المقالات
السياسة
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (5)
الأحزاب السودانية .. هل إلى إصلاح من سبيل؟ (5)
11-30-2015 02:59 PM

كرهت السياسة والسائسين وعفت الخداع وإفك البشر
لأن هواها يفرق شملاً وينفث حقداً طوته العُصُر
فكم من وضيع علا نجمه وكم من رفيع هوى وأندثر
وفيها جيوب تمور بسحت وجيب بلادي يشكو القتر
( الشاعر الأمين بله -1965 )
اتسمت العلاقة بين الأحزاب السودانية، في جميع مراحل الحياة السياسية بعد الاستقلال، بنوع من التنافس المحموم كالذي يوجد بين الأندية الرياضية التي تمارس أنشطتها وفقاً لمبدأ إما غالب أو مغلوب؛ ولذلك لم تراع الأحزاب المصلحة الوطنية العليا، ولم تلق بالاً لمشكلات البلاد ومعاش الناس. ونتيجة لتلك العلاقات والممارسات الحزبية الخاطئة من تآمر واختلاف، عبر الحقب المختلفة، المدنية والعسكرية، ظلت الأوضاع السياسية والاقتصادية غير مستقرة، ليس هذا فحسب بل ظهرت تشوهات جهوية وإثنية كانت أسوأ نتائجها انفصال الجنوب، وظهور حركات مسلحة حالت دون التنمية والتطور؛ لأنها ترهق ميزانية الدولة بالصرف على الأنشطة العسكرية والأمنية، في الوقت الذي يجب أن تتوجه فيه تلك الأموال نحو التنمية وإنشاء البنية التحتية، وخدمة المواطن في شتى المجلات الصحية والتعليمية وغيرها. فأول حكومة منتخبة في السودان، اسقطت بتآمر بين حزب الأمة والختمية؛ ليقطعوا الطريق على السيد إسماعيل الأزهري. وكما هو معلوم قام السيد عبد الله خليل بتسليم مقاليد الحكم إلى الفريق إبراهيم عبود إثر اتفاق بين السيدين، عبر مسرحية سيئة الإخراج وصفت بأنها انقلاب عسكري بينما الحقيقة غير ذلك تماماً. وفي الواقع الأمر لم ينتهي الصراع على السلطة عند هذا الحد، مع أن فترة حكم الفريق عبود قد شهدت توسعاً كبيراً في البنى التحتية والتعليم العام، مع انفراج ملحوظ في علاقات السودان الخارجية كان من الممكن أن يحقق استقراراً وتنمية في كل أرجاء السودان، إلا أن الذين يسعون للسلطة اقدموا على تحريك الشارع بحجة انعدام الحريات، وكل ذلك بإيعاز من قوى اليسار واليمين حتى سقط نظام عبود فيما يعرف بثورة أكتوبر! ومن بعد أجريت الانتخابات العامة ودخلت البلاد في مرحلة الديمقراطية الثانية بمشاركة مكون جديد هو جبهة الميثاق الإسلامي، وسيطرة الحزبين الكبيرين أي الأمة والاتحاديين، وفكّر الجميع في الدستور الإسلامي. وعندما اعترضت قوى اليسار أو الشيوعيون على ذلك الطرح وأقدموا على بعض الممارسات التي لا تنسجم مع مرتكزات الأمة، كان مصير الحزب الشيوعي هو الحل من تحت قبة البرلمان! لم يستسلم الشيوعيون بطبيعة الحال، فما كان منهم إلا أن دبروا انقلاب مايو 1969 بالتآمر مع التنظيمات البعثية وبتأييد من جمال عبد الناصر. ومن ثم بدأت مرحلة جديدة من الصراع حول السلطة في السودان؛ لإسقاط حكومة مايو، وتكونت الجبهة الوطنية التي كانت تضم الأخوان المسلمين وحزب الأمة والاتحاديين وبعض عناصر اليسار. بدأ الصراع الدموي في المسرح السياسي السوداني بعد أحداث ود نوباوي والجزيرة أبا؛ فلجأ قادة الجبهة الوطنية إلى إثيوبيا ومن بعدها إلى ليبيا ليقودوا عملاً مسلحاً ضد الدولة والقوات المسلحة السودانية من الخارج. انتهت القدرات العسكرية للجبهة الوطنية بعد فشل محاولة محمد نور سعد في عام 1976 وتحرك الصادق، بدون علم رفاقه أو التشاور معهم، وتمخضت تحركاته عما عرف بالمصالحة الوطنية 1977. ومن ثم عادت قوى المعارضة إلى بلاد وانخرطت في صفوف الاتحاد الاشتراكي السوداني بينما كانت تعمل سراً لتقوية تنظيماتها والاستعداد للانقضاض على نظام مايو. لم تلبث الأمور حتى تردى الوضع وسقطت حكومة مايو في عام 1985 نتيجة لعوامل كثيرة لا مجال لذكرها هنا. وبدأت مرحلة الديمقراطية الثالثة بمشاركة عدد كبير من الأحزاب، وكان من الواضح أنها لن تستمر طويلاً نظراً لتفكك الجبهة الداخلية وعدم تجانس الأطراف الحزبية التي لم تستفد من تجاربها السابقة؛ فصار الحكم مهزلة حتى قال عنه الشريف زين العابدين الهندي (هذه الحكومة لو شالها كلب ما فيش زول يقوله جر). اتخذ الإسلاميون تردى الأوضاع الأمنية ذريعة، فنظموا انقلاب يوينو 1989. ومن ثم شرعت عناصر المعارضة في تشكيل التجمع الوطني الديمقراطي بالتنسيق مع جون قرنق وبتحريض من اليسار وبعض دول الجوار من أجل إسقاط نظام الإنقاذ. بشكل عام قام التجمع المذكور بعدد من العمليات العسكرية على أطراف السودان بمساعدة لوجستية من الحركة الشعبية، حتى وقعت اتفاقية السلام الشامل وانفصل الجنوب وظهرت إلى حيز الوجود الجبهة الثورية التي تجمّع فيها لوردات الحرب وشذاذ الآفاق، وهذه لمّا تضع السلاح بعد، متسببة في أزمة سياسية كبرى في البلاد، عجزت عن حلها كل جولات التفاوض بين الحكومة والمعارضة المسلحة؛ لعدة عوامل دولية وإقليمية وشخصية. خلاصة القول إن كل التيارات الحزبية في السودان حملت السلاح في وجه الدولة، وقاتلت ضد القوات المسلحة السودانية، وزجت بها في أتون السياسة وهي بذلك مسئولة، مجتمعة ومنفردة، عن الحالة التي وصلت إليها البلاد، ويجب عليها السعي لإصلاح نفسها ومن ثم إصلاح السودان، إذ لا يمكن أن يستقيم الظل والعود أعوج، فالأحزاب بوضعها الراهن غير مؤهلة لحل مشاكل السودان!



[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2067

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد التجاني عمر قش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة