المقالات
السياسة
التجربة - قصة قصيرة
التجربة - قصة قصيرة
08-04-2014 10:40 AM

عشرات الأيدي تتناوب ضربه . البيوت الفارهة تردد صدى اللكمات التى أخذت تنهال على جسده الهزيل و الدماء تسيل من شفتيه كنيل كريم . اللحظة حبلى بأصوات عديدة : أصوات نسوة من بعيد يبكين بنعومة على الفقيد الذي نصب له السرادق أمام الفيلا الفخمة ، أصوات اللكمات و اللعنات التى أوشكت أن توديه حتفه ، أصوات بعض العقلاء الذين يحاولون جاهدين أن ينقذوه من براثن مهاجميه و أصوات ثيابه و هي تتمزق بفعل الأيدي الضارية كنمور تبقر بطن غازل وحيد .
فى تلك القرية الصغير نشأ " محمود ". والده كان رجلا بسيطا . و أمه كانت امرأة أمية ، لكنها كانت فطرية الوعي . ربياه فأحسنا تربيته رغم أنف الفقر . نشأ في بيتهم الطيني البسيط ذى الغرفتين و الحوش الواسع بشجرة "نيمه" العملاقة فى وسطه . كانت له أخت واحدة ، و لذا فقد كان هو تجسيدا لحلم أبيه في أن يتصالح الزمان مع تلك الأسرة الرقيقة الحال . " بكرة بتكبر و بتبقى دكتور و تفش أبوك من الفقر ود الكلب ". هكذا كان يترنم الأب و هو يحمل "محمودا" على كتفيه صغيرا يافعا. أبوه كان " ذباحا" . يصلى الفجر حاضرا ، و يأتي إلى البيت ليشرب الشاي مع زوجته و ابنه و بنته ، ثم يحمل على كتفه ( شوالا ) في داخله ثروته : سكينه و فأسه و قطعة الخشب التى ضاع لونها بفعل ضربات الفأس و لون الدماء المتواتر . يقف أبوه خارج " ردمية" القرية فى انتظار أن يتشبث بإحدى السيارات الصغيرة لتقله إلى سوق البهائم فى المدينة المجاورة فى انتظار ثرى قد يشترى خروفا أو خروفين . ذاك هو عمله ، ورثه أبا عن جد . لكنه لم يرد أن يورثه لابنه "محمود" . " لا أريدك أن تمتهن مهنة هى رهن بموائد الأثرياء ". هكذا قال له أبوه في أول يوم ادخله فيه المدرسة . ذات يوم قال له مديره ذو الكرش العظيمة " أتريد من " جميلة " أن تتزوجك أنت و تتركنى أنا يا ابن " الذباح" ؟ . حينها لم يرف له جفن و لم ينكسر بل قال للمدير جملة حاسمه قاتلة ،. ثم خرج و صوت المدير يتوعده من ورائه.
عرف " محمود " منذ صغره بالذكاء الحاد فى الدارسة ، و بالمهارة العالية فى لعب كرة القدم . . يذكر أنه كان كثيرا ما يبكى إن هزم فريقه فى مباراة ما . وقتها كان أصدقاؤه يلتفون حوله ، يحاولون أن يقنعوه بأنها مجرد مباراة ، لكنه كان يتعامل مع المباريات بجدية و كأن مصيره فى الكوكب الأرضي متوقف على نتيجتها . كان يحضر من المدرسة فى منتصف النهار ، و يقفز إلى ظهر حمار أبيه و يقتاده إلى حفير القرية الضخمة حيث تشرب البهائم مع السابلة في أخوة غريبة . هذا غير صبية الحلة الذين كانوا يقفون أعلى رؤوس الأشجار العالية المحيطة بالحفير كالحراس ثم يقفزون إلى مياهها من عل دون أن يزجرهم زاجر . " كلنا مخلوقات الله " هكذا قال له أبوه يوما في طفولته حينما انتقد له "محمود"
شرب الناس مع البهائم سويا . أما الآن و الأيدي البرجوازية تنهال عليه فى حقد فهو يدرك السر : " إن بلاده لا تفرق بين أمثاله و البهائم " .
قفز " محمود" سلالم الدراسة قفزا . و رغم أنه قبل فى كلية الطب ، إلا انه أضطر أن يلتحق بكلية الاقتصاد لعجز أبيه عن توفير مصاريف الدراسة له فضاع حلم أن يرتدى البالطو الأبيض و يمر على أسرة المرضى. تخرج فى كلية الاقتصاد بإمتياز رغم كثرة تغيبه بسبب عمله بالتدريس في مدرسة مجاورة للجامعة. قضى شهورا يبحث عن عمل بلا جدوى . و رغم إعتراضه ، فقد ذهاب أبوه متسولا إلى جارهم " فراج" الذي يتمتع بعلاقات تفتح الأبواب المغلقة فى الدواوين الرسمية. بعد أسبوعين عين محاسبا فى شركة حكومية ضخمة .
فى تلك الشركة تعرف محمود على " جميلة " . صبية تتدفق الأنوثة من حواف أصابع يديها و قدميها . تعمل سكرتيرة للمدير . أصابت عيناها قلبه الخالى فتمكنتا منه كما يتمكن المطر من مسام التربة الظامئة ، فأحبها رغم ملاحظته لاهتمام المدير الصارخ بها . بعد أيام قلائل من إلتحاقه بالشركة لاحظت " جميلة" تفانيه فى العمل و طيبته فى التعامل مع الوافدين إلى الشركة فبدأت تأنس له . سألته يوما عن سر حضوره متأخرا بعض الشئ فقال في استسلام " المواصلات ". و حين سألها ذات يوم عن سر السيارات الفارهة التي يقودها بعض الموظفين ذوى الدخل العادي قالت له أربع كلمات " هؤلاء هم أحباب المدير " . و أردفت بعبارة واحدة حاسمة " خليك فى حالك " . ثم حدثت المعجزة الكبرى : أحبته " جميلة" . و من وقتها بدأت العلاقة بينه و بين المدير تتوتر شيئا فشيئا . فنقل إلى قسم ثان لكن علاقته بجميلة ظلت في توهج متزايد . بدأت حكايتهما تلفت أنظار الزملاء فلم يهتم . ثم جاءت الطامة الكبرى : يذكر أن المدير أرسل في طلبه يوما . و قبل أن يذهب إليه آثر أن يرى "جميلة" . مازحها قليلا ثم ترجاها أن تغير تلك اللوحة التى تضعها على مكتبها و تصور غلاما صغيرا يجهش بالبكاء. دلف إلى مكتب المدير الضخم . جلس قبالته و طفق ينظر إلى الأوداج الناعمة و اليدين اللتين توشك الدماء أن تطفر منهما و تسيل على المكتب الأنيق المصنوع من أجود أنواع الخشب الايطالي . لم يضع المدير وقتا . بل حدثه بهدوء بأنه يريد الزواج من "جميلة" و أنه لن يتنازل عن هذا الحلم . و سأله في صفاقة عن سر علاقته بها . لم يقل شيئا فسأله المدير عن مطالبه . لم يرد فقد ألجمته جرأة الرجل . بل وقف كنخلة تشمخ فى وجه ريح سفيهة و قال و أسنانه تصطك " حبى ليس للبيع " . قال له المدير " أتريد من "جميلة" أن تتركني و تتزوجك يا ابن الذباح"؟ . عندها رد محمود فى حسم " إن أبى يذبح الخراف أما مثلك فيذبح هذا البلد الطيب و يذبح أمثالي من الشرفاء" .
بعد عشرة أيام تزوجت "جميلة" من المدير في مفاجأة زلزلت كيان " محمود" . لكنه عرف من بعض الخلصاء فى المؤسسة أن المدير ورطها فى جريمة مالية دون أن تدرى ، ثم ساومها على الزواج مقابل عدم سجنها فوافقت على مضض . لم يستوعب " محمود" المفاجأة فقدم استقالته رغم علمه بأن هذا يعنى أن يجوع أبواه و أخته .
إنقضت شهور و هو يحاول أن يجد له وظيفة جديدة. و لم يشأ جارهم " فراج" أن يساعده ثانية . بل إنه اتهم " محمودا" بالاستهتار و تبديد الفرص الذهبية . فآوته مجموعة من أبناء القرية "العزابة" فى بيت في أطراف العاصمة . كان حين يعود قبلهم إلى البيت يعد لهم العدس أو الفول أو اللحم إن كانت متوفرة ثم يقضى وقته يقلب الجرائد باحثا في إعلاناتها عن بصيص أمل . و ذات يوم عاد إلى البيت جائعا كعادته . لم يجد في المطبخ شيئا يؤكل . فتمدد على السرير المتسخ و طفق يقلب الجرائد فى يأس ، بينما من المذياع طفق مصطفى سيد أحمد يصدح " غدار دموعك ما بتفيد فى زول حواسه أتحجرت " . وجد عزاءا فى نصف صفحة لمدير مؤسسة ما فى وفاة احد أبنائه فى حادثة مرورية فى كندا . فجأة ، بدأ لاوعيه يتأرجح بين صورة الخبر و صوت مصطفى صادحا بمفردتى " حواسه أتحجرت ". ثم خطرت له فكرة غريبة لم يقو على مقاومة سطوتها . تشبثت روحه المشلولة بكرسيها المتحرك المدعو جسده . ثم لملم أمعائه الخاوية و ساقيه المنهكتين و نظراته الزائغة ، و اندس فى بنطلونه المتسخ و قميصه المتواضع ، قبل أن يندس وسط الجموع فى حافلة متجهة إلى الخرطوم و يده تقبض على الجريدة فى عنف . ركب حافلة أخرى أوصلته قرب ذاك الحى الأنيق حيث عنوان ذاك المدير .
البيوت هنا غريبة . ليست مجرد حجارة مندسة في رحم الأرض لكنها لوحات فنية راقية . الأشجار تتمايل في حدائقها فى حياة و الشرفات تتلألأ بالورود المختلفة الألوان . الأطفال تضج أجسادهم بالحياة و ليسوا مثل أطفال قريته الذين لا يفرق بين "عراريقهم" و تراب الأرض على الإطلاق . السيارات الفارهة تتناثر أمام البيوت و على الشوارع التي تفصل الفلل الأنيقة تتسكع نسوة حقيقيات تمتلئ أجسادهن باللحم و الراحة . " تساءل فى غيظ " هل هو نفس الوطن الذي انتمى إليه ؟ " . من بعيد سمع صوت مقرئ و لمح أنوارا أمام سرادق عزاء. " حتى موتانا لا يشبهون موتاكم يا لصوص " . و حالما اقترب من الجموع التفتت إليه الرقاب الممتلئة فى دهشة سمينة . لم يأبه بهم بل جلس على كرسى بعيد . احضر له خادم كوب ماء فدلقه بعد أن قرأ على القارورة " صنع فى الصين " . وقف و شد قامته ثم تقدم إلى حيث المقرئ يتلو آيات مباركات . و لدهشة الأخير استأذنه ثم امسك بالمايك . نظر إلى الجمع بغيظ عظيم . تنحنح لدقيقة ثم قرأ فى صوت جهورى قوله تعالى " و الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم " . تململ القوم فى كراسيهم و قد ترجرجت كروشهم العظيمة . لم يطرف لمحمود جفن بل أمسك بالمايك فى قوة و صاح بأعلى صوته " قتلتم حبى و حياتى و أحلامى فقتل الله إبنكم . تلك هى عدالة السماء . مثلكم من أفسد بلادي و استورد الماء من الصين بينما النيل يتمدد علي أرضنا كامرأة مثارة إرتمى قربها زوج عاجز . أنتم لصوص و سفلة. عليكم لعنة الله و الشعب " .
الأيدي تمزق ثيابه فى قسوة و تنهال عليه بلا رحمة . السباب يشتد وقعه " أيها الجربوع ، الجائع ، الحاقد ، عليك لعنة الموائد المترفة و السيارات الباذخة و الكلاب التي تأكل الطعام المستورد " . ضربه القوم حتى تمزق بنطلونه و قميصه و سال ما تبقى من دمه الفقير على سائر ما تبقى من جسده الهزيل . لكن بعض العقلاء أفلحوا فى اقتلاعه من بين الذئاب الضارية . بدأ يترنح فى مشيته بعيدا و البيوت حواليه تكتسي بضباب كثيف . لكنه رغم الألم المبرح أحس بابتسامة تشق طريقها إلى شفتيه المشقوقتين بفعل اللكمات . طرب للألم يتغلغل فى ثنايا جسده . و دون أن يدرى وجد نفسه يصرخ و البيوت الفارهة تردد صدى صوته الثائر " أيها الأوغاد . شكرا للكماتكم و كلماتكم السكاكين . لقد كنت فعلا فى حاجة إلى تجربة تشعرني بأنى لا زلت حيا أحس" ......
مهدى يوسف ابراهيم
جدة
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 737

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مهدى يوسف ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة