المقالات
منوعات
ثلاثون عاما مضت علي رحيل ابوداؤد ( 2- 3 )
ثلاثون عاما مضت علي رحيل ابوداؤد ( 2- 3 )
08-07-2014 11:45 AM


البروف علي المك : اهداني عبدالعزيز قبل سفري لامريكا قماش جلابية رزقاء

من ميزة الكتابة الصحافية في الصحف والمواقع الاسفيرية حول المذكرات والاضواء بغرض محاولة التوثيق انها تتيح للقاريء فرص الاطلاع من حركة التعقيب والمداخلات التي ينشرها البعض بكامل الاريحية والحب ، برغم سيل الشتائم – بلا سبب - والتي يكتبها البعض باسمائهم المستعارة خجلا من ان تحسب عليهم ان كتبوا باسمائهم المعروفة للكافة ، وقد حفظهم القراء تماما من تكرارا سقطاتهم ، فتتسع بسبب المداخلات الراقية المهذبة التي يحترمها القاري مواعين المعرفة وتتلاقح الافكار وتنداح الذكريات ، وهنا اشكر الاستاذ المحترم البحاري الذي صححني في موقع الراكوبة في مداخلته بالحلقة الاولي في ذكري ابوداؤد ، عن ان اسم شاعر اغنية ( من زمان ) التي نسبناها بالخطأ البائن للشاعر الراحل عبدالمنعم عبدالحي ، ولكن الصحيح ان شاعرها هو الشاعر والاديب صاحب الحس الفني الرفيع البروفيسور الانسان الزين عباس عمارة استشاري الطب النفسي والمقيم بدولة الامارات منذ عقود طويلة والذي اشتهر مذ كان طالبا بجامعة الخرطوم بكتابته لاغنية الفنان عثمان حسين الشهيرة ( أوعديني ) . وله العتبي هنا وللاخ البحاري الشكر الفخيم للتصحيح ، برغم قسوة التعبير احيانا والذي ربما يتلف عملية التصحيح في جنوحه للتعبير الجارح وهو لم يكن يحتاجه ابدا ، فجزاه الله عنا كل خير والله ، ونقبل التصحيح وهو شعور ايجابي ومتقدم وبصدر رحب جداً لان الذكري هي عن الراحل الضخم ابوداؤد رحمه الله وليس عن اغنية له فحسب .
وفي هذه الحلقة نود الرجوع الي جانب مما كتبه البروف الراحل علي المك في كتابه الذي قام بنشره عقب وفاة صديقه التاريخي عبدالعزيز محمد داؤد ، ثم نواصل اضواءنا في ذكري رحيل ابوداؤد الثلاثين... قال علي المك :-
(( في يوم الجمعة التي بدأت فيها رحلة الموت ، كنت مدعواً في بيت أحد الجيران ، والدعوة كانت – غداء- والنهار حار ومضجر، لا أعلم ، تباطأت شيئاً ، ولكني ذهبتُ علي كل حال، وجدت خلقاً كثيرين ، كان أحد المغنين، ودأبه كان تقليد أداء عبدالعزيز ، ولكنه بون شاسع، قال يبدي تظرفاً أمقت صنوفه : صاحبك صوته خفّ ، قلت بحدة : صاحبي منو؟ قال: عبدالعزيز داؤد ، قلت ساخراً: ماهو إنت موجود!! .. ضحك القوم ضحكاُ كثيراً ، تشاءمت، أكلت في عجلة ، عدت للبيت، وحدي كنت، وفي التلفزيون وجدت ألواناً من مسابقات الأولمبياد في لوس أنجلوس ، لم تفد حالتي كثيراً ، أعرف الإكتئاب النفسي يقيناً ، كنت لا أعلم من أمره، الأكتئاب، كبير شيء، ولكن الأزمنة صعبة ، والتمرس بمقابلة المكاذبين يبدو أول أمرهم ، براءة الأطفال ، هدّ من صلابة النفس ونقائها كثيراً ، عرفتُ الإكتئاب إذن ، يقيناً والجمعة 3 أغسطس كان يومه.
وحين بدأت شمس النهار بالإخفاق ، أبصره حيث كنت في البرندة ، سمعت حركة اقدام ، ثمة من يصفق، نهضت من موقعي، فتحت الباب ، أمامي كان عثمان محمد داؤد ، أحييه في حماسة ، ثوان وتخال دهوراً لعله كان يود يختزل مجاملات التحية الطويلات ليقول لي شيئاً أهم كثيراً من مجاملات السلام ، توقف السلام ،قال: صاحبك جاء من الأبيض عيان جداً .
تركت التلفزيون يحفل بالعدو والملاكمه والسباحة وإنطلقت معه نبحث عن طبيب، وعدنا طبيب صديق يتبعنا ذهبنا إلي الخرطوم بحري، ما أنكرنا حي الدناقلة ،كان بي حفياً منذ أن جعلته وطن الوجدان يكون في دار عبدالعزيز. ذلك كان في أخريات الخمسين، جسر مطمئن علي الخور يفضي إلي زقاق فيه دار عبدالعزيز، لا أعلم لماذا تفرست في معالم الجسر الصغير في ذاك الموعد من ذاك اليوم ولأول مرة فوقه حصي ، وعليه مع الحصي تراب، وكان يضايق السيارة إنه في حافتي الجسر تكون دائماً مجموعة صبيان ، أقدامهم تزيد ضيق الجسر ضيقاً تخال أحيانا أن أقدامهم تدعو إطارات السيارات أن تدهسها. تارة ينهضون من مجالسهم مبرمين، وأحياناً بذوق حسن ، في ذاك الموعد من ذاك اليوم لا صبيان ولا أقدام صبيان ، ليس هناك من شيء علي الجسر إلا الحصي وإلا التراب ، صرنا إلي البيت، ثوان وتخال دهوراً ، بعد الباب المضياف ، وجه عبدالعزيز ، كان جالسا علي كرسي ، أسند ظهره علي وسادات ، تعين علي قليل من راحة يحتاجها قلب متعب مجهد ، مرهف، أنفاسه تجعل من جلابيته شراعاً تعبث به الريح وتنفخ فيه ، لا تسعفه الأنفاس المبهورات، لم يتعود هذا الإنسان الرائع أن يصمت ، هش لي وبش، وضعت أكتئابي بين يديه، دأبي منذ عرفته ، يعرف ما يضايقني قبل ان أبوح به ، نظر إليّ ، ضحك ضحكاً صافياً هزم به الأنفاس المبهورات ، قال: إنت لسع محافظ علي جلابيتي الجبتها ليك ؟ ضحكتُ بصفاء جعل الإكتئاب المر يتساقط من خيوط الجلابية ، يغادر نفسي ، جلست أنظر إليه ، تذكرت لحظتها زماناً في الستين وكنت أعد نفسي للسفر للدراسة في أمريكا، جاءني عبدالعزيز وأهداني جلابية زرقاء اللون وفصلتها وحملتها معي ، وحين عدت إلي الوطن سألني ؟ ماذا أحضرت لي معك ، إنشاء الله جلابيتي رجعت معاك ؟ ضحكت، قلت: والله يا أستاذ كل الجبتو معاي أسطوانات وفونوغراف ، قال: بس ؟؟ مرحب بالغاب .. وجاب !! )) .. إنتهي جانب من حديث علي المك وسنعود له لاحقاً .
ونحن في ذكري رحيل ابوداؤد الثلاثن نقول : كان أبوداؤد رجلاً معطافاً .. يحب فعل الخير ، بل ويموت فيه كما يقول المثل ،يفعله دون رياء ، يفعله كما يقول أصحابه دون أن يدري المعطوف عليه انه قد أتته خدمة لوجه الله من أبوداؤد .. وذلك ديدن العظماء من الناس ، فالبعض يعتقد – من فرط الفقر الذي ضرب أهل السودان مؤخراً- أن فعل الخير والصدقات لا تكتمل إلا حيث يتواجد المال .. صحيح أن المال السائل هو ( حلال المشاكل ) الحياتية المعقدة ، لكن هنالك أشياء لا يستطيع مال الدنيا حلها ، لأن حلها هو ربما يكون في فعل صغير بسيط يذيل الهم ويذيب الفوارق ويقرب القلوب من بعضها وهو أكبر صدقة وأكثرتأثيراً وأطول أثراً وصدي من المال وهو الذي ينطبق عليه قول المصطفي الأمين عليه أفضل الصلاة والسلام ( تبسُّمك في وجه أخيك صدقة).. يا سبحان الله ، فلك أن تتخيل مدي العمق والأثر الذي تتركه البسمة الخالصة لدي الإنسان.. لذلك نقول أن أبودؤاد كان هو المتصدق كثيراً بماله وبتبسمه في وجه الناس.. وهو محظوظ أن عرفه الناس بهذه الخصال .
كان أبوداؤد حين يغني فإنه يغني لنفسه أولاً قبل أن يغني للآخرين ، كان حين يمدح أو يرتل القرآن تجده يذوب وجداً ورهافة في قدرة الخالق جل وعلا.. كان عبدالعزيز كل هذا وذاك . لذلك تظل ذكراه دائماً خالدة وجميلة في نفوس ابناء شعبه. وفي الواقع لقد ترك أناس كثر أجمل الذكريات في خواطر الشعوب وأيضاً في سجلات التاريخ الإجتماعي ، وبنفس المستوي نجد العكس تماماً .. حيث يظل يرحل أناس آخرين ولكنهم لا يتركون أي أثر إيجابي خلفهم يستطيع الناس في مجتمعهم أن يذكرونهم به ، وتلك الأخيرة أصبح بعض الناس لايضعون لها قليل قيمة ولكنها – علي أية حال- ضئيلة الحدوث في مجتمع أهل السودان ، فالغالب الأعم عند أهل السودان هو ( تبسمك في وجه أخيك صدقة) التي ذكرناها آنفاً .. وليذهب عابسو الوجوه إلي الجحيم غير مأسوف عليهم.
وهنا اتذكر موقف لطرائف ابوداؤد وقد عشته شخصيا ، فقد كنت ذات مساء.. والدعوة كانت مفتوحة للمعلمين في ذلك الزمان بدار الإتحاد الإشتراكي (العملاق) كما يصفه دائماً (أب عاج) في خطبه العديدات .. كنت حاضراً في شتاء عام 1973م تحديداً ليلة فنية ثقافية بمناسبة إنتهاء فعاليات عيد العلم في تلك الدار ، كنا طلاباً بالمساء بجامعة القاهرة فرع الخرطوم ، وكانت مهنة التدريس الراقية هي الملاذ الذي لذنا به كي نقدم خدمة جميلة لوطننا ولكي نقوم بتأمين مصاريف السكن والإعاشة والدراسة الجامعية ( نحن أبناء الأقاليم) ، فكانت أجمل أربع سنوات من عمري عملت فيها معلماً في عدة مدارس بأم درمان ، وتـأتي بيت المال الإبتدائية في مقدمتها، كنا شلة من طلاب ومعلمين ظريفة ومتوثبة ، في عز شبابنا ، وكان السودان عملاقاً ومتوثباً أيضاً ، كان الإقتصاد متوازناً بالقدر الذي كنا نستمتع فيه بالراتب الذي لا يتجاوز الثمانية والعشرين جنيهاً في الشهر فقط .. كنا نستمتع بكل مباهج التسلية والترفيه، نشاهد مباريات هلال جكسا وعلي قاقارين والدحيش وفوزي وكسلا وزغبير من المساطب الجانبية ، ونلتقي بأهداف كمال عبدالوهاب وبشارة وبشري والفاضل سانتو . كنا بتلك الماهية المحدودة والكبيرة فنرسل للأهل في بركات بودمدني ما يعين علي مشاكل الحياة المتواضعة ، ولا ننسي ليلاً متابعة كل أفلام سعاد حسني ( أخت القمر) وفي مقدمتها ( خلي بالك من زوزو) في كوليزيوم الخرطوم والبلو نايل .. حيث لم يكن للشماشة وجود بعد في قلب العاصمة.
كانت تلك الأمسية بدار الإتحاد الإشتراكي والرئيس نميري أب عاج ( قاعد) عليه الرحمة أمام الخلق ولا زلت أذكر ان طاقم من الوزراء والمسوؤلين وهم يصطفون في مقاعدهم، منهم من كان يرتدي الزي القومي كمنصورخالد وأحمد عبدالحليم ، ومنهم من كان يرتدي السفاري كالمرحوم جعفر بخيت ومنهم من إكتفي بالقميص والبنطال كزين العابدين وابو القاسم محمد إبراهيم ، غير ان اللواء الباقر – وقد كان النائب الأول للرئيس - يرتدي ( الفل سوت) . كان المطربون الذين يؤدون الحفل هم المعلمون الفنانون ، حيث أن المناسبة هي تعليمية بحتة ، كان هناك محمد ميرغني.. عبدالقادر سالم.. صديق عباس.. علي ميرغني.. أبو داؤد الذي كان قد إنضم إلي قسم المسرح المدرسي بوزارة التربية وقتذاك ، صعد عبدالعزيز علي خشبة المسرح والأوركسترا تستعد للوصلة ، هنا طلب نميري من عبد العزيز أن يقول نكتة قبل الغناء ، ضحك عبدالعزيز ، ( مسح بالمنديل علي رأسه ) ثم قال: كان في واحد قلبو رهيف جداً ،عندو حنية أكثر من اللزوم، يبكي لأي سبب يؤثر عليه، يحزن إذا شاهد أحد أقربائه أو أصحابه مريضاً ، وفي مرة تم نقله للعمل في منطقة بعيدة ، فودع أهله وسافر ، وكان يزورهم في الأعياد دائماً مثل عادة السودانيين ، وأثناء غيابه بعيداً عن أهله ، توفي والده ، فإحتار الناس كيف يوصلون له هذا الخبر ، وكانوا يخافون عليه من أن تحدث له كارثة إذا سمع بالوفاة ، وبدأ الناس يتشاورن خلال أيام المأتم ، فإتفقوا علي أن يرسلوا له بالعودة فوراً إلي الخرطوم بقطار السبت القادم مثلاً ، وإتفقوا أيضاً أن يخبروه في محطة السكة الحديد بعد وصوله ، ولكن كيفية توصيل الخبر كانت أيضاً مشكلة قائمة ، فرصدوا جائزة قدرها خمسين جنيهاً لمن يوصل له خبر الوفاء دون أن يتأثر أو تحدث له صدمة مميتة ، وهنا كل الناس ( زاغوا) إلا شخص واحد كان خفيف الدم فإلتزم بتوصيل خبر الوفاة له في المحطة وبعدها يقبض الحافز، وفعلاً ذهب في إنتظاره ، وفور نزوله من القطار قال له : جاييي مالك من عملك إنشاء الله خير ؟؟ فرد عليه : واالله الجماعة ديل رسلوا لي إشارة عاجلة للحضور وأنا الآن في قلق شديد علي الحاصل ، وهنا سأله : إنت آخر مرة شفت فيها أبوك متين ؟؟ فرد عليه: في العيد الماضي ، فقال له : تاني كان شفتو .. أحلق دقني ديفضحك الحضور وضحك نميري طويلا !! الله يرحمك يا أبوداؤد.
وعبد العزيز في فن الغناء قد طرق معظم ألوانه ، فقد تغني لحقيبة الفن باغاني ظلت مرتبطة به إرتباطاً وثيقاً حتي ظن الناس أنها صنعت خصيصاً لأبوداؤد وليست أغان حقيبة ، وقد كان يؤديها بدرجة عالية من التطريب:
زهرة الروض الظليل .. غصن الرياض المايل.. فلق الصباح.. ياليل صباحك مالو … من أول نظرة .
ونواصل انشاء الله ،،،،،
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1104

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1073538 [الخبير الوطنى]
1.00/5 (4 صوت)

08-07-2014 02:54 PM
احبك يا صلاح الباشا دائما ما تذكرنى بالزمن الجميل وذكرياته التى ذات شجون مدد مدد ونرجوا ان لا تتوقف ونرجوك ان توثق لكل ذاك الزمن الجميل.مع حبى وتحياتى.

عندى تصحيح بسيط لو سمحت يا استاذ الباشا على السطر ادناه

منهم من كان يرتدي الزي القومي كمنصورخالد وأحمد عبدالحليم ، ومنهم من كان يرتدي السفاري كالمرحوم جعفر بخيت ومنهم من إكتفي بالقميص والبنطال كزين العابدين وابو القاسم محمد إبراهيم ، غير ان اللواء الباقر

++التصحيح++
((منهم من كان يرتدي الزي القومي كاحمد عبدالحليم والمرحوم جعفر محمد على بخيت، ومنهم من كان يرتدي السفاري كمنصور خالد ومنهم من إكتفي بالقميص والبنطال كزين العابدين وابو القاسم محمد إبراهيم ، غير ان اللواء الباقر

لان منصور خالد عندما كان وزيرا للخارجية اشتهر بالبس السفارى
لك تحياتى استاذى صلاح

[الخبير الوطنى]

صلاح الباشا
صلاح الباشا

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة