المقالات
السياسة
عيد بأية حال عدت ياعيد؟
عيد بأية حال عدت ياعيد؟
07-26-2014 08:41 PM

أسأل الله العلي القدير أن يهل عيد الفطر المبارك علي المسلمين عامة، وأهلي السودانيين خاصة، باليمن والبركات والسلام والحرية والديمقراطية.
وعلي كل حال، هذا هو العيد الخامس والعشرون الذي يطل علي أهل السودان، وهم ، كملدوغ الحية، يتقلبون فوق جمر نظام الإخوان المسلمين الذي سطا علي الحكم في 1989 وادعي أنه سوف ينجز الآتي، حسب ما أعلن في بيانه الأول:
• إنقاذ البلاد من ديمقراطية مشوهة، ومن أهم مظاهر ذلك التشوه "رئيس الوزراء الصادق المهدي الذي ثرثر حتي فقد ظله"، والبلاد تتردي نحو هوة اقتصادية وسياسية لا قرار لها.
• إنقاذ البلاد من حرب في الجنوب أتت علي الأخضر واليابس، بلا أمل في التوصل إلي أي سلام من أي نوع.....إلخ.
ولقد أزجي ذلك البيان العديد من الوعود التي لم يلتزم نظام الإخوان بأي منها، إنما سعي فوراً لتمتين قبضته علي مفاصل السلطة، فيما أسموه ب"عملية التمكين"، التي شملت فيما شملت:
• هدم جهاز الدولة من رأسه إ لي أخمص قدميه، خاصة شقه الأمني، وتعبئته بمنسوبي حزب "الجبهة القومية الإسلامية" - وهو الإسم الذي أطلقه الإخوان المسلمون علي حزبهم آنئذ، ثم استبدلوه بعد بضع سنوات ب"المؤتمر الوطني".
• قتل وحبس وتعذيب قادة وكوادر كل الأحزاب الأخرى بالسودان، فاكتظت بهم سجون البلاد وظلت تأويهم لعدة سنين، وخلت الساحة للإخوان المسلمين ليبيضوا ويفرخوا مثني وثلاث ورباع.
• خوض حرب جهادية في جنوب السودان استمرت لعشر سنوات كاملة، بدعم من حليفين استراتيجيين: النظام الإيراني ونظام صدام حسين العراقي.
• تعلم الحلاقة في رؤوس الأيتام فيما يختص بالحلول الإقتصادية، بقيادة وزير مالية نرجسي ومتآمر ومشبوه يدعي عبد الرحيم حمدي: مشبوه لأنه قادم من رئاسة ذات المصارف العربية الإسلامية التى كانت ممسكة بأعنة الاقتصاد السوداني خلال السنوات الأخيرة من نظام جعفر نميري (1969-1985)، وتسببت، بفضل ممارساتها الهدامة والمشكوك في أمرها، من تخزين لقوت الشعب وتحكم في الأسواق ومضاربات ومرابحات ربوية مستترة، في المجاعة (الفجوة الغذائية) التي ضربت البلاد عامي 1984/83، وكانت من أسباب انتفاضة أبريل 1985 التى أطاحت بذلك النظام وبحلفائه الإخوان المسلمين.

ومنذ مجيء الإخوان للسلطة، سارت البلاد من سيء إلي أسوأ علي كل الجبهات، وتفاقم التردي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، حتي أصبح السودان علي شفا هوة سحيقة مظلمة، ستجعله يختفي من الوجود بالمرة:
• فقد تناهت حرب الجنوب الجهادية إلي سلام ناقص ومهزوز تم بموجبه فصل الجنوب عام 2011، دون ترسيم للحدود أو اتفاق أمني أوتجاري أولوجستي، وبلا حل لمشاكل التماس (المناطق الحدودية الحساسة مثل أبيي) ومناطق ما يسمي ب"المشورة الشعبية": منطقة جبال النوبة بجنوب النيل الأبيض، وجبال الإنقسنا بجنوب النيل الأزرق. كما أوجد ذلك الإتفاق المتهافت دولة بجنوب السودان ليست لها مقومات يعتد بها، وغارقة حتي أذنيها في الصراعات القبلية التي شجعها نظام الإخوان المسلمين من الخرطوم، (فقد ظل ديدنه "فرق تسد")، والتي تصاعدت حتي أصبحت حرباً أهلية لا تبقي ولا تذر بين أكبر قبيلتين بالإقليم: الدينكا قبيلة الرئيس سلفا كير، والنوير قبيلة نائبه رياك مشار، ولكل منهما حليفاتها من باقي المجموعات الإثنية، بلا أي ضوء يلوح في آخر النفق.
• وما كاد نظام الإخوان يتخلص من الجنوب ، حتي أشعل حرباً "جهادية" أخري ضد مسلمين مائة بالمائة، وهم القبائل الإفريقية الدارفورية: الفور والزغاوة والمساليت والبرتا والداجو والميدوب...إلخ، حرباً استمرت منذ 2003 حتى الآن.
• توسع نطاق الحرب الإقليمية ضد المناطق السودانية المأهولة بقبائل إفريقية لم تختلط بالعرب بدرجة كافية، علي الرغم من تبنيها للدين الإسلامي، فشملت تلك الحروب جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.
• يعتبر السودان من أكبر الدول الفاشلة، وهو علي رأس الدول المعروفة بالفساد المالي والإداري في العالم بأسره.
• يشهد العالم كله بغياب الحريات في السودان، وباضطهاد النظام الإخواني للأقليات غير المسلمة، وللمراة، وآخر دليل علي ذلك هو مريم المسيحية الإثيوبية السودانية التى سجنت لأكثر من عام وهي حبلي من زوج جنوبي يحمل الجنسية الأمريكية، والتي أنقذتها الحكومة الإيطالية من براثن نظام الإخوان وحملتها علي أجنحة الرحمة والسلام والطمأنينة إلي روما والفاتيكان، وهي الآن في طريقها إلي الولايات المتحدة، حيث ستلتقي لا محالة بالرئيس أوباما وبأوبرا وينفري...إلخ، وحيث الحرية والكرامة والشهرة والثراء والسؤدد والسعادة، بعيداً عن الملاحقة والعنت وضيق العين والتذاؤب علي المستضعفين (الغنم القاصية).
• تحولت البلاد إلي دولة إقطاعية ممعنة في التمايز الطبقي بين الذين يمتلكون الثروة والسلطة، وهم 10% من سكان السودان الشمالي - رهط الإخوان المسلمين وحلفاؤهم وبقايا زعامات الأحزاب التقليدية المرتشية والمطأطئة؛ ومجمل الشعب الذي يعاني الفقر التام والمسغبة والحاجة وانعدام الفرص التعليمية والعلاجية والتوظيفية، مما دفعه للهجرة نحو المنافي القريبة والبعيدة، أو البقاء مرغماً ليكابد ظروفاً معيشيةً هي الأسوأ في العالم .

وفي هذه الثناء، ما فتئ ما تبقي من القوى الحية بالمجتمع السوداني ترفض وتقاوم نظام الإخوان المسلمين، رغم البطش والمشانق والقتل الجماعي والسجون والتعذيب والسنسرة والقبضة الأمنية الحديدية.
• ولقد تصدر التجمع الوطني الديمقراطي النضال ضد نظام الإخوان منذ أول أيامه حتي عام 2005، أي حتي توقيع اتفاقية نيفاشا بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الجنوبية بقيادة جون قرنق، واتفاقية القاهرة في نفس العام بين المؤتمر الوطني وباقي فصائل التجمع.
• وما أن ألقي التجمع اسلحته وجنح للسلم، حتي اكتشف أن نظام الإخوان لا يلتزم بالعهود، وما تم توقيعه من اتفاقيات إنما هو حبر علي ورق، باستثناء نيفاشا لأنها تحت إشراف الولايات المتحدة، ومحروسة عملياً بقوات الأمم المتحدة التي وصلت بعد إبرام الاتفاقية مباشرة، واحتلت مواقعها بالجنوب.
• وعند ذاك، تمردت بعض القوي الموقعة علي اتفاقية القاهرة، وغادرت المجلس التشريعي الذي دخلته بالتعيين، وبدأت فصلاً جديداً من المعارضة، وعلي رأس هؤلاء مولانا فاروق أبوعيسي، الذي سرعان ما تم انتخابه رئيساً لسكرتارية قوى الإجماع الوطني، وهي الأحزاب والهيئات المتمردة علي الاتفاقية والمعارضة لنظام الإخوان المسلمين.
• ولقد جمعت القوى الحاملة للسلاح في دارفور وجنوب النيل الأزرق وكردفان، جمعت نفسها فيما عرف بالحركة الثورية، من أجل التنسيق الميداني والعمل المشترك الداعم لحركة الشارع السوداني وهي تستنهض همتها ضد نظام الإخوان، ودخلت في جبهة موحدة مع قوي الاجماع الوطني عبر وثيقة (الفجر الجديد).
• أضف إلي ذلك القوى الشبابية الحديثة، مثل حركة قرفنا وغيرها من المجموعات والمنظمات الحضرية التي فجرت انتفاضة سبتمبر من العام المنصرم. ورغم أن تلك الانتفاضة لم يحالفها الحظ، مثلما حدث لرصيفاتها المصرية والتونسية واليمنية، فإنها قد أرست دعامة هامة علي طريق النضال السلمي الجماهيري الهادف لاقتلاع نظام الإخوان من جذوره، وأصبحت تلك الانتفاضة نموذجاً ستنطلق منه الانتفاضة القادمة، مستفيدة من أخطائها ومصححة لها.

وهكذا، فإن الثورة السودانية لا تنطلق من فراغ، إنما هنالك أرضية ثابتة من تراكمات حركة الجماهير، تتداخل وتتلاقح وتتطور إلي الأمام. وعندما تحين ساعة الانتفاضة الشعبية القادمة من شوارع العاصمة المثلثة وودمدني وعطبرة وبورتسودان وغيرها من حواضر السودان، فإنها ستكون أقوى شكيمة وأصلب عوداً وأشد مراساً عن ذى قبل. وهذا هو الطريق الوحيد الذي سيقود لإسقاط النظام واستبداله بالترتيبات الانتقالية التي اتفقت عليها قوي الاجماع الوطني والحركة الثورية، بطريقة حضارية تضمن ترسيخ القيم الديمقراطية وتدعيم دولة المؤسسات. وسوف لن يحتاج الشارع لاستخدام العنف بواسطة فصائل الحركة الثورية إلا دفاعاً عن النفس، وإلا إذا أصر النظام علي إطلاق يد (قوات الانقاذ السريع) وغيرها من مليشيات الإخوان في وجه الجماهير السلمية التى لا تحمل غير فروع النيم.
ولكن، هناك من يتحدث عن "الانزال السلمي السلس" للنظام عن طريق "الحوار الوطني" أو غيره من الآليات التي تفتقت عبقرية النظام عنها ليلتف حول الثورة السودانية، وليضمن إعادة انتاج نفسه بحركة بهلوانية، واستمراره في السلطة بقناع جديد، كأنه تنين أسيوي ذو سبعة رؤوس. ولقد انكشفت هذه الألعوبة، وكان أول تجلياتها حركة (الإصلاح الآن) بزعامة غازي صلاح الدين. فلقد تساءل الناس، كل الناس، كيف يجلس أحدهم علي سنام السلطة لأكثر من عشرين سنة، وعندما يلفظه إخوانه من ذلك الموقع بسب خلافات حول توزيع الغنائم، يدعي ذلك الملفوظ أنه يسعي للإصلاح الجذري وللانفتاح علي قوي الشارع السوداني الأخري؟ ما هذا الغرور وهذه الثقة في النفس الزائدة عن اللزوم؟ أيظن غازي أنه يستطيع أن يبيع الماء في حارة السقايين؟
وعموماً، أثبتت تصريحات نافع علي نافع الأخيرة أن تنظيم الإخوان المسلمين لا يقبل أي شريك في السلطة، وأن ما يطرحه من مبادرات، مثل الحوار الوطني، ليست أموراً جادة، إنما مجرد أحابيل لكسب الوقت ودغدغة مشاعر الجماهير المتطلعة إلي الحرية، إلي أن يجعل الله أمراً كان مفعولا، وذلك الأمر بالتحديد هو انتخابات العام القادم 2015 الرئاسية والتشريعية. والانتخابات لعبة أجادها الإخوان المسلمون في الجزائر ومصر وتونس وغزة والسودان، وانتخاباتهم معروفة بالتزوير المباشر والمحسوب بطريقة علمية دقيقة، وهم في كل هذه الدول المذكورة، بالإضافة للتزوير الفاضح، يعتمدون علي دوائر الجهل بالأرياف القصية حيث يرفعون الشعارات الأسلامية، كالمصاحف التى أشهرها الخوارج علي أسنة الرماح، ليستقطبوا الجماهير ضئيلة التعليم ويكسبوا معركة الانتخابات. وما أن يتسنموا السلطة بعد ذلك حتي يشرعوا في التمكين بنفس الطريقة التى اتبعوها في السودان. وأول الغيث، كما حدث في مصر، هو تكوين لجنة لصياغة الدستور الثيوقراطي الذى يضمن لدولة الإخوان المسلمين الاستمرار إلي يوم الدين.
بيد أن مخططات الإخوان المسلمين بمنطقة الشرق الأوسط، خاصة في مصر ودول الخليج، باءت بخسران مبين، ولقد دالت دولتهم تماماً في مصر، ولن تقوم لهم قائمة في المستقبل المنظور. أما في السودان، فهم ما زالوا علي سنام السلطة، ولكنهم مثل شخص امتطي صهوة وحش جامح ولا يدري كيف يترجل منه. إنهم الآن يبحثون عن مخرج من هذه الورطة الكبري التي حشروا أنفسهم فيها. ولكن بعض أجنحة متطرفة بينهم، مثل جماعة نافع ع نافع، لا زالت تحلم بالأمجاد الغابرة، عندما كانوا يستأثرون بالسلطة والثروة ويحرمون منها باقي الشعب. فلقد جعل الله لهم ناصحين ومعارضين حتي من بين ذريتهم نفسها. (وقد سمعت البارحة أن معظم أبناء المتنفذين الإخوانيين، ضد نظام المؤتمر الوطني، باستثناء أبناء نافع الذين يبدو أن البطر والثراء لم يترك لهم وقتاً لاستشعار ما يحس به الناس كل الناس من حولهم.) ولقد وصل النظام في السودان لمحطته الأخيرة، ولم يبق له إلا أن يترجل. هذا ما عرفته من كثير جداً من التنفذين السودانيين - حكومة ومعارضة؛ وما هي إلا بضع أسابيع حتي نرى جميع الفصائل السودانية جالسة حول مائدة مستديرة تتمتع بالجدية والحسم هذه المرة. وهذا ما أجمعت عليه القوي السياسية السودانية. ولكن العملية ستحتاج لإشعال فتيل وبعض رجة من قبل الشارع، حتي تتقوي الأجنحة السلمية في تلافيف النظام التى أدركت أن اللعبة قد تصرمت، وحتي يصبح في مقدورها التصدي للصقور بينهم، كآل نافع وإخوان البشير وهلم جراً، أولئك الذين ينطلقون فقط من مصالحهم الشخصية، تدفعهم ذكرى ضبابية في مؤخرة الدماغ عن سنين قحط وعوز غابرة، غائصة في اللاوعي. وبقدر ما تنبعث روح إيجابية وتهب رياح ملائمة في أشرعة الحمائم، بقدر ما يتصدع النظام أكثر وأكثر. وسيساعد في ذلك الرياح الموسمية الجديدة الجيدة القادمة من شمال الوادي، من مصر الحركة الوطنية التي شيعت الإخوان المسلمين إلي مثواهم الأخير.
والسلام.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 735

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1066739 [حكومة مؤلمة]
1.00/5 (1 صوت)

07-27-2014 12:55 AM
لا فض فوك يا عمو الفاضل وكل عام وانت و الاسرة الكريمة بخير.

[حكومة مؤلمة]

الفاضل عباس محمد علي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة