المقالات
منوعات
التَّصَوفِ ... جوانبه الروحية والعقليَّة
التَّصَوفِ ... جوانبه الروحية والعقليَّة
08-04-2014 04:15 PM

التَّصَوفِ ... جوانبه الروحية والعقليَّة


صفاء الأسرار ونقاء الآثار، وأن التجربة الروحية متلازمة على الدوام مع العقل،
بل إن اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات.


ميدل ايست أونلاين


بقلم: بليغ حمدي إسماعيل

إنَّهُم يَذهبون إلى التصوف طوعاً، هذه هي حقيقة من يبحث عن معرفة الحقيقة، أو من يتماثل لفعل الإنسانية ويريد الجمع بين المعرفة والحقيقة بغير غموض أو شبه التباس، ومن أسرار التصوف أن الذين يعمدون الوصول إلى معارجه لا يتجرعوا مرارة الإخفاق وتعثرات النفس التي تصاحب الفشل في الحياة الاجتماعية، بل هو اختيار قصدي لا يعرف للتصنيف سبيلاً، أو مثلما يعاني إنسان ما متاعب الحياة ويتحمل عثراتها فيلجأ مباشرة صوب الاحتماء بأستار الدين كتوجه ظاهري فقط، أما أولئك الذين ذهبوا للتصوف ليس كطوق نجاة فحسب من فتنة الدنيا وكدرها فإنهم لم يغادروا الدنيا بمشاعرهم نحو نصوص السلف القدماء من أجل اجترارها بل تيقنوا أن بتصوفهم هذا يؤكدون إرادة تحقق العقل وكماله. بل إن معظم أقطاب الصوفية اعتبروا عن جهد وروية أن الإرادة هي جوهر الإنسان نفسه، وبمقتضاها يستطيعون إثبات وجودهم وكنههم، بل إن بعضهم طرح فكرة أن الإرادة هي سبيل الوصول إلى الله سبحانه وتعالى لأنه مطلوبهم.


حب الحقيقية

والصوفيون وهم يعلون الجانب الروحي ساروا في اتجاهين بغير اضطراب أو خلل؛ الأول اتجاه حب الحقيقة ليس كما أشار الفلاسفة اليونانيون بل فعل التحقق من الوجود، أما الاتجاه الثاني هو المعرفة في الوقت الذي ظن كثيرون أن التصوف وأهله مهمومون بالأقاصيص والحكايا والأساطير التي تكتفي بدغدغة المشاعر وتجنح نحو المشاعر فقط وتعمل على إثارة الجانب الوجداني لدى الإنسان. لذا كان بعض مهاجمي التصوف يشددون على جنوح بعض الصوفية ويركزون على قليل من شطحاتهم التي تنتفي مع الحال والمقام، وهذا ما دفع الكثير من الصوفية إلى تدعيم فكرة الإرادة التي تكبح جموح العاطفة المتأججة والتي تعلي من قدر الذوق وصولاً إلى الحدس والكشف.

ربما الاتهامات المتلاحقة التي نالت من التصوف بحجة أنه اتجاه روحي فحسب ولا علاقة له بالعقل أو فعل الإرادة، هي التي دفعت المتأخرين من مؤرخي حركة التصوف الإسلامي نحو إبراز دور الوعي والإدراك لدى متصوفة الإسلام، وأن كنه التصوف لا يتمثل في مساجلات تنظم شعراً أو مجرد أقوال مرهونة بمواقف محددة بل هو وعي شديد الحضور وضرب من ضروب النشاط العقلي والذهني، وإن جازت التسمية في بعض الأحايين بأنه ما فوق الإدراك وما وراء المعرفة. وإذا كان مؤرخو التصوف الإسلامي قد أسرفوا في جمع المواضعات الخاصة والمرتبطة بالمفهوم وركزوا غالباً على التجربة الروحية للمتصوفة معتمدين في ذلك على التعريف الأشهر للتصوف الذي قاله الصوفي الكبير بشر بن الحارث المعروف بالحافي بأن التصوف هو صفاء الأسرار ونقاء الآثار، فإن كثيرين أيضاً أكدوا على أن التجربة الروحية تلك متلازمة على الدوام مع العقل، بل إن بعضهم أجاز اعتبار صمت المتصوفة خير دليل على إعمال العقل والتدبر في المجردات والمحسوسات.


الاشراق والعقل

وإذا كان التصوف يعد ثورة روحية في الإسلام تتضمن عدة جوانب روحية كالفناء والإشراق والوجد والتوكل على الله؛ فإنه لم يغفل إعمال العقل وتدبره عن طريق فهم تعاليم الإسلام والوعي التام به، وإدراك حث القرآن الكريم على التقوى، ولنا أن نفرق دوماً بين لغتي التصوف الإسلامي الواردة في كافة نصوص المتصوفة وهي لغة الظاهر ولغة الباطن وخير دليل على تلك اللغتين كتابي الفتوحات المكية وفصوص الحكم لابن عربي. بجانب منهج المحاسبي في التصوف الذي عني بالمنطق والتحليل، وسعة الإدراك بين الأسباب ومسبباتها في تطور الحياة الروحية، وكذلك تحليله لأسس العبادة.

يقول: "أساس العبادة الورع وأساس الورع التقوى، وأساس التقوى محاسبة النفس، وأساس المحاسبة الخوف والرجاء، والخوف والرجاء يرجعان إلى العلم بالوعد والوعيد، وفهم الوعد والوعيد يرجع إلى تذكر الجزاء، وتذكر الجزاء يرجع إلى الفكر والاعتبار". ويشير الدكتور أبو العلا عفيفي إلى أن الإمام المحاسبي عرف بهذا اللقب نظراً لطريقته في إخضاع الأعمال والأفكار للنقد والاختبار لمعرفة مدى صدقها ومراعاتها لحقوق الله، وتقتضي هذه الطريقة البحث عن معقولية اللعلم، كما تتضمن البحث في ماهية الإيمان والمعرفة.

إذا تحدثنا عن الجوانب العقلية في التراث الصوفي الإسلامي فإن الرمز يعد أحد هذه الجوانب الأكثر حضوراً في نصوص المتصوفة، بل إن الرمز يمثل أحد أبرز السمات المميزة للتصوف الإسلامي، ولطالما عبَّر الصوفيون عن أذواقهم وتجاربهم الروحية عن طريق التلميح دون التصريح، والإشارة دون ذكر العبارة، أو استخدام لغة مغايرة لما يستعمله العوام من مفردات كاشفة، وأحياناً كثيرة يلجأ الصوفي إلى استعمال اللغة الرمزية الأكثر خصوصية هرباً من الفهم الضيق وفقر التأوي الذي يعاني منه بعض متلقي النص الصوفي، وكانت مشكلة المتصوفة أن نصوصهم تتطلب قدراً عالياً من امتلاك اللغة ودلالة مفرداتها لدى المريدين والمتلقيين من ناحية، وامتلاكهم ذائقة تمكنهم من الإحساس بالنص وصاحبه من ناحية أخرى. وربما أصاب مؤرخو التصوف الإسلامي حينما أشاروا إلى أن استخدام الصوفي للغة الرمزية جاء مناسباً للتعبير عن المواجيد والأحوال والمقامات التي لا تناسبها لغة اعتيادية كاجذب والاصطلاء والمحبة والوجد المطلق والفناء، في نفس الوقت الذي أشاروا فيه إلى أن استعمال الرمز قُصِدَ به الإشارة إلى حقائق روحية، وهذه اللغة الرمزية قد نالت من الصوفيين كثيراً حتى ألصق ببعضهم تهم الزندقة والخروج عن الدين.

لا يقتصر الجانب العقلي في التصوف بالبدهي على عالم المحسوسات وهو الملمح الأكثر شيوعاً عند فلاسفة اليونان ورجال المنطق الأرسطي خاصة، لكن عمل العقل لدى الصوفيين هو حراك ديدني لا يتوقف في الأمور الباطنية الروحية التي تصل بهم أو تساعدهم في الوصول إلى يقين للمعرفة، والمعرفة عندهم هو شهود للذوق والوجدان، وفي ظل الحديث عن العقل في التصوف الإسلامي نجد سجالاً واضحاً ومساجلات تزخر بها الكتب التي تناولت عن التصوف والتي تتحدث عن المعرفة وهي تتأرجح بين القلب والعقل، حتى خلصوا جميعاً إلى نتيجة مفادها أن القلب اسم جامع يتضمن العقل وعمله وتدبره وأن القلب لطيفة ربانية غير مادية يدرك بها الإنسان الحقيقة الوجودية، وميز الصوفيون وهم بصدد تناول طرائق القلب والعقل في الوصول إلى المعرفة واليقين حينما سموا إدراك العقل علماً وإدراك القلب معرفة وذوقاً وأطلقوا على صاحب الطريق الأول عالماً، بينما أطلقوا على صاحب الطريق الآخر عارفاً.


ماذا قال النفري؟

ولمحمد بن عبد الجبار النفري كلام بليغ دال حينما أفرد للمعرفة موقفاً في كتابه المواقف والمخاطبات، يقول في موقف معرفة المعارف: "أوقفني في معرفة المعارف وقال لي هي الجهل الحقيقي من كل شئ بي، وقال صفة ذلك في رؤية قلبك وعقلك أن تشهد بسرك كل ملك وملكوت وكل سماء وأرض وبر وبحر وليل ونهار ونبي وملك وعلم ومعرفة وكلمات وأسماء وكل ما في ذلك وكل ما بين ذلك يقول ليس كمثله شئ وترى قوله ليس كمثله شئ هو أقصى علمه ومنهى معرفته ".

ويقول أيضاً النفري في موقف معرفة المعارف: "وقال لي لمعرفة المعارف عينان تجريان عين العلم وعين الحكم، فعين العلم تنبع من الجهل الحقيقي وعين الحكم تنبع من عين ذلك العلم، فمن اغترف العلم من عين العلم اغترف العلم والحكمة، ومن اغترف العلم من جريان العلم لا من عين العلم نقلته ألسنة العلوم وميلته تراجم العبارات فلم يظفر بعلم مستقر ومن لم يظفر بعلم مستقر لم يظفر بحكم ".

ويعتير القرن السابع الهجري هو قرن المعرفة والعقل بالنسبة للتصوف الإسلامي، حيث بلغ حديث العقل في النص الصوفي يبلغ شأناً كبيراً، وكما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه التجليات الروحية في الإسلام إلى، التصوف في ذلك الوقت اتخذ بعداً نظرياً أوضح وأعمق مما كان عليه من قبل، وربما السبب في ذلك الشهود العقلي في سياق النصوص الصوفية هو تأثر التصوف الإسلامي بالكثير من التيارات الفكرية المنتشرة في ذلك الزمان في العالم الإسلامي.
++++++

بليغ حمدي إسماعيل
كاتب مصري
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 1 | زيارات 1747

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1072093 [محمد خليل]
1.00/5 (4 صوت)

08-05-2014 03:14 PM
من يبحث عن معرفة الحقيقة سيجدها فى كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم و ليست هناك حاجة لمصادر أخرى لمعرفة الحقيقة المقصودة فى هذا المقال، هذا هو الطريق الذى دلنا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم، أما من يطلب الهداية فى غير هذين المصدرين فسيضل لا محالة و لا عذر لمن أنذر.

[محمد خليل]

ردود على محمد خليل
France [فاروق بشير] 08-05-2014 04:26 PM
يا سيد محمد خليل نحن نتكلم عن التوحيد وهو ابداع للعلمانيين قبل مجيئ الاديان ونقصد نسترده ملكا لا مراء فى ذلك.النسخة التى تدافع انت عنها تمزقت بالخلافات سبعين فرقة وقد سقطت من تلقاء نفسها كحجج ومنطق. ان شئت الاخلاص لها فعليك بداعش. ولك ان تبقى منغلقا مع نفسك فلك ما تريد. ونحن سكتنا لكم كثير.


#1072064 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

08-05-2014 02:37 PM
التصوف فى نظرى ليس حكرا على الاديان. بدليل تصوف محمد بن عبد الله نفسه قبل الرسالة.
واحسب ان تصوفه قبل الرسالة انقى من تصوفه بعد الرسالة. المهم هنا هو اعادة التصوف لعالميته.
ويبدو التصوف كتقنيات تمكن من التوحد مع الواحد.
وهي غاية تحقق ايضا عبر الموسيقى العميقة المحضة وبعض تعاطي نباتات كالمسكلين ونهج معين فى تناول الخمر.
يرى كانت الفيلسوف ان الفلسفة لاتحقق معرفة الاشياء فى ذاتها, ويرى المتصوفة ان معرفة الشئ فى ذاته هي منجز التصوف المميز.ولو ان كلمة معرفة مضللة, فما يتم هو التحام ذات المتصوف بالموضوعات.
لماذا يحارب المدرسة السلفية المتصوفة كعبد القادر الديلاني والسيد احمد التجاني؟
لان هؤلاء كثيرا ما ينسبون لانفسهم ميزات انبياء وكرامات.
ولم يدعون كرامات تضاهى الرسل؟
لانهم على يقين ان التصوف وراء كرامات الرسل ينجز عبر تقنيات متاحة للجميع ولمن صبر على رياضاتها الشاقة.

[فاروق بشير]

بليغ حمدي إسماعيل
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة