المقالات
منوعات
قصة شاعرين .. طه الضرير في ذاكرة ووجدان الطيب ود ضحوية (1-3)
قصة شاعرين .. طه الضرير في ذاكرة ووجدان الطيب ود ضحوية (1-3)
08-20-2014 03:16 PM

لعل دارسي الأدب الشعبي وتاريخه الحديث يجمعون ـ كما أرى ـ على أن الطيب ود ضحوية وطه الضرير هما أكثر زعماء الهمباتة شهرة وصيتا، وأنهما الأكثر إجادة لشعر الدوبيت المتعلق بأدب الهمبتة، فقد ملكا نواصي كلمه، وشوارد قوافيه، ورفداه بالمعاني المبتكرة، والمفردات الفخيمة، وبالرنين العالي، والإتعاشات الموسيقية الراقصة، لما إمتازا به من موهبة شديدة الكثافة متناهية العذوبة، ولقد إمتاز الطيب ود ضحوية بالإكثار الشعري الذي خلا من الغث، ويكاد شعره وحده أن يقدم لنا صورة متكاملة لحياة الهمباتة في كافة مناحيها وفي كل مجالاتها، فمن هو هذا الرجل؟! إنه الطيب عبدالقادر سليمان الذي غلب عليه لقب (ود ضحوية) و(ضحوية) هي جدته وتنتمي إلى بيت يقرب للسروراب بكبوشية، وقد أطلق إسم الضحواب على هذا الفخذ من تلك القبيلة نسبة لجدته، وقد إتصفوا بشراستهم في القتال فلقبوا بوجوه الدم، قال مرة يخاطب جمله(العاليابي):
يا العَليابي أَختر ما عليك بالهم (1)
واطري المدة عن ستك واخرت الزم (2)
عند الحارة فوق رسنك بموت حرم
أخلو الديرة أسيادك وجوه الدم
ولد الطيب بقرية تسمى الضيقة، وهي إحدى قرى الجعليين المنتشرة على الضفة الشرقية لنهر النيل، وتقع بين منطقة العلياب وجبل أم علي، والراجح أن حياته أمتدت لنحو من سبع وخمسين عاماً في الفترة ما بين عامي 1886 و1943م وهما تاريخي ولادته ووفاته. والطيب ينتمي إلى قبيلة الجعليين، فوالده ينتسب إلى المسانداب ووالدته إلى السروراب، وهما فرعان من فروع قبيلة الجعليين. أرسله والده في صغره إلى أخواله السروراب ليلتحق بالخلوة، حيث حفظ فيها ما تيسّر له من القرآن الكريم، ونهل ما نهل من علوم الفقه والحديث.
وعندما بلغ التاسعة عشر من عمره إقترن بابنة خاله الفكي سرور.
منذ فجر صباه بدت عليه مخائل العلم والفقه والأدب، وكان والده يعده للدراسة في الأزهر الشريف آملاً أن يعود لابنه بعد حين عالماً أزهريا، غير أن هذا الأمل خاب وزرته الرياح، فالطيب الذي كان مستعداً نفسياً وفكرياً للسفر إلى مصر والإلتحاق بالأزهر غيّرت مجرى حياته حادثة مقتل شقيقه الأكبرعلي الكرار ود ضحوية،الذي كان مرتبطاً به إرتباطاً وجدانياً، فقد كان يحبه لكرمه وشجاعته، وقد عُرف عن الكرار أنه فارساً مغواراً و من أساطين الهمباتة،ولقد حدث أغار ذات مرة على قبيلة الهواوير و نهب منها إبلا كانت من بينها ناقة تمتلكها شاعرتهم (ريا) ففزعوا (3) خلفه بقيادة فارسهم الذي يدعى علي ايضا وعندما أدركوا الكرار قتلوه ومثلوا بجثته وأحرقوها بحطب شجر الهشاب، واستعادوا إبلهم وناقة شاعرتهم ريا . لما بلغ هذا الخبر الطيب أضمر في نفسه الثأر، وقال لقومه الضحواب أنه سيثأر لمقتل شقيقه بقتل قاتله (علي) غير أن ريا قالت متهكمة:
يا الضحواب جميع مفقودكم الكرار
وضلوعوا بطقطقن تحت الهشاب والنار
وينو الطيب القايل بجيب التار
يسلم لي علي العوزكم الدوار (4)
ضاعف ما قالته ( ريا ) من أحزان و أوجاع الضحواب وأخذت شقيقة الطيب ورفيقاتها ينتحبن ويذرفن الدمع السخين، فنظر الطيب الى أخيه الصادق الذي كان مطرقاً وحزيناً، ثم أشاح بوجهه إلى النافذة و أمعن النظر إلى شقيقته والدموع تنهال على خديها، و في مكان غير بعيد رأى ودضحوية جمله (الحوري) يتغذى على بعض النباتات، فالتفت مرة أخرى للصادق ونظر لاليه نظرة وشت بما عزم عليه، ثم أخذت عيناه ترنوان إلى جمله الحوري وقال:
أكل الخلفه وقبّل على المنسية (5)
وشمخ الحوري لي كتلة عريب ناس ريا
إان ما اسكت الباكيات واخلف الكيّه
قولة أبو فاطنة يا الصادق خسارة عليا
ثم توشح سيفه وامتطى ظهر الحوري باحثاً عن (علي) قاتل شقيقه، فتقابله معه وجهاً لوجه على ساحة الثأر، والطيب يقول له لن أغدر بك كما غدرت بشقيقي الكرار، ولكني سأقتلك وفقاً لقواعد الفروسية وأصول المبارزة فاستعد بسيفك، ومن خلال مبارزة عنيفة لاستطاع الطيب أن يجهز على غريمه، وقام بجز شعر رأسه وحمله لالى شقيقته فاطمه، فأحال حزنها الى فرح، وبدأ الضحواب ولأول مرة يتقبلون العزاء في فقيدهم الكرار، وتغيّر مجرى حياة الطيب بعد هذه الحادثة فسار على درب شقيقه القتيل، درب الهمبتة الطويل الوعر، الذي جمعه بصديق عمره طه الضرير، وكان للقائهما قصة شعرية، فقد تم اللقاء في مجلس من المجالس، وهما لا يعرفان بعضهما، غير أن كلاً منهما كان يسمع عن مغامرات الآخر وصفاته دون أن يراه، وضم المجلس شاعراً وهمباتياً آخر هو (على ود الفقير)، وكما جرت العادة في المجالس أخذ الثلاثة يتساجلون بالشعر.. وبدأ الطيب المساجلة قائلاً:
ماني شغيل بيوت بعقب بحل الصره (6)
وما بتبن الجاره واخون الحره (7)
بازل مالي للازمني واقف بره (8)
وسايم روحي لليوم البقولو مشره (9)
وقال علي ود الفقير مجارياً:
ماني شغيل بيوت الناس بتكره جيتي
وماني بتبن الجاره واخونا وليتي
بازل مالي لي اخواني البعرفوا صتيتي (10)
وسايم روحي للفارس البقولوا ضميتي (11)
وختم طه المجاراة قائلاً:
ماني شغيل بيوت القليه كارف ريحا (12)
وماني الأرمل النازل على التلقيحه
بازل مالي للازمني شيك وضبيحه
وسايم روحي لليوم الختوتو قبيحه (13)
فقاد حدس الشاعرين الفارسين إلى معرفة كل منهما للآخر بالاسم دون أن ينطقا به، وبدأت الصداقة تنسج خيوطها بين الرجلين من فتائل المودة والمحبة، واستعدا لرفقة طويلة لامتدت بأمتداد العمر، وحملت من قصص المغامرات والوفاء ما حملت.
عُرف عن الحاج عبدالقادر ود سليمان والد الطيب ثراءً واسعاً وسعةً في الرزق، وقد حاول أن يثني لابنه عن السير في درب الهمبتة بشتى السبل، ويقال إنه في سبيل ذلك عرض عليه نصف ثروته، ولكن كان السيف قد سبق العزل، فالطيب أصبح عضواً في منظومة الهمباتة، وضمن نسيجها القوي، ومن زعمائها المحبوبين، وولع بها ولعاً شديداً، قاده إلى عدم الاستجابة لنداءات والده المتكررة، ولم يترك العمل بها إلا بعد أن أعجزه المرض، إلا أن الأوبة كانت تقع أحياناً في بؤرة حنينه، فيحاول أن ينفي هذه المشاعر ويقاومها والتي تهجس له بعد حين وآخر بهواجس تدعوه للعودة، فيجاوب نداءها بهتاف ضعيف من أغوار وعيه، فإذا لانتصرت عليه شد رحله نحو الديار حيث مثوى أهله ومراتع صباه فيعانق أباه، وقد يغريه البعض بالبقاء وإمتهان الزراعة التي لا يحبها ولا يعرف أصولها، فيمكث قليلاً ثم تنتابه مشاعر الهمبتة ولذاذاتها فيعود إالى سيرتها التي اتخذها منهجاً لحياته وأحبها بعمق. بيد أن الطيب وقبل وفاته التي حدثت بمنزله بكبوشية لإنقطع للصلاة والعبادة وتلاوة القرآن. وقد خلف الطيب وراءه بنتاً تدعى فاطمة الزهراء، وكان يعتز بها لاعتزازاً عظيماً، وذكرها كثيراً في شعره، لذا كانت أحب الألقاب إالى نفسه هو لقب أبو فاطمة.
وقد وصفه من رآه أنه كان مربوع القامة، أسمر اللون، مشرب بحمرة، كثيف شعر الرأس والجسد، قوي البنية، متوسط البناء، يتزين وجهه بالشلوخ وبمزيج من القوة والعطف.

الهوامش:-
1- العاليابي: أسم جمل الشاعر سماه منسوباً للعالياب.
2- أختر: أمشي وأسرع، وأصلها الفصيح خطر.
3- فزعوا: من الفزع وهو طلب النصرة خلف اللص أو الهمباتي.
4- العوزكم: الأحوجكم أو منعكم، والدوار المشي بالإغارة.
5- الخلفة: هو ما يتفرع من ساق الزرع من أسفله لساق أخرى أو فروع أخرى. المنسية: هي الحشائش على الارض التي تنسى أن تقطع في المرة الأولى.
6- شغيل بيوت: هو من يقبع في الدور يعمل فيها وتقعده همته عن النهوض. الصرة: ما تضع فيها النساء أموالاً أو غذاء.
7- أتبن: أتحسس أو أتفقد وجاءت هنا بمعنى خدش حياء المرأة أو الإعتداء عليها أو مراودتها.
8- بازل: أصلها الفصيح من بذل. اللازمني: الذي يحتاجني.
9- سائم: بائع. مشره: من الشر.
10- صتيتي: سطوتي.
11- ضميتي: الصنديد.
12- القلية: ما يقلى كالبن.
13- الختوتو: يعني خطوته.
[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 8545

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1085650 [ابزرد]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2014 03:25 PM
قال عند وفاته يا نفس السجم المتعه كملتيها عاد اتصبري ان القرعه وقعت فيها

[ابزرد]

#1085315 [الشاف بى عينو]
4.00/5 (1 صوت)

08-21-2014 10:56 AM
فى مقابلة تلفزيونية فى الثمانينات مع الضرير بصف فى ودضحوية من ضمن ما قال قال لمن تسلم عليهو زى الماسكلك قالب طوب، من الأشعار المنسوبة للفارس ودضحوية عندما تم القبض علية من قبل الشرطة وبتعافر مع العسكري قال ليهو

مادفرنى يا العانى أب خلقتن شينة
غلتانة الحكومة الادتك قربينة
كان مى القسمة والزمان الفينة
ببيعتك عندى زى الضحكة ولعبة الكشتينة

رحم الله هؤلاء الافزاز

[الشاف بى عينو]

#1085291 [الشاف بنى عيون]
0.00/5 (0 صوت)

08-21-2014 10:42 AM
يا العَليابي أَختر ما عليك بالهم (1)
واطري المدة عن ستك واخرت الزم (2)

تصحيح
اختر ليس من الخطر ، وإنما مقصود بها التبختر و هو المشى بثقة وعليا وفخر
وأخرت الزم الصحيح اخير الزم وهى بمعنى أحسن لك ان تتجلد وتثبت من الثبات

[الشاف بنى عيون]

#1085043 [Abdu]
0.00/5 (0 صوت)

08-20-2014 11:50 PM
Thank you that was a good piece of information, I used ti listen to his series along time ago from Umdurman Radio

[Abdu]

#1085036 [ابزرد]
0.00/5 (0 صوت)

08-20-2014 11:34 PM
في احر من الجمر لسماع الجزء التاني جزاك الله خيرا اعتقد ان لهؤلاء الابطال صور موثقه.

[ابزرد]

#1084979 [المك]
0.00/5 (0 صوت)

08-20-2014 09:26 PM
اللهم ارحم د0شرف الدين الامين عبد السلام مؤلف كتابى - الهمباته فى السودان - الطيب ود ضحويه حياته وشعره 0

[المك]

#1084886 [سعيد لورد]
5.00/5 (1 صوت)

08-20-2014 06:38 PM
لقد تهكم الطيب ود ضحوية من رفيقه طه الضرير مشيراً إلى أنه من أسرة غنية عاش في رغد من العيش والرفاهية ( حنكوش ) مرطب يلقاها باردة

حيث قال الطيب ود ضحوية مخاطباً رفيقه طه الضرير:

زمنك كلو تاكل باردة ما تضوق حارة
درق البازة جاك متل السحابة الشارة
حس أب جقرة والقربين صواقعاً كارة
أركز للتجيك اطره أم حمد والسارة

ويرد عليه طه الضرير مخبراً له بانه لم يرافقه كثراً حتى يقول مثل هذا القول:
و بأنه ترك نعيم العيش و عاش حياة الهمبتة حيث قال:

باكل حارة ما اضوق باردة ماك دارينى
أسأل مني رفاقى البعرفوا قرينى
حس أب جقره والقربين دوام بارينى
انا اخو السارة كان يبقى الحديث عانينى
ــــــــــــــــــــــ
و قال مخاطباً ناقته:
يا الدجال بقت قصتنا اتحكوبا
لا مصروف و لا بتنفع قنع فد توبة
ما تسمع كلام الأمة دي المرعوبة
ما بتزاد عليك يا المن نشيت مكتوبة
ــــــــــــــ
لكل أجل كتاب الأعمار مكتوبة

[سعيد لورد]

#1084837 [شهيد مشروع الجزيرة]
5.00/5 (1 صوت)

08-20-2014 05:21 PM
اسعدك الله يا سعد فقد اسعدتنا بهذه الدرر

التي نحن في احوج الظروف اليها بعد ام نكاثرت

علينا الهموم والغموم وما فعلته فينا الانقاذ

حتى انستنا كينونتنا وتراثنا وتاريخنا

اروينا يا اسعد اروينا فقد جف حلقنا بتجرع

المرارات والحسرات على ثقافتنا وحضارتنا الذي

يريدون استبدالها بالمشروع الحضاري .

شكرا اسعد ونحن دائما على الموعد معك وفي انتظارك.

[شهيد مشروع الجزيرة]

ردود على شهيد مشروع الجزيرة
European Union [الشاف بى عينو] 08-20-2014 10:27 PM
شكرًا اخى ، فى الحقيقة أنا النزلت المقال فقد قراتة وأعجبت بة ولندرة ما يكتب عن الهمباتة وثقافتهم وأشعارهم وما تحملة من قيم عالية رغم ان غايتهم ليس السرقة فقط وإنما إبراز معانى الرجولة و الفتونة وعدم الدنو نحو الجارة و الترفع من الدنيئة رأيت ان أشرك قراء الراكبة لعلمى لحوجتهم لاجترار هذه المعاني فى هذا الزمن زمن التوجة الحضارى الذى أبهم القيم السودانية الأصيلة، شكرًا للباحث و ابن الشاعر الفحل اسعد الطيب العباسى، هذه المقالات الثلاث رغم روعتها الا انها لا تروى ظمأ القاري فنرجو المزيد من الحفريات فى هذا المنجم


أسعد الطيب العباسي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة