طائر الجنة وطائر النار
02-11-2011 06:12 PM

طائر الجنة وطائر النار

قصة قصيرة

أحمد الملك
[email protected]

بعد موسم الدرت سيذهب آدم الى المدرسة، كان سعيدا جدا وسأل أمه وهي تخض لبن الماعز لتصنع منه السمن: هل سنلعب في المدرسة؟.
قالت أمه نعم، هناك أولاد كثيرون. وستتعلم كيف تقرأ الرسائل وكيف تكتبها.وحين تكبر ستصبح طبيبا وتعالجنا أنا ووالدك حين نمرض ونذهب لنعيش معك في المدينة حين لا تنزل الامطار.
وقال آدم: وأين تقع المدينة وهل فيها أشجار وأغنام؟
قالت أمه: لا توجد أغنام ، اللبن هناك يشترونه من السوق معبأ في علب من الورق.
ضحك ادم مندهشا وقال الا يفسد اللبن؟
قالت أمه: نعم، لا يكون طازجا مثل اللبن عندنا لذلك الاولاد هناك ضعفاء لا يقوون على عمل شئ.
رغم الجفاف والحرب كان هناك ثمة أمل في الحياة، أمل يتبدد احيانا مثلما تتبدد سحابات الصيف بفعل الرياح الموسمية.
أعطاه أخاه الاكبر صفارة مصنوعة من جذع شجرة وعلّمه كيف يعزف عليها، علّمه كيف يضع أصبعه على ثقوب الصفارة ليتحكم في اللحن، شرح له كيف يعزف لحنا يساعده لتهدئة الاغنام والابل عند الرعي وكيف يعزف لحنا آخر لمساعدة الابل التي تضل طريقها لتعود عند سماع صوت المزمار.
في اليوم الاول عزف ادم على المزمار حتى تعب وأخلد الي النوم والمزمار في حضنه ليرى نفسه اثناء النوم وهو يحاول بنغمات مزماره تهدئة البهائم الشاردة التى أفزعها منظر طائر حديدي ينثر النار من حوله، بعد أن خرج فجأة من جوف السحاب.لم تهدأ البهائم بنغمات مزماره لكن النغمات جذبت مثل عصا ساحر أسرابا من طيور الجنة، فهرب طائر النار.
قالت أمه في الصباح وهو يجلس بجانبها في انتظار غليان لبن الماعز على نار الحطب: هذا لأنك لا تصلي قبل النوم. في المرة القادمة سيخرج طائر النار من الحلم وستراه في الصباح نائما بجانبك.
يخاف آدم من طائر النار ، سمع عنه من أقرانه في الرعي، حين يظهر طائر النار في مكان ما ينشر الخوف والدمار، تأكل النار كل شئ. ويموت كل الناس الذين يحلّق طائر النار فوقهم.
يقف وراء والده بعد أن يتناول مع أخوته عشاء من لبن الماعز وعصيدة الدخن، يصلي خلف والده، يحاول أن يبدو وجهه حزينا أثناء الصلاة وأن ينسى أقران الرعي وينسى حتى مزماره كما توصيه أمه،يركز أذنيه بقوة في الاستماع لوالده حتي لا يجعله الشيطان يتذكر الاغنيات التي يرددها مع أقرانه أثناء الرعي، ولأن الصلاة تكون عديمة الفائدة ولن يقبلها الله أذا فكر في شئ آخر أثناء الصلاة كما يقول والده.
بعد الصلاة يقطع آدم إنهماك والده مع مسبحته قائلا:
أين يذهب الناس حين يموتون؟
يسحب والده حبة اخرى من حبات مسبحته ويطرق قليلا :
…… يذهبون الى الجنة!
يعرف من طريقة رد والده المقتضبة القاطعة أنه لا يرغب في تلك اللحظة في مواصلة الحديث وأنه يريد أن يخلد للنوم.
لكن السؤال يبقى معلقا في رأسه: الجنة مكان جميل يحصل فيه الانسان على كل ما يريد، كما سمع من أمه كثيرا، طائر النار لا يريد بالناس خيرا، فكيف يساعدهم للإنتقال الى الجنة؟!
تقول والدته: دع الاسئلة الكثيرة وإستعد جيدا، ستذهب الى المدرسة يوم السبت، هناك ستجد من يجاوب على كل أسئلتك، لكنك لو مضيت تسأل نفس هذه الأسئلة ستجد هناك من يضربك بالعصا.

يشعر بالسعادة بعد الصلاة لأنه لن يرى طائر النار أثناء نومه. يستعيد المزمار من شقيقته التي تحتفظ به أثناء أدائه للصلاة، يعزف قليلا قبل النوم اللحن الذي يعيد الابل الضالة، فيرى صداه في العالم من حوله كأنه يجذب حتى النجوم المتهاوية في الصحراء.
يجلس آدم صباحا جوار أمه وهي ترتق بعض الثياب القديمة التي كانت تخص والده لتعد له منها جلبابا للمدرسة. لم تبق سوى بضع أيام يبدأ بعدها الذهاب الى المدرسة.
سيذهب آدم الى المدرسة يوم السبت.تعطيه شقيقته بعض الإرشادات حول كيف سيتصرف في يومه الأول.
إشترى له والده مركوبا جديدا، قام بتجربة الجلباب والمركوب وحقيبة الكتب التي خاطتها أمه من قماش الدمور، ثم تساءل:
هل سأذهب في اليوم الأول وحدي؟
قالت أمه أختك مريم ذهبت في العام الماضي دون أن يرافقها أحد. هل تخاف من شئ ما؟
نظر آدم بإتجاه السماء فرأى آخر سحابات موسم الخريف تعبر في ضوضاء المغيب، شعر بحزن خفي قبل أن يستعيد ثقته بنفسه ويقول:
لا … سأذهب لوحدي!
لم يذهب آدم الى المدرسة، جاء طائر النار، ذهب وحيدا للرعي في ذلك اليوم، بقيت أخته لتساعد أمه في عمل البيت وسافر أخاه الأكبر الى المدينة. شعر آدم بقلق غامض ، كان قد نسي مزماره في البيت، شعر أنه يواجه العالم وحيدا مجردا من دعم نغمات مزماره. لعب مع أقرانه لعبة الإختباء، كان مختبئا خلف شجرة طلح حين سمع الهدير الرهيب لطائر النار.
في المساء كان قد قطع مسافة طويلة مع إثنين من أقرانه وهم يجرون دون هدى، حتى توقفوا على مشارف إحدى القرى على مشهد عجوز يؤدي الصلاة جوار خيمة في قلب الصحراء، أعطاهم العجوز ماء ولبنا رائبا وسألهم من أين جاءوا، حكى له آدم انهم هربوا حين رأوا طائر النار. أطرق العجوز مندهشا لأن الفتية قطعوا بسبب الفزع مسافة طويلة جدا، وقال انه سمع أن رجالا هاجموا تلك القرية.
آدم كان يود العودة الي البيت ليقابل أمه ووالده وأخوته لكن العجوز أقنعهم بالبقاء حتى يعرف أخبار القرية من المسافرين. وطمأنهم على أحوال ذويهم: مثلما هربتم أنتم لابد أنهم هربوا أيضا.
بعد يومين جاء أشخاص غرباء يركبون سيارة، تحادث معهم الرجل العجوز بعيدا عن الصبية، ثم نادى عليهم وطلب منهم مرافقة الرجال الثلاثة الذين سيأخذونهم الى مكان آمن لحين العثور على ذويهم.
تعرفوا عن كثب خلال الايام التالية على المكان الآمن: معكسر للنازحين جوار إحدى المدن الحدودية، يعيش مع رفاقه الثلاثة وصبية آخرين فقدوا ذويهم في غرفة كبيرة، استقبلهم بعض الرجال وشرحوا لهم كيف يتصرفون داخل المعسكر المترامي الاطراف. يشعر آدم انه يعيش في متاهة يفقد فيها القدرة على التعرف على اتجاه موقع قريته، حينما تمضي الايام يزداد حنينه الى البيت، والديه وأخوته الذين يجهل أية اخبار عنهم. يتذكر أغنامه الشاردة التي يجمعها بنغمات مزماره. يتذكر الاستعدادات التي شملت البيت كله إنتظارا ليوم ذهابه للمرة الاولي للمدرسة.
تذّكر فجأة كلام امه قبل يوم من ظهور طائر النار في القرية حين أعطته حقيبة القماش التي سيضع فيها كتبه وأوراقه. قالت له: صباح السبت قبل أن تخرج للذهاب للمدرسة سيعطيك أبوك شيئا جميلا إشتراه لك من المدينة.
فكّر بحزن: ما الذي كان والدي يريد أن يعطيني بمناسبة ذهابي للمدرسة؟ وجد ان التفكير في هدية والده يعطيه دفعة من الأمل في استعادة أيامه السعيدة. هل كانت الهدية جحشا صغيرا يستقله الى المدرسة؟ كتابا مصورا يحكي قصة فتى جاب مدنا كثيرة طالما حلم بالحصول عليه؟ هل كان قلما؟ ام ساعة يد، فكر قليلا ورجح ان هدية والده ربما كانت بالفعل ساعة يد، فقبل شهور زارهم في البيت قريب يقيم في مدينة بعيدة وكان معه إبنه الصغير، كان الصبي يلبس في معصمه ساعة يد صغيرة ملونة، كانت رؤية شوكات الساعة وهي تلاحق بعضها إكتشافا مبهرا لادم، أعطاه الصبي الساعة ليجربها ، فجاب بها القرية كلها، شاعرا بأن الزمان الذي يحس بوقعه في معصمه غير الزمان الاخر الذي يمضي طليقا الى المجهول دون أية اشارات تقيده.
قال له والده حينذاك يوم تذهب الى المدرسة سأحضر لك ساعة مثلها.
أحضر لهم أحد المشرفين في المسكر أوراقا وكتبا وأقلاما وأخبرهم أن مدرسا سيحضر أحيانا ليساعدهم على تعلم القراءة والكتابة، فرح آدم لمشهد الكتاب الملون والاقلام وحزن حين شعر أن المسافة تزداد بعدا من حلم ذهابه الى المدرسة. كان أول شئ يجرب رسمه بقلم الرصاص، ساعة رسمها على معصم يده محاولا تذكر صورة ساعة قريبه الصبي وتخيل شكل الساعة التي أحضرها له والده ولم يرها.
لم يكن الرسم سيئا، لكن صبيا من أقرانه لاحظ ان الساعة بها علامات كثيرة للأرقام أكثر من إثني عشر رقما وأنه وضع شوكة واحدة للساعة. حاول الصبي الاخر اصلاح رسم الساعة فوضع مؤشرات للدقائق والثواني، إختلطت الأرقام والمؤشرات فبدت الساعة مثل وشم سيكون أول ما يلاحظه شقيقه الذي حضر برفقة شخص ما، كانت سنوات قليلة قد مرت، كافية لكي لا يتعرف آدم للوهلة الاولي على شقيقه.
قال شقيقه: بحثنا عنك طويلا في كل القرى المجاورة وكل المعسكرات.
عرف بعد قليل أن الرجل الذي يرافق شقيقه هو خاله عبد الله الذي لم يره قط وان سمع عنه كثيرا من والدته، من قبل مولد آدم كان خاله قد غادر الوطن ليعمل في آحدى الدول القريبة ولتبدأ خطاباته وأخباره في التباعد.
خرج آدم معهما، سيأخذناه للعيش مع قريبة لهما تعيش في مدينة قريبة، قالا أن شقيقته تعيش مع تلك المرأة لكي تتمكن من مواصلة علاجها. لم يسأل آدم عن سبب مرض شقيقته، سأل عن والديه، قال شقيقه من خلال دموعه أن والديهما ذهبا الى الجنة، وأن القرية كلها أحترقت، ولم ينج سوى بعض النساء وبعض من تصادف وجودهم خارج القرية وقت الهجوم.
يريد خاله في طريق العودة زيارة القرية ليرى حجم الدمار الذي حاق بها، آدم فرح في سره لفكرة أن يرى البيت مرة اخرى، لا يصدق أن كل شئ إنتهى كما يقول له شقيقه.حين إقتربت العربة من القرية حاول شقيقه أن يزرع فيه بعض الأمل قبل أن يرى مشاهد الدمار، قال، يوما ما سنعود مرة اخرى وسيتم إصلاح كل شئ.
وقال آدم: وهل سيأتي هؤلاء الرجال مرة اخرى لحرق القرية؟
قال شقيقه: لن يحدث ذلك مرة أخرى.
تذكر آدم زريبة البهائم التي يحصنها والده خوفا من اللصوص، وقال : هل سنقوم بوضع أغصان الشوك حول القرية؟
توقفت عربة خاله أمام البيت، لا شئ في المكان، حتى الرماد الذي خلّفه الحريق تبخر في الرياح.جذع خشب واحد نجا من الحريق كانت والدته تستخدمه لتعليق إناء مصنوع من جلد الماعز تستخدمه لخض اللبن لاستخراج السمن منه. أسفل العمود رأى رأس شئ يعرفه، حفر في التراب من حوله ليستخرج مزماره.
تجول فوق البيت وهو ينظف مزماره من التراب، شعر أنه يسمع صوت نبضات الساعة التي لا بد أن والده كان سيعطيها له في أول يوم لذهابه للمدرسة.
إنطلقت بهم عربة خاله، في العربة بدأ آدم يعزف على مزماره، لم ير أغنامه الشاردة تعود من متاهتها، لكنه رأى إشارات أحلامه تتجمع من حوله مثلما رأى من قبل طيور الجنة تتجمع لتطرد طائر النار: سيعود يوما وستنهض حياة أخرى من رماد هذا الخراب …وسيذهب آدم الى المدرسة.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1683

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#94458 [قرشي - شمالي سابقاً]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2011 04:50 AM
ماذا أقول؟
لو كان الأمر بيدي لأعطيتك جائزة على ما كتبته يا أحمد المك
أبدعت بشكل منقطع النظير حين إستلهمت واقعنا المرير
لقد أبكيتني فعلاً، وجعلتني أحس بالعار من نفسي
حتماً ستعود طيور الجنة لتطرد طائر النار
حتماً ستعود طيور الجنة لتطرد طائر النار
حتماً ستعود طيور الجنة لتطرد طائر النار


#94152 [om mariam]
0.00/5 (0 صوت)

02-12-2011 11:27 AM
ابكانى مقالك;( ;(


أحمد الملك
أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة