المقالات
السياسة
19 يوليو .. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال
19 يوليو .. وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال
07-20-2014 04:56 AM

مرت ثلاثة وأربعون عاماً على أحداث يوليو ١٩٧١ ولا نزال كل عام نردد الذكريات والوقائع دون أن يكون في ذلك شفاء معرفي يضع تلك الأحداث في سياق أوضح ويجلي الأدوار ، وستبقى أحداث ١٩ يوليو جرحاً فاغراً يتجدد كل عام بذات الإلحاح بينما يطوي النسيان أحداثًا أخرى تلتها في الزمان ونادراً ما يتذكرها أحد
أعتقد أنه قد صارت لدينا الآن مدرستان واحدة تريد أن تمعن في السرد كنوع من الإثارة السنوية الدورية عن "أسرار" ١٩ يوليو دون أن تحقق من ذلك سوى التكرار الممل لأقوال المايويين وأعداء الشيوعية وتسويق الأكاذيب التي لم تعد تقف على ساق، وهي مدرسة تروق للذين يرغبون في دفن الحقائق وطمس الوقائع حتى لا تشير إليهم كطرف كان مشاركاً ويتحمل المسؤولية فقد أخفوا الأوراق وكتموا الشهادة وادعوا غير ما حدث ومنهم من غير أقواله وتراجع.
ومدرسة أخرى ترى أن ما تجمع من وقائع وحقائق رغم نقصه كافٍ لوضع ١٩ يوليو في سياقها التاريخي وتبيان جوهرها وتفسيرها، وهذا اتجاه يقول بعدة فرضيات لأنها مبنية على وقائع منشورة وأهم فرضية في هذا الاتجاه تقول بأن ما حدث في ١٩ يوليو كان "عملية" مخططة ومنسقة هدفت للتخلص من الحزب الشيوعي ومن تيار عبد الخالق محجوب، وهي عملية شكلت قمة وخلاصة محاولات التصفية جميعها لأنها شملت تصفية تيارات البعث والديمقراطيين الثوريين والقوميين العرب ويقترب من هذا القول اتجاه دفعته الوقائع للحديث عن "طرف ثالث" في الأحداث كان متخفياً ويلعب دوراً مريباً في هذا السياق يمكن ان نتحدث عن دور عبد الخالق محجوب وهو سكرتير الحزب الشيوعي وهو المسؤول الأول عن نشاط الحزب العسكري داخل صفوف القوات المسلحة المكون من تنظيم للضباط وتنظيم خاص للجنود ، وهذا التنظيم موجود مع تنظيم آخر حليف هو تنظيم الضباط الأحرار ويضم مجموعات من الضباط من مختلف المشارب اليسارية والوطنية وهو يضع مطالب القوات المسلحة في المقدمة ويواجه قيادة مؤسسة عسكرية محافظة.
ولا يمكن بالطبع تناول دور عبد الخالق دون الإشارة إلى مجموعة همومه ومشاغله التي حملها في صحوه ومنامه منذ أن اندلعت ثورة أكتوبر وعبر ما يقارب الأعوام الستة ، هل كانت تلك الهموم تشابه هموم متآمر وانقلابي أم أنها مشاغل ثوري يريد لبلاده التقدم والنماء؟ قد يطول السرد ولكن في كثير من تلك السنوات ظل عبد الخالق في موقع الدفاع عن حزبه أمام الهجمات التي لم تفتر وأمام محاولات التصفية القانونية المتمثلة في قرار حل الحزب الشيوعي وحتى عندما قرر الضباط الديمقراطيون الانقلاب على النظام البرلماني عمل بصبر مع أقرانه العسكريين حتى مال الميزان داخل تنظيم الضباط الأحرار لصالح رفض فكرة الانقلاب ورفض الضباط الشيوعيين للمشاركة في انقلاب ٢٥ مايو الذي تم بليل من وراء التنظيم ، فهل هذا موقف رجل يريد الوصول للسلطة بأي طريقة؟ من أين كان يصدر هذا الموقف؟ إذا رجعنا قليلاً وتأملنا الموقف السياسي فيما بعد ثورة أكتوبر فسوف نجد الحقيقة البارزة هي نهوض الجماهير وفي قلب حركتها حزب شيوعي قليل العضوية لكنه كبير النفوذ واسع الاحترام بين جماهير القطاع الحديث في المدن وبين جماهير الريف في القرى وخاصة وسط المزارعين وهو بالضبط ما جلب على الحزب حقد القوى الرجعية التي لم تكن تريد أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى دوائر نفوذها تتآكل، لقد اهتم عبد الخالق بالكيفية التي يتوجب على الحزب أن يلاقي بها هذا الانعطاف نحوه وكد ذهنه الوقاد كي يحسن الحزب وضعه ويتمكن من استيعاب أعضاء جدد وتدريبهم وتأهيلهم ليقودوا حركة جماهيرية متطلعة للحياة الكريمة وتتوق للتغيير وفي هذا المناخ جرى التحضير لعقد مؤتمر الحزب الرابع وكتب عبد الخالق وثيقته الرئيسية وفيها ما فيها من قضايا ثورة السودان الوطنية الديمقراطية مما لايخطر بالأذهان المنغلقة التآمرية وعزز عبد الخالق جهده الفكري في وثيقة أخرى مبهرة عندما خاب فأله في القيادة التي انتخبها المؤتمر وهي في الحقيقة العناصر الانقسامية لاحقاً التي والت انقلابي مايو تلك الوثيقة هي دورة قضايا ما بعد المؤتمر وهنا وبالتحديد يضع عبد الخالق يده على الجرح وينتقد الفكر الانقلابي دون هوادة ويبين أنه لا يمت للماركسية بصلة في وجه الدعوة التي جاهر بها أحمد سليمان المحامي للانقلاب ، وعندما وقع الانقلاب لم يهرب عبد الخالق من الساحة ودافع عن فكره بضراوة وصف الانقلاب بما يستحق وبين أصول قادته الطبقية وبرغم قبول هيئات الحزب المشاركة وقبولها أن يعين الانقلابيون وزراء الحزب لكن عبد الخالق ظل ناقداً لسياسات الانقلاب وهو صاحب فكرة تحويل الانقلاب لثورة أو محاصرة الانقلاب بالعمل الجماهيري أو ما يشبه ذلك وهي فكرة قد لا نوافقه فيها اليوم ولكننا نعرف أنه كان يقود حزباً يمثل فيه قائده تيار أقلية، المجهود الفكري الذي واجه به عبد الخالق انقسام الحزب وردعه المنقسمين كان صراعاً ضد الفكر الانقلابي وسيظل ذلك جوهرة تشع وتعلن كيف يمكن للماركسية الحقة أن تهدي إلى سواء الثورة ، مرة أخرى برزت الأفكار الانقلابية وسط الضباط الشيوعيين بعد أن نكصت مايو عن ما وعدت لكن ظل عبد الخالق كعهده يناقش ويبين موقف الحزب، وهو موقف استوعبه تماماً الجزولي سعيد عندما قال بحق وهو يناقش تلك الأفكار ، "ما مشكلة لو عملوا لينا أي حاجة ممكن نبدأ من جديد" ، ذلك أمام خشية الضباط أن تتعرض الحركة الشيوعية لضربة ما لم يسرعوا بانقلاب عاجل.
ليس لدينا ما يثبت أن الضباط الشيوعيين دبروا الانقلاب وكل الدلائل تشير إلى تأجيل الفكرة وخرج قادة مهمون خارج البلاد ولم يكن تنظيم الضباط الأحرار قد استرد عافيته بعد ولا صحة للقول بأن الضباط الديمقراطيين فرضوا الانقلاب على رصفائهم الشيوعيين، ففي الحقيقة لم يكن هناك انقلاب مدبر من قبل حزب يعرف معنى التدبير والتحضير حتى للمناسبات الصغيرة ناهيك عن استلام السلطة.. عملية ١٩ يوليو كانت ضعيفة من الناحية العسكرية والسياسية عملية هدف من قام بها أن تهزم، لكن المفارقة أن الضباط الشيوعيين الذين اشتركوا فيها وبكل بطولة وتضحية لم يخامرهم الشك في أنهم ينفذون واجباً حزبياً من الدرجة الأولى وعلى ذلك العهد مضوا مشهود لهم بالشجاعة والصدق، هنا تكمن القضية ، من الذي سرق اسم الحزب وحدد ساعة الصفر، سؤال شديد الجدية قائم ويقرأ مع التدبير والتنسيق المحلي والإقليمي والدولي المحيط بهذه العملية التي نجحت في إقصاء اليسار من مركز السياسة السودانية وأخضعت البلاد لسياسات صندوق النقد الدولي، عملية تخلصت بالقتل من القوميين العرب وحملت دمهم للشيوعيين وأعدمت القادة الشيوعيين واعتقلت الآلاف وفصلت من الخدمة الكثير وخلا لها الجو فباضت واصفرت طيور اليمين السوداني. هذا بعض من سياق أعدم فيه أكبر دعاة الثورة والمعادي للفكر الإنقلابي بتهمة تدبير انقلاب! وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1253

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1063135 [ibrahim]
0.00/5 (0 صوت)

07-22-2014 01:07 AM
شكرا جميلا الاستاذ ابو بكر الامين علي المقال التحليلي الرصين وكما قلت ظلت 19 يوليو 1971 من الاحداث السياسية الهامة التي مرت علي السودان ولكن حتي الان تظل من الاحداث التي لم يكشف عن عنها النقاب لذلك لابد من كشف الحقايق كاملة لان اليمين السياسي ظل في كل عام لذكري يوليو يسرح ويمرح ويزور في التاريخ في وضح النهار واصحاب المصلحة الحقيقة في ثبات عميق لايحركون ساكنا لذلك لابد من فتح هذا الملف بشكل نقدي للاستفادة من هذه التجربة

[ibrahim]

#1062487 [شوقي]
4.07/5 (5 صوت)

07-21-2014 10:06 AM
واحدة من الألغاز السودانية ...

[شوقي]

#1062483 [سوداني]
4.07/5 (5 صوت)

07-21-2014 10:03 AM
كلامك منطقي جداً ...
السؤال المهم جداً : من كان وراء هذا الإنقلاب الفاشل ؟؟!!
كثير ممن شهدوا تلك الأحداث لم يستطيعوا إيراد حقائق
موضوعية عن تلك الأحداث ، كلّ ما ورد كان عبارة عن
مشاهدات و ليست شهادات عما حدث ...
فرضية جديرة بالمناقشة ...

[سوداني]

#1062262 [hajabbakar]
4.07/5 (5 صوت)

07-20-2014 11:41 PM
هرب عبدالخالق من معتقل الشجرة بمساعدة عساكر الحزب
ولو لم يكن انقلابيا لما هرب من السجن فهو لم يرتكب جريمة تستدعى هروبه
ظهر فى الفندق الكبير واستقبل الوفود وهنالك صور فوتوغرافية يظهر فيها وسط الانقلابيين
ووجوده فى منزل ابوشيبة بعد الهروب حقيقة يعرفها القاصى والدانى
رحم الله عبدالخالق فهو لايختلف كثيرا عن حسن الترابى

[hajabbakar]

#1061675 [فاروق بشير]
4.07/5 (5 صوت)

07-20-2014 09:24 AM
من الذي سرق اسم الحزب وحدد ساعة الصفر،
وانت ايضا انتهيت الى سؤال.

[فاروق بشير]

أبوبكر الأمين
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة