المقالات
السياسة
الإنقاذ.. ظاهرة لغوية
الإنقاذ.. ظاهرة لغوية
08-04-2014 03:38 AM



بسم الله الرحمن الرحيم
الإنقاذ..ظاهرة لغوية..!!
في بداية العهد المايوي .. انضم مثقفون يشار إليهم بالبنان لسلطة الانقلاب وأصبحوا منظرين للنظام في سبيل تكوين نظامه السياسي وحزبه الأوحد.. وراجت اسماء ومصطلحات من قبيل المنظمات الجماهيرية والفئوية والوحدات الأساسية وطلائع وكتائب مايو..وكانت مكان تندر العامة على المرحوم جعفر بخيت..أشهرها كاريكاتير المبدع المرحوم عز الدين عثمان عندما استلف من الموروث الشعبي اسم القرد بخيت راسماً إياه وهو يخلط محتويات (الفرَّاشات ) التي كتبت عليها تلك المصطلحات بتعليق ( لخبطتها فوق تحت يا بخيت) وبالطبع سجن الكاريكاتيرست وأوقف من الرسم كما شاع حينها.. ولم تزد المصطلحات حينها كثيراً عن تلك إلا بعد دخول الإخوان في حكومة مايو.
ولم تشهد الأحزاب السودانية بمختلف توجهاتها بعد الاستقلال تغييرات في أسمائها جراء تقلبات الأوضاع .
فحزب الأمة ظل كما هو في جسمه الأساسي واحتفظت الكيانات المنشقة عنه بنفس الاسم.
والحزب الاتحادي الديمقراطي بعد توحيده انطبق عليه ما انطبق على حزب الأمة.. وكذا الحال بالنسبة للحزب الشيوعي الذي أحتفظ باسمه رغم المطالبات الكثيرة بتغييره
عقب انهيار المعسكر الاشتراكي.. وكذلك أحزاب البعث والناصري والقومي ..مع اختلافات في الاسم لأحزاب منشقة مثل حق مثلاً.. وحتى الحركة الشعبية ابت إلا ان تحتفظ باسمها رغم الانفصال .
الاستثناء الوحيد كان في الإخوان المسلمين ..حيث كان تياره الأساسي يقوم بتغيير اسمه في كل منعطف .. فمن جبهة الميثاق الإسلامي إلى كيان بلا اسم محدد ذائب في الاتحاد الاشتراكي فالجبهة الإسلامية بعد مايو إلي المؤتمر الوطني والشعبي .. وما زال الحبل على الجرار. وتُسوَّق هذه التغييرات المختلفة بوصفها استجابة لمتغيرات آنية في كل مرحلة.. بيد ان هذا يظل في تقديري بعيداً عن الواقع.ذلك أن هذه التغييرات لا تقف فقط عند اسم الحزب والكيان .. بل تتعداها إلى النحت المستمر للمسميات والمصطلحات بصورة لافته.وتتناسل من التسمية تسميات أخرى..ولم تترك هذه المسميات مجالاً وإلا قد طرقته. وكان الله في عون الأستاذ الكبير بكري الصايغ إن حاول يوماً رصدها وتصنيفها.
ولنضرب أمثلة بسيطة ..ففي النسب إلى كلمة الشعب .. صُدّعنا باللجنة الشعبية والدفاع الشعبي والأمن الشعبي والشرطة الشعبية والمؤتمر الشعبي.. حتى تأثرت الرياضة وأصبحنا نسمع بشعبي الهلال والمريخ في ظاهرة غريبة على الرياضة.
وبعد تحويل حرب الجنوب الأهلية إلى حرب دينية .. أضيفت كلمة الجهاد بقوة في قاموس الصراع فبدأنا نسمع بالمجاهد واستخلاف المجاهد وزاد المجاهد حتي وصل الأمر إلى زاد المجاهد الروحي !!! وعلمت بعد تسلم خطاب بتجهيزه من طلاب المدرسة التي كنت أديرها يومذاك بأن المقصود به سبح ومصاحف صغيرة ومصالي .
وهكذا يمكن للسودانيين أن يأتوا بحصيلة وافرة عند محاولة حصر هذا الإسهال اللغوي.
والسؤال المنطقي الذي يجب الوقوف عنده هو : ما سر هذه الظاهرة ؟
لا أستطيع أن أدعي تقديم إجابة محددة ..ولكن اسمحوا لى أن أجتهد رأيي
وأرى أن في الأمر جانب مشترك مع تيارات الإخوان المسلمين المختلفة في العالم العربي والاسلامي .. وجانب يخص إسلامويي السودان .
أما ما هو مشترك فهو العجز الكامل عن تقديم بدائل مواكبة للعصر ما يجعلها ولعة باستدعاء هذه المصطلحات من التراث الديني الإسلامي وإسقاطها على الواقع المعاصر.. ولعل السودانيين قد لاحظوا عند تولي الإخوان المسلمين حكم مصر في تجربتهم القصيرة ..التطابق المذهل في الخطاب السياسي .. وكانوا أول من أدرك كساد البضاعة المعروضة كونهم قد شاهدوا هذا العرض مسبقاً ووقفوا على زيفه .
أما ما يخص إسلاموييي السودان .. فينقسم إلي قسمين هما :
1/ الانجرار وراء ثقافة التمكين ومكافأة العضوية .. مما جعل الحاجة مستمرة إلي إنشاء هيئات لا تختلف عن بعضها كثيرا.. والتفريق بينها بالمسميات فقط .. فيصبح في كل مسمي مسترزقين منه.. وتتناسل بزيادة الوافدين الجدد.. واللافت انه لم يتم إلغاء أي من هذه المسميات والكيانات مهما زالت مبررات وجودها المعلنة عند إنشائها ..ولا يخفى على السودانيين مدى مساهمتها في فساد النظام ومنسوبيه. وكثيراً ما تعبر عن محاولة الهروب من فشل كيان إلى آخر .
2/ أما النقطة الأخري فتتمثل في حالة الإنكار المَرَضي لبعض مستعربي السودان وقبائلة ذات النسب الأبوي إلى العرب .. بشقهم الذي لا علاقة له بالعرب .. في ظل السيادة الثقافية الرسمية في الإعلام والتعليم .. وتعتبر الحركات الإسلامية التعبير الأعلى لهذه الفئة .. ما يجعلها في حالة لهاث مستمر وراء اللغة العربية واشتقاقاتها.. بدءً من التوجه الحضاري حتى الوثبة والإندغام .. لذلك ليس غريباً أن يكون أقرب الناس لهذه الثقافة السيد الصادق المهدي المشهور بمثل ذلك الرفد المتواصل من التعابير .. لذلك أرى أن الإنقاذ في أحد جوانبه..ظاهرة لغوية.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 866

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1072294 [River Nile]
4.13/5 (19 صوت)

08-05-2014 10:10 PM
هذه الظواهر اللغوية
مثل الوثبة و الإندغام وما شاكل ذلك
كلها تعبير عن الخواء الفكرى
و يجرى استخدامها للتمويه على الخواء الفكرى
آذى بدأ منذ عهد السندكالى الأكبر
و استمر حتى عهد الحمار الذى يحمل أسفاراً
والكلب الذى إن تحمل عليه يلهث
وإن تتركه يلهث
و لازال.

[River Nile]

معمر حسن محمد نور
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة