المقالات
منوعات
حنتوب الجميلة... حامد محمد الأمين : مؤرخ وجغرافي وسفير
حنتوب الجميلة... حامد محمد الأمين : مؤرخ وجغرافي وسفير
07-22-2014 09:54 AM

كان لقائى بالأستاذ حامد دون سابق معرفة ظهيرة الثلاثاء الأول من فبراير عام 1949 فى "قمرة" من عربات الدرجة التانيه فى القطار الذى يغادرمحطة السكة حديد بالخرطوم متوجها الى مدينة القضارف فى الواحدة وعشردقائق من بعد ظهر يومى الثلاثاء والخميس من كل اسبوع. وكان يصل مدينة ودمدنى فى السابعة وعشر دقاتق من مساء نفس اليوم. تبادلنا السلام والتحيه دون أن يعرف أى منا شخص الآخر أو وجهة سفره . غادرت عربة الدرجة الثانية وتوجهت نحو جمع من الشباب. كان رصيف المحطة فى تلك الظهيرة مكتظا بأعداد غفيرة منهم على مدى الجزء الأخير من مصفوفة عربات القطار يسارعون الى رفع حقائبهم حديدية الصنع الى داخل إحدى عربات الدرجة الرابعه .هناك التقيت بنفر من زملائى الطلاب بعضهم تقدمنى فى الدراسة فى المدرسة الأهلية الوسطى بمدني وآخرون ممن نالو تعليمهم الاوسط فى المدرسة الأميريه. آثرت البقاء بينهم نتبادل المعلومات عن حنتوب التى كانت وجهة ذلك الجمع فى ذلك المساء بعد وصول القطار مدينة ودمدنى.
وما أن أطلق الكمسارى صافرته معلنا دنو تحرك القطار، واعتلى المسافرون مواقعهم، حانت منى التفاتة نحو مجموعة من الطلاب فوجدت بينهم ذلك الشاب الأنيق الذى لم يكد يفوق الخامسة والعشرين، وهو نفسه الذى التقيته فى عربة الدرجة الثانيه قبل دقائق، وهو يحادثهم حديث من سبق له بهم لقاء ومعرفة وثيقه. أشار عليهم بالإسراع الى عربات القطار. وعجبت لما رأيته يتبعهم الى حيث سارعوا نحو عربة الدرجة الرابعه التى لم يغادرها الى الدرجة الثانيه كما توقعت. سألت احد رفاق الرحلة عن الرجل فعلمت منه أنه عرف من بعض من كانوا يبادلونه الحديث أنه من يدعى حامد محمد الامين سبق له العمل فى مدرسة امدرمان الأميريه الوسطى، وتم نقله الى حنتوب.
وما أن تحرك القطار مغادراً محطة الخرطوم الا واختلط الحابل بالنابل من ذلك الجمع الطلابى داخل عربة الدرجة الرابعه. كانوا يتبادلون التحيات ويسعون الى التعارف كل بذكر اسمه ومدرسته . كانت المفاجأة أن وقف الرجل، وعلى وجهه الصبوح ابتسامة مشرقة، وفى نبرات صوت هادئة جاذبة أعلن عن اسمه حامد محمد الأمين معلم تاريخ ولغة انجليزيه منقولاً من امدرمان الأميريه والتجارة الثانوية الى حنتوب.
كان الى رباع فى الطول أقرب. قمحى لون البشره. على وجهه وسامة ظاهرة لا تخطئها العين زادتها شلوخ"المطارق"، ومياه الشباب التى كانت تجول فى عارضيه إضافة من حسن وبهاء. بقى بين ذلك الخليط من الطلاب الى أن وصل القطار محطة المسيد. فحينها غادر الدرجة الرابعه عائدا الى الدرجة الثانيه التى كنت قد سبقته اليها متفقداً شنطتى التى تركتها قابعة على رف "القمره". حيانى هذه المرّة باسمى. وفى تحيته بعض تساؤل لماذا انا من ركاب الدرجة التانية؟ ولماذا بقيت فى الدرجة الرابعه؟ ابلغته انى كنت مسافرا على نفقة الوالد (بتصريح درجه تانيه ربع أجره). ولم يكن الوالد يعلم أنى كنت استحق الحصول على تصريح مجانى من المدرسة، أو من قسم المدارس فى وزارة المعارف فى أول رحلة لى الى حنتوب. وقبل أن اعود أدراجى الى رفاق دربى فى الدرجة الرابعة سألني عمن جلست الى حلقات درسهم من المعلمين فى مدرستى الوسطى. وقبل ان تنطلق صافرة القطار معلنة مغادرته المحطة عدت الى عربة الدرجة الرابعه وبقيت بها بين رفاقى الجدد، لأعود ثانية الى عربة الدرجة الثانيه عندما وصل القطار محطة الحصاحيصا. وعادة يطول وقوفه فيها. ووجدت الأستاذ فى سنة من النوم أفاق منها متسائلاً عن أى المحطات توقف القطار بها.
فيما بقى من الرحلة الى ودمدنى بقيت فى معية الأستاذ وآخرين من المسافرين فى "قمرة" الدرجة الثانيه نتجاذب اطراف حديث. كان معظمه عن التعليم وعن حنتوب ونظمها وضوابطها. ومن خلال حديث الأستاذ الجاذب علمت أن رفاص المدرسه سيكون معداً لنقل الطلاب القادمين الى المدرسه على متن كل القطارات الى تصل ودمدنى خلال ذلك المساء. وما أن توقف القطار فى محطة ودمدنى تناولت شنطتى وودعته لأنى كنت سأقضى الأمسية بين ألأهل فى المدينة قبل عبورى الى حنتوب على أول رحلة صباحية للرفاص فى اليوم التالى. وكان حدثني عنها الأستاذ كذلك. ما كان يقوله الستاذ عن حنتوب تبين لي أن رحلته تلك إليها لم تكن الأولى. إذ أنه سبق له الوصول الى حنتوب وشارك فى مراقبة وتصحيح أوراق إجابات طلاب السنوات الأولى والثانية والثالثه لامتحانات نهاية العام الدراسى 1948. وكانت جرت فى العشر الأواخر من شهر يناير 1949. وكان طلاب عادوا إلى المدرسة مبكرين لأداء الأمتحانات نسبة لتعطيل الدراسه لمدة فاقت الستة أسابيع بعد اضراب طلابى تضامنا مع الشعب السودانى فى رفضه قيام الجمعية التشريعيه .
.لم نسعد بتدريس الأستاذ فى عامنا ألأول فى حنتوب. ولكنا كنا نشاهده فى غدوه ورواحه الى داخلية على دينار التى كانت له سكنا كأول "هاوسماستر" لها، أو مشاركاً فى تحكيم مباريات دورى الداخليات فى كرة السلة، أو فى أيام نوبتجيته متفقداً، وحافظاً للنظام خلال فترات"المذاكره المسائيه".
عند انتقال مجموعتنا من أولى كولمبس الى ثانيه غزالى فى بداية عام 1950 وجدنا أنفسنا تحت رعاية الأستاذ حامد وإشرافه المباشر. فقد كافوه ب"ابوة فصلنا". ولكنها كانت مفاجأة لنا أنه يدرسنا مادة جغرافيا " القارة ألأفريقيه" وهو الذى عرفته حنتوب فى عامه الأول بها معلماً لتاريخ الدولة الإسلاميه لطلاب السنتين الأولى والثانية فى آن واحد. وحدث هذا بسبب تعديل مقرر مادة التاريخ الذى بموجبه أصبح تاريخ الدولة الأسلاميه مقرراً على طلاب السنة الأولى، ولم يكن طلاب السنة الثانيه قد درسوه فى عامهم السابق. وقد بدا لنا أن تحول الأستاذ الى تدريس الجغرافيا كان أمراً مؤقتا فرضه ظرف رحيل مستر مكبين إلى معهد بخت الرضا، وانتقال الأستاذ عبد الحليم على طه إلى خور طقت نائباً للناظر مع تأخروصول المستر"كاننق" من بريطانيا، وعبدالرحمن افندى النصرى لأسباب خارجة عن ارادته. فتمت الاستعانة بالأستاذ حامد الذى وافق على تدريس الجغرافيا شريطة الاحتفاظ له بحقه فى الابتعاث الى بريطانيا للتخصص فى مادة التاريخ. وقد كانت الوزارة عند كلمتها. فتم ابتعاثه فى النصف الثانى من العام التالى 1951 لينال درجة البكالوريوس فى التاريخ بمرتبة الشرف.
وحظيت به مدرسة وادى سيدنا حال عودته عام 1954(برضومعلما للجغرافيا !!). ولكن بإصراره الجازم على تدريس التاريخ وإلا غادر المعارف تمكن من العودة الى تدريس التاريخ الى حين التحاقه بوزارة الخارجيه سكرتيراً أولاً عند انشائها عام 1956. وتوالى ترقيه فى وظائفها الى أن أصبح سفيراً للسودان فى العديد من الدول .وحين تقاعده عند بلوغه السن القانونية عاد للاقامة فى المدينة الفاضلة، الغرالميامين أهلها، والتى تطل على اكثر موقع عمل له كان حبيباً الى نفسه حسبما كنا نسمع منه أثناء لقائنا به عصارى معظم أيام ألأسبوع فى نادى الجزيرة. وكان شديد السعي للحفاظ على حيويته ونشاطه الجسمانى بين مجموعة خيّرة من كرام ونجوم مجتمعها الفريد وهم يتسامرون خلال ممارستهم لعبة "التنس". رحمة الله على من سبقه أو لحقه منهم الى دار الخلود والقرار ومد الله فى ايام من لا يزال ينتظر.
سعدنا بالجلوس الى حلقات درسه فى ذلك العام يحدثنا عن أفريقيا ليضيف الى ما ظل راسخا فى عقولنا مما سبقت لنا دراسته فى عامنا الثالث فى المدرسة الوسطى عن جغرافية القارة الطبيعية: مرتفعاتها ووديانها وأنهارها وصحاريها وتعدد أنواع مناخها وأقاليمها الزراعية المختلفة، وعن أحوال حياة قبائلها "الماساى، وبائللا، والزولو وأنماط حياتهم على يد اأستاذينا الراحلين عليهما فيض من رحمة الله: حسن محمد الحاج ومحمد عثمان النو. مثلما سعدنا كذلك بتدريس الأستاذ حامد لنا فى الفصل الأول من العام الدراسى 1951 ومادته كانت جغرافية أمريكا الشماليه مع أبوة فصلنا "ثالته ماجلان". ووجدنا فيه دماثة خلق منقطعة النظير وتواضعاً جماً وحزماً باطنه أقدار من المرح وخفة الروح. كان حبيبا الى نفوسنا والى قلوب ساكنى داخلية على دينار قبل انتقاله منها الى دار أقام فيها بعد زواجه لفترة قصيرة وقبل سفره الى بريطانيا مخلفاً أخلد البصمات وأصدق الذكريات لدى كل من كان فى حنتوب طلاباً ورفاق مهنة وعاملين. لم يكن العبوس يجد إلى وجهه الصبوح طريقا.كان هاشاً باشاً عند كل لقاء تسبقه على الدوام ابتسامتة المشرقه وهو يرتقى منصة الفصل .البساطه قولا وعملا وملبسا كانت ديدنه. والتفاؤل يلفه والأمل يعمه. وكانت حنتوب تحس بالسعادة والراحة النفسيه بوجوده فى ربوعها. رحمة الله فى أعلى عليين وجعل الفردوس ألأعلى مقراً له ومقاماً.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1133

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1064883 [بنت الناظر]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2014 03:00 AM
النميرى كان طالبا فى حنتوب فى زمن الأستاذ حامد محمد الأمين ولماأصبح النميرى رئيسا كان حامد محمد الأمين سفيرا وكان النميرى ينحنى حينما يسلم على السفير حامد قائلا له يا استاذى..
ياسبحان الله ..رحم الله السفير حامد محمد الأمين والرئيس جعفر نميرى ..

[بنت الناظر]

#1064487 [ياسر]
0.00/5 (0 صوت)

07-23-2014 03:24 PM
لا أدري لماذا معظم الذين خربوا البلد كانوا من خريجي حنتوب - نميري الترابي نقد بابكر كرار عبدالله زكريا وهلمجرا..

[ياسر]

#1064049 [محمد أحمد الريح]
0.00/5 (0 صوت)

07-23-2014 03:40 AM
لك الشكر الجزيل أستاذنا السلاوى وأنت توثق لقامات التعليم فى البلاد الذين أنارو الطريق للعلم

وتركوا آثارهم العظيمة وسيرتهم الحسنة في كل المواقع التى تبوؤها.

رحم الله الذين انتقلوا إلى جواره الكريم وأطال الله فى أعمار الأحياء منهم ومتعهم بالصحة والعافية..

[محمد أحمد الريح]

الطيب السلاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة