عجو المحس
07-23-2014 12:23 AM

عربة التاكسي القديمة انطلقت بنا شرقا على شارع النيل , كان السائق عجولا مهموما يريد أن يقضي ذلك المشوار بحيث يعود ويتخذ لنفسه مكانا متقدما في أحد صفوف الوقود الطويلة. النهر كان هادئا مطمئنا يوزع خصوبته وعذوبته على الضفاف في رحلته الطويلة نحو الشمال. صيادون فرحون بالنهر وبالأطماء ألقوا شباكهم في فرح واطمئنان في عرض النهر هؤلاء ما عرفوا أحزان البعد ولغات أرقام العملة وضياع العمر في أرصفة الانتظار وهموم المنافي . انك لتريح بصرك العاشق على قسمات الناس ورائحة الأشجار والضفاف وتدرك كم هو مرهق ومكلف الأ تحسب لك سنين عمر طازج داخل وطنك.
كان السائق ساهما محدقا في جزئيات هموم جعلت من حاجبيه وجبهته خريطة كنتورية لواد موحش من الهم اليومي . والحقيقة يا أخواني فان الطيور على أشكالها تقع فشلوخ الرجل الأفقية شجعتني على ولوج عالمه وكسر الصمت الذي امتد بيني وبينه:
- الأخو من شايقية وين؟
- أنا بطحاني
- لكن يا حاج البطاحين ديل عندهم شلوخ زى اللات الشايقية؟
-أصلو أمي الله يرحما كانت بتكتّل الولاد...ماتولا سبعة وجيت أنا بعدهم فقررت تشلخني شايقي ...يعني زى ما تقول "سبِر" أو حماية.
- واشمعنى شايقي
-الشايقييِ ما قعد يموتوا...يعني السبر نفع وأهو أنا قدامك.
أحسست بأن الضحكة الداوية التي أطلقتها اقتلعت معها جذور أسى كثير اذ لامست في نظري بعض وجدانيات أمتنا فقبيلة ذلك الرجل تفاءلت بطول عمر في رأيهم أنه سمة ملازمة لقبيلة أخرى هي الشايقية فيما بدا لي أنه تسامح وطني يندر وجوده ان لم يكن "سبر" الرجل البطحاني مستندا على مقولة أن "الشقي بقي". المهم أن الأمر بالنسبة لي كان له عمقه الوجداني في أدبيات الترابط بين قبائلنا وإحساسها الفطري بوحدتها وامتداداتها الثقافية والاجتماعية داخل بعضها. عندما عدت من رحلتي الخاطفة من الوطن الى جدة ، كان وسط الزحام في المطار الأخ ياسر عبد الفتاح الذي أخبرني أنه ينتظر قدوم صديق وهاتفته في اليوم الثاني ان كان صديقه قد أتى اليه بشيء من "عجو المحس" ذلك التمر الممتاز الذي غنى له اسمعين ود حد الزين وأداه الفنان الكبير وردي . وقد ذكرني ياسر بمقاطعه المحسية ذكريات عذبة أيام الدراسة في مدرسة كورتي الثانوية ورحلات جمعية التمثيل والموسيقى على متن الباخرة النيلية من كورتي الى الغدار الى كرمة البلد وجزيرة بدين وامتدادات النهر المبارك شمالا نحو صاى وعبري وأنغام الطنابير الحنونة برطانة تستعذبها وتحسن الطرب لها وان لم تفهم معناها وربما لهذا السبب يقولون أن الموسيقى هي لغة القلوب .تلك أغاني سالت بها حناجر الطلاب المغنين على خشبة مسرح المدرسة ورحلاتها على ضفتي النهر في مناطق الشايقية والدناقلة والمحس برعاية أستاذنا الجليل المرحوم محمد بشير المر. وزملائنا صلاح حماد وسعد الدين إبراهيم وجمع كريم رعاه الله في ناوا والقولد وبدين وحفير مشو وأرقو وغيرها. جمعتني بهم ظروف الحياة وانطوت سنوات طازجة حارة وعبرت من خلال الزمن العذب وولت من بين أيدينا.
عندما أتينا أنا وياسر على ذكريات عجو المحس قفزت الى ذهني أغنية "الريلة" والتي هي من أوائل أغنيات الشاعر الراحل اسماعيل حسن التي غناها وردي:
ياعجو المحس التقيل
التقول فدع العراجين
انت ما بدوكي لى زولا مسيكين
علِي واحدن نخلو
مشتول في البساتين
ربطت بين البطحاني الذي تمددت على خديه شلوخ الشايقية وبين شاعر منطقة الشايقية الملهم اسماعيل حسن يتخطى في عشقه للحبيبة كل غابات النخيل وتمور القنديل والمشرق وبت تمود في منطقته ليصف حسن الحبيبة بأنه جنس متميز من تمر المحس ..."العجو" الغالي الثمين . ان تلك الحبيبة التي عشقها الشاعر من منطقة الشايقية ولأن المحس في نظر الشاعر هم الذين يزرعون –في نظر الشاعر- مثل ذلك النخل الثمين المثقل بثمره ذي الجودة العالية فأهله أولى بثمره لأنهم لا يمنحون مثلها الا لمن كان له مثل ذلك النخل في تسام رائع يتخطى حدود القبيلة لينتشر بمساحة الوطن الشاسع الجميل . لقد حملتني تلك التداعيات الى قومية هذا الإنسان السوداني ففي وطننا أناس باسم فوراوي أو غرباوي وهم أصلا شايقية وان كان أصله منطقة الرباطاب بل أن عالمنا وأديبنا الكبير محمد عثمان الجعلي هو في الأصل من تنقاسي بمنطقة الشايقية.واني لأذكر الكثير من أهلي شمالا لهم صلات دم مع أهل الجنوب وقد كان جدنا الراحل أحمد عثمان "الكد" والد التيمان حسن وحسين الكد وجد أحبابي خالد الكد رحمه الله واللواء كمال ود أبوى حسن الكد أطال الله عمره ، كان يعرف بالدينكاوي طيلة حياته. أقول بذلك وفي البال ان لم أكن مخطئا تلك الشلوخ الأفقية الجميلة على خد الامام المهدي حسب صور كثيرة للمؤرخين ، وهناك الشلوخ العبادية لزكي عبد الكريم وهو دنقلاوي من قرية أقجي . واني لأذهب أبعد من ذلك لأقول أن الصلات والحب والتسامح في وطني ليست بين القبائل فحسب وانما بين الانسان والشجر وأذكر هنا تلك القصيدة الرائعة للشاعر جعفر محمد عثمان التي تغنى بها لتبلدية صغيرة كانت كانت نضيرة في داره بالدلنج ورحل عن تلك الدار ليعود اليها بعد سنين كبرت وشاخت خلالها تلك الشجرة فسقاها بشعر حنون ينبئك بصدق وأصالة بأن التمازج في بلادنا يشمل العلاقة بين الإنسان والشجر :
ذكرى وفاء وود
عندي لبنت التبلدي
فيا ابنة الروض ماذا
جرى لمغناك بعدي؟
في نسب البديرية الدهمشية الذي أخذناه من الوالد الجليل رحمه الله عملا بالحديث الشريف (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم) فمن أجداد البديرية السيد موسى ملك الدفار الأكبر بن السيد صلاح المشهور بسالة وهي كلمة رطانة معناها صلاح وله قبة بالقرب من دنقلا وهو جد جميع الدهمشية الذين هم بدنقلا وخلافها . وقد أتاح لي ذلك النسب مساحة كبيرة للتأمل في حال هذا الوطن الذي تتداخل فيه علاقات الناس وصلاتهم وصور تمازجهم في تلاحم سمح يندر وجوده وربما احتجنا الى ضوء ساطع من علمائنا ودارسينا عن مملكة الدفار وأنساب القبائل ومراجعها التاريخية في هذه المنطقة الحافلة بالتأريخ والأمجاد.
عندما طغت تلك الخواطر كان من بينها تلك "الليلية " المحضورة في حلة كوكو بالخرطوم وعندما شق دوي الطار هدوء ذلك الليل القروى تحت قمر صاف ساطع سخر من مزاجية الكهرباء وتذبذبها حينئذ:
نسايم الليل
هبي وجيبي وأنزلي في سوح
البيستر عيبي
كان أبناء قبائل كثيرة بعراريق وطواقي وجلاليب وسديريات يعرضون في الساحة وتتلاقى في الفضاء عصيهم وتشتبك أياديهم بلا اقتتال وبين وصلات المدائح كانوا يوزعون البليلة واللحم الحمري والعصيدة والمديدة فما ألذ طعم هذا الوطن القارة!!
وطن نراه يتسرب كل يوم كالماء من بين أناملنا مستعصما بالبعد عنا كتلك الحسناء التي اسلمت شاعرنا جماع الى وادي آخر.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1621

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1064855 [ابوغفران]
0.00/5 (0 صوت)

07-24-2014 01:56 AM
كلامك حلو يادكتور ونفسك حلوة كغالبية اهلنا الطيبين فى كل بقاع السودان (طبعا الكيزان مااهلنا) . شكرا لك ياطيب يازين

[ابوغفران]

#1064357 [الغضنفر]
0.00/5 (0 صوت)

07-23-2014 01:07 PM
الله الله على هذه الكتابة الطاعمة ، السلسة ،المفعمة بالمضامين التي تحلق بك إلى عنان السماء..
يا ناس الراكوبة كتروا لينا من جنس المقالات دي بدل ما تجيبوا لينا صورة نافع علي نافع تعكروا دمنا من أول الصباح...

د. عبد الرحيم : طوال شهر رمضان لم أضحك كما ضحكت من حوارك مع سائق التاكسي النبيل و حكاية الشلوخ ..
يعطيك ألف عافية و كل سنة و أنت طيب .. ما تغيب كتير عليك الله..

[الغضنفر]

د.عبدالرحيم عبدالحليم محمد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة