المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
ثوره الشباب العربى وابعادها الفكريه
ثوره الشباب العربى وابعادها الفكريه
02-13-2011 07:45 AM

ثوره الشباب العربى وابعادها الفكريه
د.صبرى محمد خليل
استاذ الفلسفه بجامعه الخرطوم
[email protected]


تمهيد: هذه الدراسه هى تحليل منهجى لظاهره الانتفاضات الشعبيه شبه المتزامنه ، والتى اندلعت شرارتها الاولى فى تونس، ومنها انتقلت الى مصر، وما زالت اثارها تتفاعل ، تلك الانتفاضات الشعبيه التى كان طليعتها الشباب (ومن هنا جاء اسم ثوره الشباب)، وكانت اداه الاعلام بها والتعبئه فيها القنوات الفضائيه والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعى فيه (كالفيسبوك والتويتر واليوتيوب...). هذا تحليل ينظر إلى ثوره الشباب من زاوية كليه نظريه اى فكريه – فلسفيه. وهذا التحليل على الوجه يكمل - ولا يلغى - النظر اليها من زاوية جزئيه - عينيه اى علميه، متمثله في العلوم ذات الصلة كعلوم الاجتماع والسياسة والقانون والعلاقات الدولية والاستراتيجيه...
لماذا الشباب : الشباب هم شريحة من المجتمع، تندرج تحت إطار مرحله عمريه معينه، لها خصائصها الفسيولوجية والفكرية والوجدانية المشتركة،رغم تباين أفرادها طبقا لمعايير. متعددة.وكما ذكرنا فان تلك الانتفاضات الشعبيه رغم انها عمت اغلب شرائع و فئات المجتمع ، الا ان الشباب كان طليعتها ، وليست هذه الظاهره بجديده ، اذ ان الشباب ارتبط دائما بالتغيير، وبالثوره كنمط من انماط التغيير، ومرجع ذلك عده عوامل منها ان الانسان فى مرحله الشباب يكون اكثر نقاءا ، فاكثر تمثلا للمثل العليا التى تتعلق بما ينبغى ان يكون ، مما يخالطه خلال رحله الحياه بعد ذلك . ومنها إن الآباء والأمهات والأخوة الكبار واقعون نهائياً في قبضة النظم كقادة أو موظفين أو عاملين ، إنهم مربوطون بالعجلة الدائرة بسلاسل من أجل رغيف الخبز . فبرزت حركة الثوره في أكثر قطاعات الشعوب استقلالاً عن مصادر القهر ، وهم الشباب (الطلاب والخريجين الذين يعنون من البطاله ) .
ارتباط السلطه والراسمال : قرر كثير من الباحثين ان ثوره الشباب هى ثوره على واقع قائم على ارتباط غير شرعى بين السلطه والراسمال، فهى ثوره ضد استبداد السلطه والراسمال فى نفس الان ، ومرجع ذلك ان الديموقراطيه الليبراليه فى المجتمعات الغربيه اذ تحرر الشعب من استبداد الحاكمين ، لا تضمن عدم استبداد الراسماليين فيه، لان النظام الراسمالى هو النظام الليبرالى فى الاقتصاد، فالديمقراطيه الليبراليه فى تلك المجتمعات اذ تضمن ان تحتفظ للشعب بسلطته فى مواجهه الحاكمين ،تاتى الليبراليه - ممثله فى نظامها الاقتصادى اى الرسماليه- فلا تضمن ان يسلب الراسماليين الشعب سلطته ( د.عصمت سيف الدوله، النظريه ، ج2، ص197-198 ). اما الانظمه التى تعرضت لتلك الانتفاضات الشعبيه فقائمه على النظام الليبرالى فى الاقتصاد اى الراسماليه التى عبر عنها باسماء عديده منها الخصخصه والانفتاح الاقتصادى... فلم تضمن ان يسلب الراسماليين الشعب سلطته ، وعدم استبدادهم فيه، وفى ذات الوقت لم تلتزم بالنظام السياسى لليبراليه اى الديمقراطيه الليبراليه، فلم تضمن ان يحتفظ للشعب بسلطته فى مواجهه الحاكمين ، و عدم تحرره من استبدادهم . وخرج من رحم هذا الاستبداد المزدوج الفساد .
التناقض داخل النسق الليبرالى: و هناك تفسير لثوره الشباب يقوم على القول بان الديمقراطيه الليبراليه والاقتصاد الراسمالي هما وجهان لعمله واحده ، لذا عندما يكون الاتجاه العام اقتصاديا الى الرسماليه(كما فى النظم التى قامت فيها ثوره الشباب) لابد ان يصاحب المبادرات الراسماليه مبادرات ديمقراطيه ليبراليه ليكتمل النظام الليبرالى اقتصادا وسياسه فى مرحله لاحقه (د. عصمت سيف الدوله، الاحزاب ومشكله الدسمقراطيه ،دار المسيره ، بيروت،ص28). وهذا التفسير هو تفسير صحيح، لكنه يكون قاصر عندما يركز على تفسير ثوره الشباب باعتبارها محاوله لحل هذا التناقض الداخلى السابق الذكر(اى تناقض داخل النسق الفكرى الليبرالى)، ويتجاهل تفسيرها محاوله لحل تناقض خارجى يمثل فى التناقض بين الشكل الليبرالى للاقتصاد( الرسماليه) ومصالح الشباب و اغلب الشعب ، والتفسير الاول القاصرهو التفسير الليبرالى لثوره الشباب،هو التفسير ( المعلن) للغرب وفى مقدمته الولايات المتحده والذى عبرت عنه هيلارى كلنتون وزيره خارجيه امريكا بقولها ان الاقتصاد والسياسه لا يسيران معا فى الشرق الاوسط. وفى تبنيه نهايه هذه الثوره.
مؤشر ضعف الذراع الايمن لقهر الشعوب(الامبرياليه الامريكيه): وجاءت ثوره الشباب كمؤشر آخر على ضعف الولايات المتحده كذراع ايمن لقهر الشعوب بعد شل الذراع الأيسر ممثلا فى الاتحاد السوفيتى سابقا.وسعى
الشعوب إلى استرداد حريتها، وإلغاء هذا القهر الممارس عليها بواسطه انظمه تابعه للولايات المتحده الامريكيه، ومن المؤشرات الاخرى المشكلة القومية فى أمريكا التى تجلت فى اندلاع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي مباشره،
و فوز اوباما في انتخابات الرئاسة الامريكيه كدليل على ضعف قبضه الواسب( البيض الأنجلو سكسون البروتستانت) على المجتمع الامريكى
وانهاك القوه العسكريةوالامنيه لأمريكا في ما سمته الحرب على الإرهاب
والازمه الاقتصادية العالميه.
المثقفين العرب والنخبويه بدلا من الطليعيه:وجاء الدور السلبى للمثقفين العرب فى ثوره الشباب كدليل على اتصاف اغلب المثقفين العرب بالنخبويه بدلا من اتصافهم بالطليعيه، اى إنه بدلاً من ان يكون المثقفين العرب طلائع التغيير الفكرى للمجتمعات العربيه بتبنيهم لنمط تفكير اجتهادى علمى عقلانى فى كل المجالات (السياسيه الاجتماعيه الاقتصاديه...) ، فإن اغلبهم أصبح انعكاسا لواقع تخلف النمو الحضارى بتبنيهم لنمط تفكير بدعى شبه خرافى شبه اسطورى شانهم شان باقى فئات المجتمع ، مع رغبتهم فى التميز الوظيفى والاقتصادى والاجتماعى عن باقى فئات المجتمع، ومن خلال اتخاذهم لموقف القبول المطلق للانظمه ، بدلا من الموقف النقدى الذى يمثل جوهر دور المثقف فى المجتمع. وبهذا اصبح اغلب المثقفين العرب جزءا من النخب العربيه السياسية والاقتصادية والثقافية المتغربة التى تكرس لقبول الاستعمار الجديد ، احتجاجا بقوه البطش ، وتمسكا بما هو كائن، واتساقا مع ايديولجيتها القائمة على تكريس التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية ...
تطور وسائل الاتصال والاعلام والتجاوز النسبى للتجزئه : وجاءت ثوره الشباب العربى كتاكيد على الروابط الموضوعيه(الجغرافيه،التاريخية،الاجتماعيه،الحضارية...) التى تشد أجزاء الامه العربيه المسلمه رغم التجزئه السياسيه التى فرضها الاستعمار منذ اتفاقيه سايكس بيكو1916. فى عهد الاستعمار القديم عبرت تلك الروابط عن نفسها فى شكل التزامن بين الثورات فى الاقطار العربيه، فما ان تنتهى ثوره فى مكان حتى تقوم ثوره فى مكان اخر، ولم يكن النصر حليفها لانها كانت فى اطار التجزئه السياسيه، وفى ظل انعدام وسائل الاتصال والاعلام الحديثه التى تستطيع ان تحقق قدر ولو نسبى من التجاوزلهذه التجزئه السياسيه، وعلى سبيل المثال فى مصر بدات ثوره بقياده عرابى فور الانذار بالاحتلال، فلما نهزمت قامت الثوره المهديه فى السودان والتى انذر المهدى فيها الخديوى توفيق بانه قادم لتحرير مصر من الغزاه. ولما ادير الصراع من اجل التحررمن الاستعمار، على اساس التضامن القومى ،فى عهد عبد الناصر ،مستدا الى الاذاعه (صوت العرب) كوسيله اتصال واعلام متجاوزه للتجزئه السياسيه بقدر نسبى، تحررت اغلب اجزاء الوطن العربى فى اقل من عشره اعوام. وانطلقت ثوره الشباب من تونس وانتقلت الى مصر فى اسابيع لانها استندت الى القنوات الفضائيه والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعى فيه(الفيسبوك والتويترواليوتيوب..) كوسائل اتصال واعلام اكثر مقدره على تجاوزالتجزئه السياسيه بشكل نسبى.
التغريب: ويمكن اعتبار ثوره الشباب كدليل على فشل محاوله تغريب الشباب العربى وصهره فى بوتقه الحضاره الغربيه، ويؤكد صحه هذا التفسير انها انطلقت من اكثر النظم التزاما بالتغريب (تونس منذ عهد بورقيبه ) ، ومضمون التغريب هو أن تستبدل القيم والآداب والقواعد الاسلاميه (التي تشكل الهيكل الحضاري للامه)، بالقيم والآداب والقواعد الغربية، لتحقيق قدر من الشعور المستقر بالانتماء إلى الحضارة الغربية . فمنذ قرون والغرب يحاول فرض حضارته الفرديه الماديه الاقتصاديه على امتنا وحضارتها القوميه الإسلامية الروحية الانسانيه ، موجها ضربته إلى الشباب عامة،. وإلى بدايات مرحلة الشباب خاصة ، عن طريق إغراء الشباب المتطلع إلى أن يلعب دوراً في حياة أمته بأن يقلد الشباب الغربي ويتخذ منه مثلاً أعلى فيما حققه من تقدم مادي ، بدون استفزازه بالكشف عما يستدرج إليه من عقائد وقيم وتقاليد وعادات صاحبت هذا التقدم المادي مستغلا قلة خبرته ولكنه ينقض هيكل شخصيته \" خطوة خطوة \" ، وحين تندس القيم الفردية في أذهان شبابنا العربي تنفرط علاقات الانتماء القومية فالوطنيه فالقبليه فالأسرية ليبرز الفرد الذي يقدسونه ، وحين يصبح الشاب العربي فرداً فعليه أن يجري لاهثاً في سباق المنافسة الحرة لعله
يدرك النجاح المادي . ويصبح الثراء هو غايته ، والمال هو محور حياته ، ويحتكم في سباقه الحر من أجل الثروة إلى القوانين البيولوجية التي تحتكم إليها الحيوانات في الغابات : البقاء للأقوى . ولما كان الغزاة هم الأقوى فإنهم يفترسونه...(د.عصمت سبف الدوله،الشباب العربى ومشكله الانتماء). غير انه يجب تقرير ان كلا الموقفين التغريب والتقليد هما وجهين لعمله واحده هى استمرار التخلف الحضارى ، فالتغريب يقوم على القول بوجوب إلغاء القيم الحضارية للشخصية العربيه الاسلاميه واستبدالها بقيم جديدة ؛ متناسيا ان أن محاولة اجتثاث أي شخصية من جذورها محاولة فاشلة لن تؤدى إلا إلى حطام شخصية. والتقليد يقوم على الإبقاء علي الشخصية العربيه الاسلاميه كما هي كائنة ؛ متناسيا ان هذا يعنى الإبقاء على المظاهر الفكرية والسلوكية السلبية التي افرزها التخلف الحضاري. ولن تفلح المجتمعات العربيه فى تحقيق التقدم الحضارى الا بتنى موقف التجديد القائم على الغاء المظاهرالسلبيه للشخصيه العربيه الاسلاميه بالغاء سببها (تخلف النمو الحضارى)،وفى ذات الوقت ابقاء القيم الحضاريه للشخصيه العربيه الاسلاميه الايجابيه لتسهم سلبا فى بناء شخصيه مطهره من هذه المظاهر السلبيه وايجابا فى انتاج مظاهر ايجابيه جديده..

الخصخصه وتداعيات الازمه الاقتصاديه العالميه: وهناك من يفسر ثوره الشباب بانها ثوره ضد واقع اوجدته تداعيات الازمه الاقتصاديه العالميه التى بدأت في الولايات المتحدة الامريكيه و أثرت على معظم دول العالم فى مراحل تاليه . ان جذور هذه الازمه ترجع إلى صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي الربوى المستند إلى الليبرالية كمنهج والقائلة بان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع. وتاريخ النظام الاقتصادي الراسمالى هو تاريخ النمو من خلال الأزمات التي تكاد تتكرر بصوره دوريه..فالازمه الاخيره هي احد هذه الأزمات الدورية ،والتي يتم تجاوزها دائما من خلال تدخل الدولة، اى من خلال نفى الأساس الفكري الايديولوجى الذي يستند إليه النظام الاقتصادي الراسمالى. لذا كانت الدول التى اتخذت موقف القبول المطلق من الخصخصه (الاليه الاساتسيبه للراسماليه)(ومنها تونس ومصر)،هى اكثر الدول تاثرا بالازمه الاقتصاديه العالميه، لان هذا الموقف يعنى التبعية للاقتصاد الراسمالى الغربي، وبالتالي التأثر بكل أزماته الدورية.
هنا لايجب انكار انه فى ظل هذه الخصخصه تم تحقيق قدر كبير من التقدم الاقتصادى لكن السوال هنا هو: من الذى سيستفيد من هذا التقدم الاقتصادى انها الاقليه وليس الاغلبيه.
ولا يعنى ما سبق ان الموقف الصحيح من الخصخصه هوالرفض المطلق لها لان هذا يعنى العزله عن الاقتصاد العالمى بل موقف نقدي من الخصخصة قائم على التأكيد على دور الدولة في الاقتصاد مع العمل على إصلاح القطاع العام وعدم خصخصة المؤسسات الاستراتيجية والسلع الضرورية. وضمان ديمقراطية خصخصة القطاعات والسلع الأخرى بالرجوع إلي الشعب ورقابه الدولة.
مقاييس الاستقرار: كما جاءت ثوره الشباب كتاكيد على ان الحفاظ على الاستقرار لايمكن ان يتحقق الا طبقا للمقياس القانوني،اى اتفاق علاقات الناس مع القانون ، ولما كان خرق القانون ظاهرة اجتماعية متكررة في كل مجتمع فأنها لن تؤثر في الاستقرار طالما كان اكتشافها وتحقيقها وتوقيع الجزاء عليها مستقرا هو أيضا على قواعد القانون الخاص بالإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية ، أما وضع مقياس خاص للاستقرار غير المقياس القانوني فانه لن يؤدى فى خاتمه المطاف إلا عدم الاستقرار ، إذ لا يستطيع أحد من الناس وهو يمارس حياته ويدخل في علاقات خاصة أو عامة مع غيره أن يعرف مقدما أن ما يقوم به يطابق أو لا يطابق مع هذا المقياس الخاص.
ثوره الشباب ودور مصر القومى : ان انتقال ثوره الشباب من تونس الى مصر، وما ستكشفه الايام المقبله من انتقال لهذه الثوره الى دول عربيه اخرى ، يؤكد على صحه مقوله ان مصر هى قلب الامه العربيه المسلمه طبقا للمفهوم القومى وليس طبقا للمفهوم الشعوبى، فهذه المقوله طبقا للمفهوم الاول تعنى ان هناك تاثير متبادل بين مصر كجزء من كل هو الامه العربيه المسلمه ، وباقى اجزاء الامه ، فالقلب كعضو بالجسم لا حياه له الا من خلال دوره قائمه على ورود الدم له من سائر الجسم ، وضخه هو للدم الى كل الجسم ،ويترتب على ماسبق ان هذه المقوله تعنى طبقا للمفهوم القومى ان اى تغيير شامل فى الوطن العربى لابد ان يمر من خلال مصر، دون ان يعنى هذا انه يجب ان يبداْ فى مصر، لذا كانت بدايه ثوره الشباب فى تونس ومنها انتقلت الى مصر ، ولكن بانتقالها الى مصر صار من الممكن انتقالها الى كل الدول العربيه ما توافرت شروطها االموضوعيه والذاتيه . والادله على هذا كثيره فقد بل كانت بدايه الفكر القومى العربى فى الشام، لكنه لم ينتشر فى الدول العربيه الا عندما تبناه عبد الناصر فى مصر، وكان اول انقلاب عسكرى فى الوطن العربى فى سوريا عام 1949 لكن لم يتم تبنيه كاسلوب للتغيير الا عندما تبناه الضباط الاحرار فى مصر يوليو، وعندما تبنى السادات سياسه الانفتاح الاقتصادى والخصخصه بعد توليه الحكم فى مصر بعد وفاه عبد الناصر 1970 تبنت اغلب الدول العربيه هذه السياسيات الاقتصاديه، وعندما وقع السادات اتفاقيه سلام مع اسرائيل وقعت كثير من الدول العربيه اتفاقيات مماثله. اما المفهوم الشعوبى لهذه المقوله فيضع مصر فى موقع التاثير دون التاثر، ويقوم على اعتبارها كل قائم بذاته ومستقبل عن غيره، وأن غاية شرود الجزء من الكل - وهو ما يلزم من هذا المفهوم - الفشل والشلل للأجزاء جميعا.
الارتداد عن منجزات ثوره يوليو: ان التقييم الصحيح لاى تجربه هو التقييم الذى يتجاوز كل من موقفى القول المطلق والرفض المطلق إلي الموقف النقدى القائم على البحث عن أوجه الصواب وأوجه الخطأ في التجربه، وبناءا على هذا نقول ان فى تجربه ثوره 23 يوليو اوجه صواب(ايجابيات) واوجه خطا(سلبيات). من هذه الايجابيات انها اقليميا وعالميا حولت مصر الى القيادة الدولية لحركة عدم الانحياز، والمركز المرموق بين قادة التحرر العالمي، والثقل الاجتماعي والثقافي والسياسي العربى..كما انها داخليا اتخذت خطوات كبيره تجاه تحرير الفلاحين والعمال من الاستغلال، وتحرير الفقراء الكادحين من العوز، و الاستقلال الاقتصادي والتخطيط الشامل والتنمية مطردة التقدم ... ومن سلبيات التجربه المحاكم الاستثنائية ، و تحويل زنازين المخابرات العامة والبوليس الحربي إلى أماكن تعذيب وسجون، وهزيمه1967...وهى السلبيات التى اكتشفها جمال عبد الناصر وحاول تصحيحها قبل وفاته 1970. وكان من المفترض ان يستمر خلفاء عبد الناصر(السادات ومبارك) فى تبنى هذا الموقف النقدى بالحفاظ على ايجابيات الثوره وتنميتها والغاء سلبياتها، لكن ماحدث هو اتخاذ هؤلاء الخلفاء لموقف الرفض المطلق منها ، ممثلا فى الارتداد بالثوره عن مسارها ، فانتقلت الى خانه التبعيه الى الولايات المتحده الامريكيه، والتطبيع مع العدو الصهيونى، و القضاء على التضامن العربى، والانحياز الى الاغنياء لا الفقراء... وجاءت ثوره الشباب فى مصر لتضع نهايه لهذا الخط السياسى المرتد عن منجزات ثوره يوليو.
شرعيه الثوره فى الفكرالسياسى الاسلامى: وقد اثارت ثوره الشباب قضيه شرعيه الثوره كنمط للغيير فى الفكر السياسى الاسلامى .وهنا يجب تقرير ان اهل السنه يتفقون على وجوب الاصلاح( التقويم والنصح...) كنمط اساسى للتغير، كما اتفقوا على وجوب الثوره كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكليفيه( ككفرالحاكم اوعدم التزامه بالشرع مع انكاره له) لورود النصوص الداله على ذلك ومنها عن عبادة بن الصامت قال دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذعلينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)( صحيح البخاري رقم 6647)، ولكنهم اختلفوا فى الثوره كنمط للتغيير فى حاله انتفاء الشرعيه التكوينيه( كالبيعه التى يدخلها اجبار او الامام الظالم او الفاسق) الى مذهبين :
المذهب الاول (عدم الجواز) : يرى عدم الجوازالثوره على الحاكم الظالم اوالفاسق ، ويستدل بادله منها قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )﴿النساء: ٥٩﴾. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع ) ، قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم قال ( لا ما صلوا ) (صحيح مسلم رقم 4907).
يقول الامام ابن تيمية ( والصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة)( مجموع الفتاوى ، 28 ) . ويقول الامام الأشعري( و يرون الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح و أن لايخرجوا عليهم بالسيف)( مقالات الإسلاميين 323) .
و هذا المذهب مبنى على سد الذرائع ، اى المنع ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الظالم ، والمتمثله فى الفتنه والفوضى التى قد تلزم من خلعه، على المصلحه المتحققه من خلعه .
يقول البزدوي ( إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ، ولا يجوز الخروج عليه لأنّ في الخروج إثارة الفتن و الفساد في العالم)( أصول الدين 190 )
يقول النووي ( قال العلماء وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء ، وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه ) (شرح صحيح مسلم 12229 [31)
المذهب الثانى(الجواز) : يرى جوازالثوره على الحاكم الظالم او الفاسق ، ويستدل بادله منها قوله تعالى ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )﴿آل‌عمران: ١٠٤﴾. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف ، يقولون مالا يفعلون ، ويفعلون مالا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) [39]. قال ابن رجب معلق على هذا الحديث : ( وهذا يدل على جهاد الأمراء باليد ) [40].
ومنها ماروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار( أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين ) فسكتوا فقال ذلك مرتين ، أو ثلاثا ، فقال بشر بن سعد‏( لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح ) ‏(‏القدح ‏:‏ ومنه الحديث ‏\"‏ كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح ‏\"‏ أي مثل السهم أو سطر الكتابة‏.‏ النهاية ‏(‏4/20‏)‏ ب‏)‏، فقال عمر‏(أنتم إذن أنتم إذن ) ( كنز العمال لعلاء الدين بن الهندي 5 / 687 . العقد الفريد 2 /100 فيض القدير شرح الجامع الصغير 2181 ( 2 / 416 )
يقول الإمام الجصاص وكان مذهبه رحمه الله ( أي الإمام أبي حنيفة) مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور)( أحكام القرآن للجصاص 61 ).
و ذكر ابن العربي من أقوال علماء المالكية ( إنما يقاتل مع الإمام العدل ، سواء كان الأول ، أو الخارج عليه ، فإن لم يكونا عدلين ، فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك ، أو مالك ، أو ظلم المسلمين فادفع ذلك )( أحكام القرآن)

وقد ذكر أبن أبي يعلى في ذيل طبقات الحنابلة عن الإمام أحمد في رواية ) من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامــة ، وإن قدرتم على خلعه فافعلوا )( طبقات الحنابلة).
ومن علماء الحنابلة الذين ذهبوا إلى القول بخلع الجائر ، ابن رزين ، وابن عقيل ، وابن الجوزي (الإنصاف للمرداوي 10 311).
ويقول الإمام ابن حزم ( وهذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكل من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وطلحة، والزبير، وكل من كان معهم من الصحابة. ... وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك، ومالك، والشافعي، وداود، وأصحابهم. فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكراً(.
ومن الواضح ان الحكم بالمنع او الايجاب فى المذهبين مبنى على قاعده سد الذرائع وفتحها يقول القرافي ( اعلم أنَّ الذريعة كما يجب سدّها ، يجب فتحها وتكره وتندب وتباح ؛ فإن الذريعة هي الوسيلة ، فكما أنَّ وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة ؛ كالسعي للجمعة والحج ) (شرح تنقيح الفصول، ص449 ) ، فالمذهب الاول كما ذكرنا قال بالمنع سدا للذرائع ، اى ترجيحا للمفسده المترتبه على خلع الحاكم الظالم على المصلحه المتحققه من خلعه، وقال المذهب الثانى بالايجاب فتحا للذرائع ، اى ترجيحا للمصلحه المتحققه من خلع الحاكم الظالم على المفسده التى قد تلزم من خلعه. وبناء على ماسبق فان الحكم بمنع او ايجاب الثوره على الحاكم الظالم اوالفاسق هو اجتهاد لان مصدره قاعده سد الذرائع وفتحها، وهى احد مصادرالشريعه التبعيه ، و ليس اصل من اصول الدين، والتى لايباح الخلاف فيها، والتى مصدرها مصادر الشريعه الاصليه. ويمكن الجمع بين المذهبين بالقول بان الحكم بالمنع او الايجاب انما يكون طبقا لرجحان المفسده التى قد تلزم من خلع الحاكم الظالم ، او المنفعه التى قد تتحقق من ذلك، وبالتالى الحكم بالمنع على درجاته من كراه او تحريم حسب درجه المفسده التى قد تلزم من ذلك، والحكم بالايجاب على درجاته من اياحه واستحباب ووجوب حسب المصلحه التى قد تتحقق من ذلك.

والمذهب الذى نرجحه ، والذى يجمع بين مضمون مذهبى اهل السنه ، هو تقسيم الحكم على خلع الحاكم الظالم الى: حكم اصلى هو الايجاب بدرجاته حسب درجه امكان الجمع بين جلب المصلحه التى قد تتحقق من خلعه ،ودرء المفسده التى قد تلزم من ذلك دون المنع، بالالتزام بجمله ضوابط منها نبذ العنف الا دفاعا عن النفس ،واستخدام الوسائل السلميه، وعدم اللجوء الى التخريب، وعدم الاستعانه بالاجنبى ، والالتزام بوحده الصف والبعد عن التفرق... وحكم فرعى هو المنع بدرجاته حسب درجه استحاله الجمع بين جلب المصلحه التى قد تتحقق من خلعه ،ودرء المفسده التى قد تلزم من ذلك .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2564

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.صبرى محمد خليل
د.صبرى محمد خليل

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة