوى الأخير للشهداء
نجم عن عنف الدولة والعنف المضاد تشرد أليم لشهداء تلك المعانف. فقد أخفت الدولة قبور جيل من أولئك الشهداء الذين فدوا عقائدهم وقناعاتهم بالأرواح. واكتوت أسر كثيرة من فرط مجهولية قبور الشهداء منها. وكذلك تَبَلغ رفاق لهم الغصص وأحباب وحواريون. وهذا الحرج بالطبع بداهة تنشأ حين تتعرض الحقوق الطبيعية للانسان، ومنها حق المثوى الأخير المعروف، للخرق والكرب. وهي حقوق أصَّلتها الديانات والإنسانية الكلاسيكية حتى صارت فطرة وغريزة.
لقد أصبح الجسد-الجثة في دولتنا المستقلة مسرحاً لعمليات سياسية بلغت الدرك الأسفل من الخلق. فالحد الفاصل بين الجسد والجثة هو الذي مايز بين الساسية من جهة والدين والأخلاق من الجهة الأخرى. فبينما ينتمي الجسد للسياسية، وهي باب للخصومة والشره أيضاً، تنتمي الجثة للدين والأخلاق، وهما باب للعفو والطقوس. فقد بعث الله غراباً ليرى قابيل، الذي قتل أخاه هابيل ولم يوار جثته التراب، كيف يستر الغراب سوءة (جثة) أخيه الغراب. كما نهت الشريعة عن "المثلى" من مثل كسر عظم الميت وإهانته بأي صورة. وبلغت من السماحة أن أعطت حتى الكفار حق استرداد جثث قتلاهم في حرب المسلمين بغير مقابل مادي.
وعليه نلتمس من الحكومة تكوين لجنة قومية من رجال ونساء فيهم دين وانصاف وقوة يتحرون أمر "نبش" هذه القبور وفق سلطات إدارية وقضائية دقيقة. يردون كل جثة مضيعة إلى أهلها وقبيلها وأحبابها لتنعم بالأنس بعد الوحشة وبالدين بعد الجاهلية.
عنف الدولة وحق الاحتجاج
باتت جمرة كبيرة من المواطنين غبينة من ضروب عنف الدولة الذي تعرضت له خلال احتجاجاتها السلمية علي مطلب مشروع من مطالبها مثل تربص الدولة بديارهم بإخلائها لمشروعات حكومية مرتجلة، أو بدورهم بكسرها، أو حماية ميدان عام من تغول دود الأرض المستثمرين، أو وقاية بئيتهم من التلوث. وسقط في هذه المواجهات، التي بلا داع، قتلى وجرحى. حدث ذلك في الضعين وسوبا والباقير وبري وغابة متو بالقضارف والقضارف نفسها والجبلين وكجبار والمناصير وبورتسودان وغيرهم كثير. وكانت الرسالة واضحة لأهل المسائل الموجية للاحتجاج أن الدولة لا تسمع ولا ترى وأن حقوق الناس في التعبير عن ظلامتهم يرقي إلى حرابة الحكومة. إن هذه الحادثات تؤرق الناس ما تزال وستظل ما لم يفتح ملفها من جديد بتحقيق منصف يضع نقاط المواجهات ومسؤولية الدولة وما اقترفه منسوبوها ويعوض المتضررين حتى يطوى الملف. إن الاحتجاج جزء كبير من حرية التعبير. ونريد من هذا التمرين من الدولة لمراجعة سجلها في الاعتداء عليه أن تربى مؤسساتها الشرطية والعدلية والأمنية على توقير المواطن وكفالة حقوقه. فلابد لهذه المؤسسات أن تتخلص بوعي وعزيمة من هذا التاريخ الفاسد لنثق في أنها أهل لسودان متصالح جديد.
التكفير
ونتوجه بهذا النداء من جمعنا هذا إلى زملائنا علماء الدين الأجلاء وللجماعة خاصة التي درجت على إعمال سلاح التكفير لمصادرة حرية التعبير في معاش الوطن ومعاده. فلم يعد يسلم أحد في الطيف السياسي من نهش عقيدته وتسفيه صحيح دينه. ولقد ناشدناهم مراراً وتكراراً، وعقب كل حالة تكفير، أن يقسطوا ويعدلوا ويثوبوا إلى رحابة هذا الدين ويقبلوا بالخلاف الذي هو رحمة بل هو فرض رباني. واستنكرنا منهم أخذهم بسلطان التكفير جزافاً فشمل قادة مسلمين في الأوساط الشعبية كحي الأزهري عوملوا بقسوة انتفت فيها روح الزمالة والتناصر على الهدى والحق. وراجعناهم وذاكرناهم وصبرنا على الأذى منهم. وما زلنا نلتمس منهم أن يخافوا فينا الله كأخوة مؤمنين. ولكن حبل الدفاع قصير وسنضطر إلى الهجوم إن لم نتراض عند حرية التعبير ورفع التكفير عنه. وسنواصل ثباتنا عند ما نعتقد حيث نحن مع بدء الهجوم بتكوين لجنة لرصد كل حالة تفكير ورفع اسم مرتكبيها إلى جامعاتهم التي تخرجوا منها لنزع شهاداتها عنهم لأنها لم تمنح للتمثيل بالرأى والخصم الفكري. كما سنرفع اسم كل مرتكب تكفير إلى منظمات حقوق الإنسان لحظره السفر وحضور المنتديات. إننا نأمل ألا نضطر إلى مثل هذا بحق أخوان لنا في الدين والوطن. ولكن فاض الكيل. ونأمل أن نصل إلى كلمة سواء تنزع فتيلة التكفير من حقل المعرفة والاجتهاد في بناء وطن مثقل يتخبط من مس الفتنة والبغضاء.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 783

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1062709 [فكر]
4.07/5 (5 صوت)

07-21-2014 01:00 PM
الشيوعي حين يسقط، يسقط عموديا وإلى القاع

[فكر]

#1062269 [علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]
4.07/5 (5 صوت)

07-20-2014 10:52 PM
.
يا أصوات الحق الابلج
قولي انك آتية
يا ريح الصرصر عاتية
من بين انين المصبلوبين
.
قولي انك لن تنتظري الوعد الكا1ب
قولي انك قد أشسهرتي السيف اللازب
هاقد اقسم شعبٌ غاضب غاضب
حتى تُرد حقوق المظلومين ..
............................
.
لقد آن أوان الثورة ، ويخطئ من يظن ان هذا النظام يمكن ان يتغير بمثل هذه النظرة المثالية التي لا نري الا انها مضيعة للوقت الذي ازف ونزف لما تبقى من همم .....
لا خلاص الا بالثورة وهي حتماً آتية طالما ان معطياتها الموضوعية قد تحققت .....

[علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني]

ردود على علي احمد جارالنبي المحامي والمستشار القانوني
Yemen [شاهد اثبات] 07-21-2014 10:41 AM
انت يا على جار النبي من واقع تخصصك
ادعو الى اصلاح المحكمة الدستورية العليا في السودان ورشح تسعة قضاة محترمين جدا ماركة المرحوم ابو رنات عشان يصلحو الدستور ويتنظف بي الكلوروكس والدستور لمن يتصلح بتصلح السودان وتختفي دولة الراعي والرعية والريع والرعاع والتي يستوى فيها المؤتمر الوطني واحزاب السودان القديم الى دولة المؤسسات وهذه بتاعة "القوى الديموقراطية الجديدة" المرقت ليها الخرطوم كلها في قيامة الساحة الخضراء في 2005
والفرز مستمر


#1062239 [لتسألن]
4.07/5 (5 صوت)

07-20-2014 09:41 PM
* فكرة جديرة بالاهتمام.

[لتسألن]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة