المقالات
السياسة
سميح القاسم.. ما تيسر من سورة الموت
سميح القاسم.. ما تيسر من سورة الموت
08-21-2014 01:20 PM


وأخيراً جاءه الموت الذي طالما عشق انتظاره، وسرعان ما لبى نداءه وترك حذاءه ورحل بمعيته حافياً الى حيث يريد. ربما لا أحد في العالمين ناجى الموت كما فعل سميح القاسم وصفيه محمود درويش وصلاح أحمد إبراهيم فكلنا ينتظر-تضرعا وخفية- أن يطرق الموت بابه إلا درويش كان من الصادقين إذ قال: (أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض/ انتظرني في بلادِكَ/ ريثما أُنهي حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي/ قرب خيمتكَ، انتظِرْني ريثما أُنهي/ قراءةَ طَرْفَةَ بنِ العَبْد) . ثم خرج في اسره صلاحا هازئا به حينما قال: (ما الذي أقسى من الموتِ؟ فهذا قد كََشفْْنا سرّه، وخَبََرنا أمرَه /واستسغْنا مُُرّّه/ صدئت آلاتُُه فينا ولا زلنا نُعافرْ). ثم يأتينا نبأ ثالثهم سميح اذ دخل على الموت في محرابه وهو يقول (أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك/ أعلمُ أنّي تضيق عليّ ضفافك/ وأعلمُ أن سريرك جسمي/ وروحي لحافك/ أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك).
يعد سميح القاسم ثاني اثنين في فضاء الشعر مع صاحبه محمود درويش وسارا سويا يدا بيد في دروب نثر القصائد وهلهلة الاشعار التي عرفت اصطلاحا بـ(شعرالمقاومة) وجمعت بين الاثنين قواسم مشتركة عظمى بجانب الروح الرفاقية الفياضة، فالاثنان من عرب (48) وهم العرب الذين اختاروا البقاء خلف خطوط الهدنة التي اعقبت حرب 1948م. وكانا يحملان معا بطاقة الانتساب للحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي، ودلق حبر كثير في انتمائهما لـ(راكاح) وخاض خائضون في هذا الشأن حتى زمان قريب دون علم ولا هدى ولا كتاب منير.
والاثنان تخيرا سويا أن تمر أشعارهما المذهبة الحواشي نغما عبر حنجرة الفنان اللبناني الواعي بقضايا شعبه وأمته مارسيل خليفة، الذي غنى باقة لدرويش بينها (أنا يوسف يا أبي) و(ريتا) وعداهما وتغنى لسميح بـرائعته (منتصب القامة أمشي).. والأخيرة اوشكت أن تتحول الى ايقونة وطنية للأجيال التي شهدت المحنة التي تلت الاجتياح الإسرائيلي المذل الى لبنان في يونيو 1982م والذي سينسج درويش فيما بعد من وحي تفاصيله الجارحة معلقته الأسطورية (مديح الظل العالي).
وبعد بضع سنين من حصار بيروت وسوست لهما أنفسهما الأمارة بالآداب أن يتبادلا باقة رسائل باذخة ملأت الدنيا وشغلت الناس وسماها البعض رسائل بين شطري البرتقالة أو جناحي طائر، في إحداها يقول درويش لسميح: "سنكتب، لا شيء يثبت أني أحبك غير الكتابة، أعانق فيك الذين أحبوا ولم يفصحوا بعد عن حبهم، أعانق فيك تفاصيل عمر توقف في لحظة لا تشيخ” ويقول له ايضاً :"اشرحْ صبرك، أو فاشرحْ ضيقَ صبرك فهل سيفهم أحد ما تعاني، وما تكابد، أيّهذا الناجي من العواصف بعاصفة، أيّهذا الطاهر في وحْل المفارقات لكن الأبيض أبيض".
ويرد عليه سميح بقوله: "هل أذكرك بقصة أخرى من قصص الجوع اللذيذة؟ حسنا. ها أنت ذات مساء تأتي إلى منزلي في شارع يافا، تلوب قليلا ولا تستقر على مقعد، تمسك كتابا وتفتح راديو. تغلق النافذة وتفتح الثلاجة ثم تصرخ: ” أريد أن آكل. أنا جائع! ” وأهدئ من روعك: ” لا بأس عليك، إنني متضامن معك، ضع جوعك إلى جانب جوعي وسنحظى بوجبة فاخرة".
ويقول ايضاُ: "بخاطرك" لماذا أتوقف عند هذه الكلمة؟ آه صحيح لأنك لم تقلها لي حين أرهقتك ليلة ما في موسكو فشددت مصر الى ما تحت أنفك. لقد أحزني رحيلك اكثر مما أغضبني. كان في رحيلك قسط من الأنانية بقدر ما كان مماثل من الأنانية في سخطي عليك. والغريب في الأمر أن كتيبة بأكملها من الكتاب والصحفيين والشعراء والقراء رأت في (حادث الطرق) هذا منطقاً تاريخياً لتجديد أمجاد القيسة واليمنية حتى انهم اقسموا بلا رعشة هدب أن قصيدة (اليك هناك حيث تموت) موجهة اليك رغم أنها نشرت قبل رحيلك بعامين. هكذا كان . بيد أن قصيدتنا المشتركة في الرامة ودير الأسد وحيفا وحبنا المشترك وسجننا المشترك ونضالنا المشترك وجريدتنا المشتركة وذاكرتنا المشتركة، هذا العالم الزاخر بالفرح الدامي، الجياش بغبطة التحدي وكبرياء الألم، كان رأس النبع الذي اكتشفناه وها نحن نعود اليه".
ولسميح نهج يميزه في القاء قصائده اذ ينفعل بها ومعها أمام الجمهور حتى تحس أن روحه ستزهق معها ويتبدى هذا واضحا في كل قصائده لاسيما الممجدة لأبطال وضحايا المقاومة الفلسطينية. كيف لا والرجل لزم لوح قضيته متبتلا في محرابها عشقها رافضا الوسطية او المساواة. لم يضعف ولم تلن له قناة ويهن حتى بعد أن هان كل شئ بعد بردت جذوة الثورة المتقدة في قلوب الثائرين واشياعهم.
وكما لدرويش صلات مائزة بالسودان روحا ومعنى وتحفظ له الذاكرة السودانية بليال شعرية تهز وترز كان لسميح ايضا صلة قوية لاسيما مع قوى اليسار والحزب الشيوعي السوداني على نحو خاص، وبين يدي محنة يوليو 1971م قدم سميح مرثية لعبد الخالق محجوب في سياق المراثي التي جاءت تترى من كل حدب وصوب لروحه السمح وعبقريته الوثابة سماها بـ(الخبر الأخير عن عبد الخالق محجوب) التي افترعها بقوله: (شهقت غابة مانجو ناضجة يا حبيبي ! خض أسراب العصافير حجر شهقت أفريقيا الأخرى وصاحت: يا حبيبي! ونعاك الضوء للضوء نداء ..لا خبر).
في تساؤلات الموت التي طرحها ثلاثتهم صلاح وسميح ودرويش بتؤدة وطمأنينة قال الأخير: "لا أعرف الشخصَ الغريبَ ولا مآثرهُ/ رأيتُ جِنازةً فمشيت خلف النعش/مثل الآخرين مطأطئ الرأس احتراماً/ لم أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟).. والآن هل لنا أن نتساءل نحن هل عرفتم من هو الشخص الغريب؟!!.

التيار
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1140

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




خالد فتحي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة