المقالات
منوعات
بلال طوابير - قصة قصيرة
بلال طوابير - قصة قصيرة
08-01-2014 03:30 PM

أيها الأوغاد ..الآن أتحرر من كل قيودكم التى كبلتمونى بها طوال حياتى . الآن أتخلص من رؤيتكم الضيقة و تقسيماتكم البوهيمية . فهنا ، حيث تسبح روحى فى فضاء من نور لا متناه ، لا أراكم ، بل لا أكاد أحس بوجودكم أصلا مثلما لم تحسوا بوجودي بينكم من قبل . قبل يومين فارقت روحى جسدي الذي ظل يركض من المهد إلى أن حملت على ( عنقريب ) رقيق الحال ، و سار ورائى نفر قليل . حتى جثمانى أيها الأوغاد لم يسلم من تصنيفاتكم الحمقاء .ربما لو كنت وزيرا ، مثلا ، أو كنت موظفا مرتشيا إبتلع ذهب الشعب و فضته فى كرشه ، كنتم ستسيرون ورائى قوافل من المرائين و المرائيات . لكنى كنت مجرد معلم رقيق الحال كالنعش الذى حملت عليه ، ومن يأبه بالمعلمين فى بلاد لا ترتاد المدارس أصلا ؟ . و الغريبة أنى مت جائعا ، مثلما عشت العمر طوله جائعا!! مت و أنا في طريقي إلى شئ يسد رمقي . قلت إن جسدي قد ارتاح منكم الآن ، وحق له ذلك .ألم تكن حياتى كلها سلسلة لا متناهية من الطوابير ؟ لقد كان بامكانى أن ادخل إلى موسوعة " جينس" للأرقام القياسية للوقوف فى الطوابير " . بلى ، فالناس قد نسيت اسمي الحقيقي " بلال عبده محمود " و أسموني " بلال طوابير " ، لدرجة أنكم لو جئتم إلى قريتى البائسة سائلين عن " بلال عبده محمود " لما عرف احد من تقصدون . أما إن وقفتم فى صحراء الربع الخالى ، و صحتم باسم " بلال طوابير" ، فسترفع ألف سحلية رأسها ، و تعبر بكم البحر ، و تحضركم إلى بيتنا فى لمح البصر . تسألونني عن أول طابور لي ؟ هل تصدقون انه كان قبل أن أولد ؟ لا تندهشوا يا حثالة الكون . فقد أخبرني "أبى" انه حينما فاجأ الطلق "أمي" ، ذات مساء صيفى حار ، اضطر أن يحملها على ظهر " كارو " متهالكة ، يجرها حصان عجوز كفاه داء أن يرى الموت شافيا . تلك كانت " كارو" جارنا العم " حسين" ، استلفها منه "أبى" ليقل بها "امى" إلى المدينة المجاورة ، إذ لم تكن ثمة مستشفى فى قريتنا " ساعة طلقئذ " . سار بها " أبى" مسرعا ، صابا غضب عصاه الناشفة على ظهر الحصان المسكين ، حتى وصل إلى المجرى المائى الذى يقع عند مشارف المدينة . و هناك ، فوجئ بقطيع عظيم من الأبقار يعبر القنطرة الإسمنتية الصغيرة الممتدة فوق مجرى الماء . فاضطر أن ينتظر عشرين دقيقة كاملة حتى تعبر آخر بقرة . ذاك يا غوغاء كان أول طابور فى حياتى ، عفوا قبل حياتى . هل رأيتم كرم بلادي ؟ توزع الطوابير لبنيها حتى و هم لا يزالون مغمضى العيون و الأرواح في عتمة الأرحام ! .و حين بلغت شهرين تفشت حمى مفاجئة فى الريف فقررت "والدتى " إن تحملني إلى المدينة لأتلقى بعض التطعيم . و هناك فى المستشفى الحكومى شهدت كيف يكون الطابور مرادفا للجحيم ! . فقد اضطررت أمى أن تقف ساعات طوال ،و حين بلغت الشباك حيث يعطونك رقما لمقابلة الطبيب ، اخبرها الموظف أن وقت الدوام قد انتهى و أن عليها الحضور اليوم التالى . وقتها ، رفع حصان العم " حسين " رأسه ، و نظر إلى الموظف بغيظ ، ثم رفع إحدى رجليه الخلفيتين و تبول فى باحة المستشفى ، قبل أن يطلق ريحا نتنة عاتية ، و هو يصهل فى حنق ومرارة . أما "أمي" فقد ذرفت دموعا صامتة و عادت بى إلى البيت و حزنها له رجلان يسعى بهما بين الناس. تسألوننى عن الطوابير يا من لم تشهدوا طابورا فى حيواتكم ؟ حسنا . هل سمعتم بمقولة " السجن إصلاح و تهذيب "؟ هكذا الطابور أيضا ، إصلاح و تهذيب . و الطابور يا غوغاء له آداب يجب التحلي بها . و ذاك بحر واسع . و قد اكتشف العبد لله علم " الطابوريزم " . بلى ، فليس كل من هب و دب يمكن أن " يتطوبر " مثلما فعلت أنا طوال أربعين عاما و لا فخر . و من خلال خبرتى استطيع أن أخبركم أنه توجد استعدادات قبل ،و أخرى أثناء ، و ثالثة بعد الطابور . تريدون أمثلة ؟ حسنا . قبل الطابور ، مثلا ، عليك أن تقرأ سورة " الشرح " ، و تكرر قوله تعالى "ووضعنا عنك وزرك ، الذى انقض ظهرك ". ذلك لان ظهرك سيتيببببببس حتما من الوقوف ، و من سواه تعالى نستجير به حين نقف ساعات طوال تحت أشعة الشمس الغبية ؟ . عليك أيضا أن ترتدى أقذر الملابس حتى و لو كنت ذاهبا إلى معاينة عمل . فانحشارك بين الناس فى الطابور ، و العرق ، و الغازات ، و الأتربة ، كل هذا سيفسد ثيابك و لو كنت فى أناقة " ليوناردو ديكابريو " . أما مزاجك فستتكفل شواظ الشمس و سباب الخليقة (بعننكته) حتما . و عليك أيضا أن تبتاع مسبحة . و يستحسن أن تكون مسبحة طويلة ، كالمسبحة الألفية مثلا ، التى ( يجردها ) السادة المتصوفة على سجادات التقى فى الليل البهيم . بلى ، ففى كل مؤسسة فى بلادى وجدت اللافتة التى تقول " أملأ لحظات الانتظار بالاستغفار " . كلام زى الدهب و الله . لكنهم لم يوفقوا فى لفظ " لحظات " . ربما كان من الأجدر أن يكتبوا " أجيال " بدلا عن " لحظات " ، فهذه ستكون اصدق . فإذا وجد أحدكم نفسه محشورا فى طابور ما ، فعليه الانتقال إلى الاستعدادات "ب " ، أي الاستعدادات " الأثناء طابورية" . و من خلال تجاربى الكثيرة فهذه أكثر صعوبة من أخواتها القبلية . هنا ، عليك أن تكون رياضيا ، لا أخلاقا فقط ، و لكن جسدا كذلك . فستجد الأمواج البشرية تروح و تجئ بك ، و أنت واقف فى مكانك ، لدرجة انك ستشك فى مصداقية قول الأخ "نيوتن " : " لكل فعل رد فعل " . و ما فعلى أنا ساعتئذ ؟ . لا شئ و الله . لكنى فى كل مرة أجد نفسي فى مؤخرة الطابور ، و أحيانا ملقى على ظهري خارج المؤسسة تماما . أما إن كان أحدكم نحيفا فلا يغامرن بالوقوف فى الطابور أصلا ، و هناك فئة مقدرة من الشعب تسمى " المتطوبرين " . هؤلاء ليسوا من الواقفين فى الطابور . حاشا لله . لكنهم قوم ينتظرون . حتى إذا لاح مواطن هزيل الجسد ، نصحوه بالجلوس ، على أن يقفوا مكانه نظير مبلغ مال ، يقل أو يزيد على حسب وزن المواطن المغلوب على أمره . و قد قرأت مرة فتوى لشيخ ما حلل فيها عمل المتطوبرين و اعتبره نوعا من إماطة الأذى عن الطريق !!. نسيت أن اذكر لكم واحدة من الاستعدادات القبلية الكبرى : تربية الأظافر . بلى ، حاولوا أن تطلقوا أظافركم ما استطعتم ، و لكم فى رجال الكهوف قدوة حسنة . أما إن استطعتم إن تربوا حوافرا و أظلافا ، يا سلاااااااام ، عز الطلب و الله . فعندما تكون يا وغد فى منتصف الصف ، يمكنك أن " تخربش " المواطن الواقف أمامك على عنقه بقسوة ، حتى تسيل الدماء من عروقه ،و تتبع ذلك بركلة عنيفة على ظهره ، مثلما يفعل المصارع " جون سينا " بخصومه . فإن سقط أرضا ، حللت مكانه ، و طبقت قانون " الإحلال " ، أما إن كان متين الجثة ، أو باردا ، فيمكنك أن تبدأ بممارسة بعض الألاعيب النفسية و الذهنية لإقناعه بالخروج من الطابور . أذكر - مرة – أننى " خربشت " رجلا ريفيا بسيطا فى طابور " عمرة " . و حين تشبث بمكانه قلت له هامسا فى إذنه " إن الدماء فى الصيف تتسبب في نقل أمراض الايدز وعمى الأنهار و أنفلونزا السمك و حمى المعيز " . فولى القروى الأدبار ، بينما التمعت عيناى فى انتصار عظيم . تسألون عن أهم الأشياء بعد الطابور يا سادة عبيد ؟ يكفى أن اذكر لكم واحد فقط منها : الصبر . اى و الله ، الصبر . و سأسرد لكم موقفا واحدا يعلمكم أن الله يحب الصابرين فعلا . تعلمون اننى خريج لغة انجليزية و تحصلت على دبلوم ترجمة أيضا ؟ لا تعلمون ؟ لا يهم . ها انتم قد علمتم الآن . اذكر اننى مرة وقفت فى طابور طويل لمعاينة مترجمين للعمل فى إحدى الوزارات . و حالفنى الحظ فى الدخول إلى غرفة المعاينة . جلست على الكرسى و رفعت رأسي فوجدت الأخ المسئول طويل الذقن و كأنه من أهل الكهف . لكن الشهادة لله ، لم يكن ثمة كلب يبسط ذراعيه بالوصيد فى المكتب ، كما أن الأخ إياه كان نظيف الثياب ، منتفخ الأوداج ، تكاد تكأكئ فى خديه قطعان الدجاج التي يلتهمها كل يوم . و بعد أن دون الاسم " بلال عبده " سألني أن أقرا ما تيسر من سورة " البقرة " . الحق أنى قرأت الآيات العشر الأولى ، ثم وقف حمارى فى العقبة المفترى عليها . سألنى بعدها عن فرائض التيمم فما ذكرت شيئا . سالنى عن سنن الغسل فهمهمت بينى و بينى باننى لم أتزوج بعد لأعرف شيئا عن الغسل . ثم سألني عن كيفية أداء صلاة الجنازة ، فقلت خيرا ، لعل الأخوة الانجليز الذين تخصصت فى لغتهم قد اعتنقوا الاسلام و صاروا يحتلفون بالمولد النبوى فى "الشكينيبة " ،ولعلى أقابل الأخ "اوباما" بعد أسبوع أثناء قدومه لدفن جنازة جارنا العم " حسين " الذى توفى بفعل سوء التغذية ، فاحدث قريبى فى النسب من ماما إفريقيا " اوباما " عن كيفية صلاة الجنازة . و دون أن أدرى وجدتني اهمس " أنا بلال . ليتنى أجد سيفا لأثور فى وجه المدينة صارخا " ذاك الفقر هو أمية بن خلف . لا نجوت إن نجا " . أخرجنى الأخ الفقيه إياه من دوامة شرودي قائلا باستخفاف " أنت خريج جامعى و لا تعرف أقل المعلومات عن دينك ؟ قلت بينى و بينى إننى أحتاج فى هذه اللحظة إلى كظم الغيظ . هز صاحبنا رأسه ثم قال و على وجهه ترتسم ابتسامة بلاستيكية لو سرقتها من شفتيه ما أحس بغيابها " سوف أسألك سؤالا بسيطا جدا : من هو الإمام القرقشندى " ؟ . حينها علمت اننى لن أنال تلك الوظيفة اللعينة ، فركبتنى كل شياطين الكون . انتصبت واقفا ، و ابتسمت فى وجهه و قلت و أنا اقلب عينى فى الفضاء مدعيا التفكير العميق " الإمام القرقشندى ؟ الإمام القرقشندى ؟ ، أها ، هذا سؤال سهل يا رجل . هو إمام وإسمه القرقشندى " . نظر (الأخ الفقيه ) إلى بغيظ و قال " هل تستهتر بأئمة المسلمين يا زنديق ؟ " قلت له وأنا الملم أوارقى " الزندقة الحقة هى أن تحضرني– أنا الجائع العاري الحافي ، الذي تنتظره أسرة أنفقت عليه أبقارها و حميرها و معيزها و أحلامها إلى ، تحضرنى إلى مقابلة صورية ، و أنت تعلم أن مقعدى محتل الآن بواسطة واحد من الأعيان ذوى الدماء الزرقاء و الأوداج المنتفخة " . نظر الفقيه إلى وجهى مذهولا ، ثم صاح بصوت كالرعد " اطلع برة يا عدو الله " . حملت أوراقى ، وحين بلغت الباب ، خطر لى أن أغيظه أكثر ، فعدت إليه مرة أخرى و قلت " سؤال يا مولانا . هل للقرقشندى هذا صلة بأهالي " شندى " ؟ وقتها (فكنى ) بحزمة أوراق عظيمة ، فركضت خارجا و أنا أقهقه ساخرا " لا نجوت إن نجا " .
قلت لكم إني استرحت من طوابيركم التى لا تنتهى يا سادة . فهنا ، لا طوابير فى كون النور الذى أنا فيه . أحدق الآن من وراء سحب النهار هذه ، فألمح أمى فى بيتنا المتهالك فى قريتنا الأكثر تهالكا . أراها تصارع العجين لتصنع منه " الزلابية " لتبيعها قرب بوابة المدرسة الابتدائية . لله درك يا امى . أنفقت عمرك وراء كومة اللهب التى ندعوها فى الريف " الدوكة " ، تطبخين لنا و للضيوف . آه منك يا امرأة لم تعرف الفرح يوما . كنت أود و الله أن افعل لك شيئا . لكن جحافلهم أعظم من فرسانى يا أماه . اذكر جيدا يوم تم قبولى فى الجامعة . وقتها انطلقت منك زغرودة عظيمة لم اعلم كيف انطلقت من جسدك النحيل ذاك. و ذاك اليوم وزعت " اللقيمات" مجانا على صبيان القرية . حينها بدأ حلمك يا أماه و ما كان ابسطه من حلم . وظيفة عادية يعدل بها إبنك ميزان الحال المائل منذ سنوات طويلة . ثلاث وجبات محترمة ، و علاج محترم ، فى بيت محترم ، يسكنه أناس محترمون ، يرتدون ملابس محترمة !!!..آه يا امى ، لم اعلم وقتها انك تطلبين الكثير جدا فى بلاد لا تحترم بنيها أصلا . أيها السادة الغوغاء . حين دلفت إلى الجامعة بدأت رحلتى مع الطابور الأكبر فى عمرى . اصبروا و سأحدثكم عنه . كنت – كما لا تعلمون – طالبا نجيبا . كان لى عقل كالاسفنجة يمتص المعلومات بسرعة مدهشة . يقف الدكتور و يرتل القصيدة الانجليزية مرة واحدة فإذا بها تعلق بتلافيف ذهنى . يتحدث عن الكاتب الفلانى فاركض إلى المكتبة ناهشا أحشاء الكتب عنه، وحين يعود الدكتور المرة القادمة يجدنى واقفا أمامه ، خصما أكاديميا عنيدا ، و بقية الطلاب و الطالبات يرمقوننى بدهشة وحسد . كنت أستعذب إحساس التفوق على اقرانى من ذوى الدماء الزرقاء ، بناء القطط السمان فى المدينة . كنت اهمس فى وجوههم " كلوا طعامى ، و اشربوا شرابى ، و تلفعوا بثيابى يا عراة ، لكنكم لن تسلبوا منى عقلى . هنا ، فى قاعة الدرس ، سأصلب مقاصلكم ، و سأحاكمكم " . هكذا كنت حتى بدأ طابورى الطويل مع " زينب عثمان " . بنت ارستقراطية حين رايتها أول مرة همست " ليس من العدل أن يتم سجن كل هذه الأنوثة فى جسد واحد " . دلفت زينب يومها إلى القاعة كما تدلف الشمس من شبابيك منزل ريفى بسيط . و تهادت كما تتهادى الكلمات على حنجرة محمد وردى فى "حزنه القديم" . ثم جلست ، لا على مقعد قربى ، و لكن على نفسى العذراء الفرحة . وحين هدهدت خصلتها تلك بأصابعها المرمرية و نظرت إلى وجهى مبتسمة و هى تسألنى عما فاتها من محاضرة ، حدث لى التحول الأكبر يا سادة عبيد : تنازل عقلى عن صراعه ، و زحف من مكانه فى أعلى الجمجمة إلى منتصف الصدر ليصير قلبا ثانيا . إرتعشت شرايينى كما نبتة تلمح غيمة تتهادى على أرصفة الأثير . سكن النور عيونى التى أصر خبثاء المدينة على تصدير الظلام إليها ، بينما دقت خواطرى كنوبات الدراويش فى قريتى . حتى أصابع قدمى فى منفاها القصى وراء الجوارب المتسخة ، و هى تسد أنوفها من عفونة المكان ، رقصت و"عرضت" فى باحة الحذاء الملىء بالثقوب . أما قلبى المسكين ، فقد شق القميص المشقوق أصلا ، و ركض عبر القرون ، مستحيلا إلى حصان فتى ، مسافرا إلى ديار "بنى عذرة" فى قلب الصحراء ، حيث نصبت له القبيلة خيمة باعتباره أميرا للعشاق فى الزمان . و أحببتها فى ثوان . صدقوا أو لا تصدقوا : إن مدينة " السجم و الرماد " لم تصادر شعورى بعد . و انتبهت " زينب " أولا إلى قدراتي الأكاديمية المذهلة ، ثم بدأت تنتبه إلى عيونى التى تستحيل إلى مجامر كلما لفتنى عاصفة عطرها المثيرة ونحن نجلس متجاورين على مقعد حالم . ومثلما أحببتها ، أحبتنى زينب . رأت فى عالمى نبضا أخرجها قليلا من برودة عالمها . فحدثتني عن أبيها الذي ظل يقطن تلك البلاد النفطية منذ سنوات طويلة ، عن أمها التي لا تجد ما تسد به رمق الثوانى الخاملة فى الغربة غير طلى الأظافر ومشاهدة التلفاز . حدثتنى عن إخوتها الذين لا يعرفون قبة "المهدى" ، و لم يستمعوا إلى تراتيل "خليل فرح"، و لم يسكرهم "محمد وردى" ، و لم يشجعوا المريخ ، ولم تستاف عيونهم بسحب التراب فى "سوق الناقة" . و حين زارنا والدها و علم بخبيئة فؤادى ، عرفت وقتها معنى الطابور الحقيقى . بعد أيام دعانى إلى بيته فى المنشية ، و تمدد أمامى بكرشه الضخم على الكرسى الوثير ، لا كما يتمدد بيدر قمح على ريف مبارك ، ولكن كما يتمدد حقل جليد بارد . حدثنى عن أنى شاب مجتهد و مكافح ، لكن يجب على أن اعرف حدودى . قلت له إنى لم افهم ما يقصده فنظر إلى وجهى طويلا ثم قال " زينب تقدم لها شباب كثر ، دعنىأسرد لك بعض النماذج حتى ( ثم صارا على أسنانه بحزم ) تعرف حدودك . هناك إبن مدير بنك فى دبى ، و إبن مستشار فى السفارة فى القاهرة ، و إبن تاجر فى جدة ، و إبن وزير فى الخرطوم و ..." . قاطعته بوقوفى ، و قلت له و قلبى ينز جرحا عظيما " طابور آخر ؟ " . و خرجت و هو يرمقنى بعنجهية عظيمة . قابلتنى زينب قرب بوابة الفيلا الضخمة و سألتنى عما حدث فقلت لها بسخرية " دبى و القاهرة و جدة و الخرطوم ؟ تحيا الوحدة العربية يا ستى " . و لم أرها بعد ذلك . علمت أنها تزوجت ابن محامى سودانى عظيم متزوج من سيدة فى طنجة .
تم توظيفى بعد خروج الروح فى مدرسة نائية فى أقاصى دارفور . قضيت بها ردحا من الزمن ، سبعة أعواما عجافا . و ذات يوم احضر لى زميل جريدة بها إعلان عن مدرسة هندية فى العاصمة تريد توظيف معلمى لغة انجليزية أكفاء . ذهبت الى المعاينة و تم اختيارى . سعدت و قلت إن الحظ قد ابتسم لى أخيرا . و هتفت مناديا باسم "المهاتما غاندى " الذى أنصفني فى بلادى التى لم تشعر بوجودى يوما. لكن الفرح لم يدم طويلا . فعلى زاوية قريبة كان يختبئ الطابور الأخير بانتظاري . قبل يومين استيقظت جائعا . لم أجد شيئا يؤكل في الثلاجة البئيسة . فارتديت ملابسى و نزلت السلالم بخطى متثائبة من الرهق . كان الوقت ليلا و الجو باردا جدا ، و الشوارع شبه خاليه من المارة . نظرت يمنة و يسارا ، ثم استنشقت هواء باردا و أنا أحدق فى بيوت المدينة المتناثرة كشواهد القبور . مرت أمامى قطة سوداء عوراء. رمقتنى للحظة و خيل لى أنها تبتسم . ارتعدت فرقا . ثم قررت أن اعبر الطريق إلى الجهة المقابلة حيث تربض تلك الكافتيريا الصغيرة . تقدمت خطوات قليلة ، و أسنان الاسمنت تصطك من وقع حذائى الناشف ، و حين انتصفت الطريق سمعت صوت بوق سيارة ينطلق محذرا ، إستدرت بسرعة فإذا بأضواء باهرة أعشت عيونى . دوى صوت ارتطام عظيم بعد ذلك ، فسقطت على الأرض بعنف ووحشية . اصطدمت جمجمتى بالإسفلت فتناثرت من رأسي مادة بيضاء ، بينما غطت الدماء سائر الجسد المنهك أربعين عاما . تجمع حولى نفر قليل من زوار آخر الليل . ارتفعت الحوقلة هنا و هناك . ثم حملونى فى صندوق صغير ، و سار ورائى نفر يعدون على أصابع اليد ، ووارونى أعماق الثرى فى تلك القرية البعيدة .أيها الغوغاء .، الحمد لله الذى حررنى من طوابيركم !

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1016

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1069855 [ناقشنك]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2014 01:19 PM
استاذ مهدي يالك من عبقري ، لك التحيه على هذه التحفه الرائعه

[ناقشنك]

#1069466 [أرسطو]
0.00/5 (0 صوت)

08-01-2014 08:21 PM
أستاذ مهدى يوسف - أنت أنسان رائع بحق و قصتك أكثر روعة - لكن وصفك لذلك الكوز ب( منتفخ الأوداج ، تكاد تكأكئ فى خديه قطعان الدجاج التي يلتهمها كل يوم ) فقعت بها مرارتى من الضحك - لك التحية يا رائع.

[أرسطو]

مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة