يا عروس المجد..!ا
02-13-2011 01:11 PM

مصر..يا عروس المجد!

رشا عوض
[email protected]

يا عروس المجد تيهي واسحبي
في مغانينا ذيول الشهب
لن تري حفنة رمل فوقها
لم تعطر بدما حر أبي
درج البغي عليها حقبة
وهوى دون بلوغ الإرب
بهذه الأبيات خاطب الشاعر الكبير عمر أبو ريشة - رحمه الله - بلاده (سوريا) بعد أن تحررت من الاحتلال الفرنسي، وما أجدر مصر العظيمة الثائرة بأن نخاطبها اليوم بذات أبيات عمر أبو ريشة وقد تحررت من نظام استبدادي فاسد مثّل هو وأقرانه في المنطقة العربية المأزومة المكلومة صورة من صور (الاحتلال الداخلي) الذي تفنن في قهر الشعوب وإذلالها وانتهاك كرامتها ونهب ثرواتها، فاستحق الحكم الوطني (المستبد الفاسد) لعنة الشعوب أكثر من حكم المحتل الأجنبي، بل أكثر من حكم المحتل الصهيوني نفسه! فكما قال محمود درويش كل الأرض العربية محتلة/ إلا الأرض المحتلة!
تحرر شعب مصر العظيم، وقد عشنا معه أيام ثورته المجيدة الثمانية عشر لحظة بلحظة، بكينا شهداء الثورة، تألمنا لجرحاها، تفاعلنا مع كل تطور جديد في مسيرتها، لم نكن متفرجين بل كنا مشاركين وجدانيا للثوار في حماسهم ،في غضبهم، في هتافاتهم، في ترقبهم للحظة الانتصار(لحظة سقوط الفرعون) وأخيرا في فرحتهم بالنصر التي اعتبرناها عرسا للمجد والحرية جديرا بأن يباركه كل أحرار العالم وشرفاؤه! ميدان التحرير المتحرق شوقا للحرية والعدالة والكرامة، والثائر على الظلم والفساد، المتصدي والمتحدي لسلطة الاستبداد، لم يكن بؤرة للثورة المصرية فحسب، بل كان بؤرة لآمالنا وتطلعاتنا، كان جابرا لخواطرنا التي انكسرت يوم انكسار أمواج التغيير الديمقراطي التي اجتاحت أوروبا الشرقية أوائل تسعينات القرن الماضي عند الشاطيء الشمالي للبحر الأبيض المتوسط! وظللنا نتساءل على مدى العشرين عاما الماضية لماذا انحسرت أمواج التغيير هناك ولم تصل منطقتنا؟ هل الاستبداد مكون أصيل وجزء لا يتجزأ من تركيبتنا الثقافية؟ هل نحن شعوب مغتربة عن هذا العصر؟ هل نحن جبناء لا نقوى على المواجهة والتضحيات؟ هل التغيير في هذه المنطقة مستحيل ولا تقوى عليه إلا الجيوش الأجنبية الغازية؟ هل سنبقى أبد الدهر بين مطرقة (الغزاة) وسندان(الطغاة)؟ هل شعوب هذه المنطقة قاصرة وغير جديرة بالديمقراطية؟ أجابت تونس ب(لا) في الرابع عشر من يناير الماضي،
وفي الحادي عشر من فبراير 2011م -أي بعد أقل من شهر- أجابت مصر بذات الإجابة!والبقية تأتي!! وهذه علامة تاريخية فارقة ليس في تاريخ مصر فحسب بل في تاريخ المنطقة ككل ! فبعد أن سقط (فرعون ذو الأوتاد) حليف أمريكا وإسرائيل لا بد أن ينبعث أمل الخلاص في نفوس كل الشعوب الرازحة تحت الأنظمة الدكتاتورية، ولا بد أن تدرك هذه الأنظمة أن لا عاصم من زحف الشعوب إذا عقدت العزم على انتزاع حريتها وكرامتها! ولا بد أن تدرك أن السباحة عكس تيار التاريخ وضد إرادة الشعوب نتيجتها الحتمية هي السقوط المدوي!
محمد حسني مبارك لم يسقط لحظة فراغ عمر سليمان من قراءة البيان المقتضب من رئاسة الجمهورية الذي أعلن تخلي الرئيس عن منصبه، فهذا السقوط الأخير هو المحصلة النهائية لسقطات متتالية! على رأسها إغلاق الباب تماما أمام التداول السلمي للسلطة عبر تعديلات دستورية مفصلة خصيصا على مقاس(التمديد لسلطة مبارك أو توريث السلطة لابنه) مع ضمان سيطرة الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة من مقاعد البرلمان عبر استبعاد الرقابة والإشراف القضائي على الانتخابات مما يجعلها تحت سيطرة وتوجيه الحزب الحاكم الممسك بمفاصل الدولة والمال والإعلام، هذا الانسداد التام في أفق التغيير والذي يكرسه بشكل حاسم سريان قانون الطوارىء منذ أن تولى مبارك الحكم قبل ثلاثين عاما، ومع استشراء الفقر والفساد، والظلم الاجتماعي في ظل تحكم 2% من المصريين في 40% من جملة الدخل القومي، ومع استفحال ظاهرة التعذيب في مراكز الشرطة والأمن، وازدياد عدد المعتقلين في السجون، إذ وصل عدد المعتقلين السياسيين إلى ما يقرب من ثمانية عشر ألف معتقل إداري! وحسب تقدير ورد في كتاب من تأليف الصحفي عبد الحليم قنديل وصل عدد العاملين في أجهزة الأمن المصرية\" 1.7 مليون ضابط وجندي ومخبر، وهو ما يعني أن هناك عسكريا لكل 47 مواطنا مصريا\" حسب الكتاب! و أشار تقرير نشر في فبراير 2008 أن \"11 مليون مواطن مصري يعيشون في 961 منطقة عشوائية\"، في الوقت الذي تبلغ فيه ثروة مبارك وأسرته حسب صحيفة القارديان ما بين 40 إلى 70 مليار دولار! انسداد أفق التغيير مع كل هذه الحقائق المرة لا يمكن أن يقود إلا إلى ثورة لا تقنع بأقل من الإطاحة برأس النظام قبل أذنابه! وقد كان!
ولكن الدكتاتور كان في عمى تام عن ذلك، لأن المستبدين لا يسمعون إلا ما تحدثهم به رغباتهم، فقد ظن دكتاتور مصر المخلوع أن حلفه المتين مع أمريكا سوف يحميه! ظن أن أمريكا يمكن أن تصطف إلى جانب (البلطجية) وتدافع عن دكتاتور مترنح تجاوز الثالثة والثمانين ومحاصر بثورة عارمة! صحيح أن نظام حسني مبارك حليف استراتيجي لأمريكا في المنطقة، ولكن انطلاقا من هذه العلاقة التحالفية نفسها نصحته أمريكا مرارا وتكرارا بإجراء إصلاحات ديمقراطية معقولة تمكن نظامه من الاستمرار في السلطة، فحسب تصنيف مجلة (باردي) الأمريكية يعتبر حسني مبارك الديكتاتور رقم 20 الأسوأعلى مستوى العالم لعام 2009، وكان قد حل في المركز السابع عشر في عام 2008 لنفس القائمة، وحسب تصنيف مجلة (السياسة الخارجية) الأمريكية يحتل مبارك المركز الخامس عشر في قائمة (أسوأ السيئين) لعام 2010 حيث تعتبره المجلة \"حاكما مطلقا مستبدا يعانى داء العظمة وشغله الشاغل الوحيد أن يستمر فى منصبه، وحسب المجلة مبارك يشك حتى فى ظله وهو يحكم البلاد منذ 30 عاما بقانون الطوارئ لاخماد أى نشاط للمعارضة ويجهز ابنه جمال حاليا لخلافته\"، وأضافت المجلة الأمريكية أنه \"لا عجب أن 23 % فقط من المصريين أدلوا بأصواتهم فى الانتخابات الرئاسية لعام 2005\"، فأمريكا من منطلق (براغماتي) بحت لا يمكن أن تدافع عن أنظمة بهذا القدر من السوء لأن هذه الأنظمة بمنطق التاريخ ومنطق العلوم الإنسانية لا بد أن تسقط رغم أنف (البلطجية) و(الأمنجية) و(الأرزقية)! ولكن سقوطها يتطلب وعيا بأهمية التغيير واستعدادا لخوض معركته مهما كلفت من تضحيات، وهي معركة لا تندلع من فراغ بل تكون نتاجا لتراكمات كبيرة من التجارب النضالية، وتراكمات من الغبن المختزن في الذاكرة الجمعية،
فالتحية لشعب مصر الذي بعث الأمل في فجر جديد في المنطقة، والتحية لشبابها الذي قدم نموذجا مبشرا بأجيال قادرة على المبادرة والتفاعل مع القضايا الكبرى بطريقتها الخاصة، التحية لشهدائها الأماجد الذين قدموا أرواحهم ثمنا لمجدها وكرامتها وحريتها، التحية لشعبها شيبا وشبابا، نساء ورجالا، مسلمين وأقباط وهو يقدم نموذجا مشرفا للنضال المدني السلمي الذي لا يتسلح بشيء سوى الشرعية الأخلاقية، التحية له وقد قدم صورة لوحدة مصر الوطنية وتماسكها حول هدف انتزاع الحرية والكرامة، التحية لجموع هذا الشعب التي نظمت نفسها بكفاءة دون وجود قيادة مركزية وعكست سلوكا متحضرا في الحفاظ على الممتلكات العامة وفي التعاون والتضامن والنظام، والتحية لجيش مصر الذي لم يصوب رصاصة واحدة إلى صدر مواطن مصري، فهو جيش يعرف أن واجبه الوطني حماية أرض مصر من العدوان الخارجي وحماية شعبها لا حماية النظام السياسي حتى إن كان رأس هذا النظام ابن المؤسسة العسكرية، والتحية لهذا الجيش وهو يؤكد أن سلطة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليست بديلا عن الشرعية التي يرتضيها الشعب، التحية لمصر الحرة التي بإسقاطها للدكتاتور استكملت عراقتها وحضارتها وجمالها ومجدها الخالد،
ولكن مهما كانت عظمة انتصار الثورة فإن على الثوار أن يدركوا أن الوفاء للثورة وشهدائها يكون ببناء نظام ديمقراطي راسخ، لأن بناء مثل هذا النظام هو الضمانة الوحيدة لطرد شبح الاستبداد والفساد من مصر، فبناء النظام الديمقراطي الراسخ في مصر هو التحدي الأكبر الآن سواء على المستوى الفكري أو السياسي، وهذا ما سأتناوله تفصيلا في مقال الخميس المقبل بإذنه تعالى.


تعليقات 6 | إهداء 1 | زيارات 2368

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#95789 [قرفان من الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2011 11:46 AM
التحية لك استاذتنا رشا__ سطورك عبرة لمن يتعظ ويسمع __ والا مصيره مصير من تكبر وتجبر

فهو ليس بأكبر منه ولا بالاقوى __ بل ذلك كان مسنودا من أكبر دولة فى العالم _ وهذا مطلوبا

من أكبر محكمة فى العالم ___ ذلك لفظه الشعب رغم أنه أحسن السيئين بالمقارنة لفرعونا__

ذلك لم يسىء لشعبه حتى آخر لحظة ___ وهذا أساء ومازال __ وفى آخر لقاء وصفه ب(النمل)

وكالعادة عزفت الموسيقى وأخذ يتمايل ويرقص ___

من أولى بالذهاب (هذا ) ام (ذاك) ________؟؟؟؟؟؟


#95211 [حامد]
0.00/5 (0 صوت)

02-14-2011 10:53 AM
لكن يا رشا ما قلتى لينا نمره اتنين الجابوهو فى مجة باردى منو ؟ وللا عشان الناس عارفينو


#94829 [زوول]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2011 04:55 PM
اخت رشا بمنطق الثورة يناير لتونس وفبراير لمصر ومارس باذن الله للسودان انشاء الله ثورة لكنس الفساد والمفسدين والقتلة الماجورين ثورة لتحرير السجناء الاشراف من سجون نظام المؤتمر العفنى ثورة ليشعر كل ابناء بلادى بالحرية والانعتاق من اذلال كلاب الجبهه المسعوره -- من هنا اناشد كل شباب الراكوبة المستنير بالكتابة الحماسية وترك كل مايثبط الهمم من شاكلة البديل وخلافة فالمهم الان هو اقتلاع نظام ابوالعفين وبعد ذلك لكل حدث حديث


#94816 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2011 04:25 PM
لك التحية وانت ترسلين التحايا المتلاحقة للثوره وشبابها كأنما تتمنين ان تكون هي طريق الخلاص لبلدك المنكوب بهذا النظام الفاسد الذي اورد البلاد والعباد مورد الهلاك والتشرزم والفتن فالفساد هو الفساد ونزيد علي مصر بالتقسيم والعنصرية الجهوية فهلا هب شبابنا من اجل الخلاص؟.


#94755 [أبورماز]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2011 02:37 PM
عندما تتناولين ضخام الأمور والأحداث يا رشا نشفق عليك من ( العتره ) لكن دائما ما تعترينا نحن .. وعندما نحس بأننا نتنفس بعد الإنتهاء من قراءة مقالك نحمد الله أن بيننا بنتنا رشا ..

لذا فلنقرأ مره ومرتين وثلاث .. ثم نتأمل .. وهذا ما سأفعله مع خالص الشكر لمن :

وكأن الميلاد تعدى الخمسين وكأن مدادك من مرجل يغلى وقلمك فى حد السكين ..


#94744 [خالد حميدة]
0.00/5 (0 صوت)

02-13-2011 02:21 PM
بلغةالمصرييييييييين يابت ياجضعة تستاهلى تكونى مصريييييييييييييييييييييييييييية


رشا عوض
رشا عوض

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة