المقالات
السياسة
الماء والإنقاذ وتولا واللغة والحياة
الماء والإنقاذ وتولا واللغة والحياة
08-10-2014 10:03 PM

" طارق ماذا نُقتل؟ دمنا فعلته أبداً هذا الرفض
هذا الخفق وهذا النبض
طارق ماذا نُقتل؟
ولنا حق الموت يظل
بداهة وقفتنا، في جهة الحق المحض"
رحم الله الشهيد طارق احمد ابرهيم الذي عبرت الشهر الماضي ذكرى استشهاده الثالثة والعشرين دون أن يذكره أحد تقريبا .أعتقد أحيانا بخطأ من يظن – مثلي حينا من الدهر لم يكن شيئا مذكورا- أن دارجية عموم السودانيين هي مجرد " لهجة عربية غير معربة". صحيح أن بينهما تداخل وقربى و "نسب" لكن اللغات اللاتينية مثلا بين أي اثنين منها هذا التداخل فهل يعني أن إحداهما تصحيف للأخرى، لا أظن.
بدأت معي هذه الاكتشافات المؤلمة لاختلاف الدارجية عن العربية الفصحى مبكرا. أوان جلوسي لامتحان الشهادة الثانوية، لا تسألوني متى بالضبط، حينها كان درس التصغير ضمن مقرر النحو، قال لنا الاستاذ الفاضل الجليل محمد عثمان الذي كنا نناديه باسم جحا لشدة شبهه بالممثل الذي كان يؤدي ذلك الدور في برنامج جنة الأطفال التلفزيوني. قال لنا وأجزل وأفاض أنه عندما يكون الاسم المراد تصغيره مؤنث المعنى مثل نار فإننا سنحتاج لإضافة تاء مربوطة في التصغير فيكون تصغير نار هو نويرة . وإذا كان الاسم معتل الوسط مثل ناب وجار فإنه يلزمنا أن نبحث عن أصل الحرف المعتل في المصدر في جمع التكسير. بالنسبة لناب يتضح أن أصل الألف ياء لأن الجمع أنياب على وزن أفعال إذن التصغير هو نُييب أما جار فأصل الألف هو واو لأن المصدر هو جوار على وزن فعال .. فالتصغير هو جُوير. إلى هنا والأمر عادي وكل ستة في حتة وكل جركانة في مكانا. المشكلة أنني فوجئت في الامتحان بكلمة مطلوب تصغيرها بها حرفين معتلين هي الكلمة الأولى في عنوان هذا المقال : ماء . يا الله دي مصيبة شنو دي؟ قت يا ود امشي بي درب (الخوارزمية) الأدوك ليها لإيجاد التصغير إلى نهاياتها ويسعفني صديقي المتنبي الذي شغفت به وبأشعاره مبكرا رغم أنف عمي وقريبي كافور الأخشيدى ببيت شعر له جزل :
وأمواهٌ تصل بها حصاها صليل الحلي في أيدي الغواني
مهمة هذا البيت في تلك اللحظة تقتصر على إسعافي بأصول الالف والهمزة في كلمة ماء والتي تبين من جمع التكسير أمواه أنها واو وهاء على التوالي ، ولأنني – وهنا مربط الفرس – متأثر بلغتي الأعجمية الأم (الدارجية الليلت عموم السودانيين) والتي تقول أن الماء (أو الموية) مؤنث وليس مذكرا كما في العربية التي امتحن فيها في تلك اللحظات فقدت كتبت بفخر واعتزاز أن التصغير هو مويهة ، وظننت أنني قد أتيت بما لم تأت به الأوائل، وأحضرت "المرفعين" من "قرونه". لسوء حظ اعتدادي الطفولي وفخري التينئدجي لم تكن الإجابة صحيحة ، تقول العرب : "ماء عذب" . و"جرى الماء". وليس "ماء عذبة" ولا "جرت الماء" وغلطة الشاطر بألف. وبالتالي فان الاجابة الصحيحة مويه ٌ وليس مويهةٌ . لاحظوا أن هذا تشويش أثارته لغة أم هي الأقرب للعربية، فما بالك بأبنائنا الذين يمتلكون لغات أم أبعد والذين نطالبهم سنويا أن يتقبلوا حقيقة أن ليس لديهم شهادة ثانوية أن هم لم يحرزوا خمسين درجة في امتحان لغة نحبها ونعتز بإجادتها وإتقانها، ونقدس حقيقة أنها حوت كتاب الله لفظا وغاية وما ضاقت عن آي به وعظات، لكنها لغة أجنبية لكثير من السودانيين في أطراف البلاد الأربعة. فضلا عن أنها ليست اللغة الأم لسائرهم .
المهم، يتعين على في هذه اللحظة الحرجة من عمر مقالي هذا أن اعترف أن امتحان الشهادة الثانوية ذاك كان في العام 1988، عام السيول والأمطار، لأحدثكم عن كيف "حاول الماء " أو "حاولت الموية" القضاء على حياتي كلها بعدما قضى على درجتين عزيزتين أو ثلاث من درجات امتحان لغة أحبها ولم تتطابق تماما مع لغتى الأم رغم ظني السابق أن هذه من تلك تمام الجزئية وكامل "المنونية".
سوى السيول والفضيانات، تجتهد مياه الأمطار في سقي وإرواء وتشريب جدران الجالوص حتى تصبح كالبسكويت المعجون، تسقط وووردولب من تلقاء نفسها في أية لحظة، أو عند أقل هبشة. قد لا تصدقون أحبتي القراء لكن ثلاث مرات يتكرر معي أن تسقط "حيطة" بعد ثانية أو ثانيتين من عبوري تحتها بحيث لو تأخرت أنها أو استعجلت هي هذه الثانية، لكنت الآن محض نسيان. بعدها بعام تقريبا، في ديسمبر 1989 سقط بجواري، وعلى بعد أمتار قليلة ، شهيدا كل من التاية وبشير وسليم، بأيدي ورصاص مجموعة غريبة من الخلق الذي لله فيه شئون وشئون . "وثبت" لتقتلنا وتحكم وتقتلنا وتحكم وتحكم وتقتلنا، لأجل ماذا بالضبط لست تدري؟ وتبعهم بعد ذلك بنفس السياق طارق في يوليو 1991. ربما جعلت هذه الحوادث المتتالية مني ومن كثيرين من أبناء جيلي والأجيال المجاورة، رجلا (أو امرأة ) يفكر في نفسه باعتباره ميتاً مؤجلاً و حيا "في الوقت بدل الضائع" وقللت كثيرا من الحرص على حظوظ "تولا" في حطام هذه الدنيا. ولله الأمر من قبل ومن بعد
ما أود قوله في أسطر قليلة، في ذكرى استشهاد طارق ال23 التي لم ننتبه لها في حينها، وبعد هذه المقدمة الطويلة هو أنني، ضمن أخرين كثيرين من رفاق طارق وسليم وبشير والتاية وعبد السلام ، وغيرهم أيضا، مستمتع الآن بعلاقتي باللغة، من حيث هي، وعلاقتي بالحياة،س رغم أنف هذه التولا المقيدة ورغم أنف هذه الإنقاذ المقرفة ورغم أنف هذا الماء الذي صار يقتل الناس في بلادي غرقا وتيفويد وسرطانات وما الله به أعلم. وهو الذي جعل الله منه كل شيء حي، فتأمل. وأنني حفي بأنني أُلهَم – ضمن آخرين أيضا - غالب الأحيان في "تصويب" ما تبقى لي من لغة وحياة في اتجاه واضح صحيح معلوم للكافة والخاصة وما هو أخص وأكف
ألا هل بلغت ؟


فتحي البحيري
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 584

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




فتحي البحيري
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة