المقالات
السياسة
كتاب الديمقراطية السودانية لحيدر إبراهيم على
كتاب الديمقراطية السودانية لحيدر إبراهيم على
08-22-2014 08:00 PM

كتاب الديمقراطية السودانية – المفهوم – التاريخ – الممارسة – لحيدر إبراهيم علي:
الديمقراطية بين المضمون والطقوس الشكلية

صدر حديثاً – نوفمبر 2013 - للباحث والأكاديمي السوداني حيدر إبراهيم علي (الحضارة للنشر- القاهرة 2013) كتاب يتناول فيه تجربة السودان مع "الديمقراطية". ولا يخفى على القارئ أني وضعت الكلمة بين أهلة لإشكاليات تعريف الديمقراطية من جهة ولأن ما طبق على فترات متقطعة في السودان على أنه "ديمقراطية" يضعه الكاتب نفسه مراراً تحت مجهر النقد.
الموضوع كما قد يرى القارئ في غاية الأهمية، ليس للسودان فقط بل لمجمل بلادنا التي ما زالت تتخبط في مأزق سياسي واجتماعي كبير لا يبدو له في الأفق القريب مخرج. والمسائل التي تظهر في الكتاب، سواء التي كانت موضوعاً لبحث المؤلف أو التي ظهرت بدون نية لبحثها كونها ملتصقة التصاقاً لا ينفصم بمواضيعه، هي مما يجب على المهتم العربي بالشأن العام أن يناقشها للوصول إلى فهم أفضل لها يتيح له التعامل معها بفاعلية أكبر.
في هذا المقال ليس في نيتي لا عرض الكتاب بأكمله ولا مناقشة كل القضايا التي يثيرها (بالطبع)، وإنما سأكتفي بعرض بعض المواضيع التي أراها مهمة من جهة وتؤشر من جهة أخرى إلى منهج المؤلف في العرض والتحليل.
1- الديمقراطية بجميع الأحوال- لا للتحجج بالخصوصية:
رغم إقرار المؤلف ببعض الصعوبة في إيجاد تعريف جامع مانع كما يقال للديمقراطية، لكنه ينقل رأي من يرون (دون أن يسميهم، ولكن يقول إنهم على ما يبدو يوافقون المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية الذي روّج له روّاد مثل لوك ومونتسكيو) أن ثمة معايير يمكن أن نطلق على مؤسسة ما صفة الديمقراطية إن اتصفت بها، مثل المشاركة الفعالة والمساواة في التصويت والفهم المستنير للبرامج والبدائل وتضمين كل من لهم حق في التصويت. يرى المؤلف أنه "رغم أي اختلاف في المعنى أو حتى حول فعالية الديمقراطية، فقد صارت مبدأ إنسانياً عاماً، وممارسة سياسية عالمية".
رغم تعاطف المرء المؤكد مع الطرح الديمقراطي الذي يشبه ما كان يقوله لينين عن السياسة أنها أقرب إلى علم الجبر منها إلى علم الحساب، لأنه مهما اشتكى من فقدان الدقة والثغرات المؤكدة يظل أنسب لمجتمعنا من الطروحات الاستبدادية السائدة التي وصلت بنا أخيراً إلى مستوى منحط من الهمجية لم نبلغه في تاريخنا القريب على الأقل، إلا أنه لا بد له أن يسجل هنا أن دفاع المؤلف المتحمس عن الديمقراطية، رغم إخفاقها في اجتياز الامتحان العملي في بلادنا المرة تلو المرة، يشبه دفاع أهل أيديولوجيات أخرى عن صحة أفكارهم رغم إخفاقها العملي قائلين إن "العيب ليس في الفكرة بل في التطبيق"! وبالفعل هذا ما يقوله المؤلف حرفياً.
يرفض المؤلف في البداية التحجج بخصوصية بعض المجتمعات لرفض الديمقراطية وهو عنده "مجرد لغو لا يسنده منطق أو عقل، فقد يمكن الحديث عن آليات بعينها مثل التعدد الكبير في الأحزاب أو نظام انتخابي؛ بأنها غير ملائمة لظروف البلاد . وفي هذه الحالة قد تكون المشكلة أساساً في الآليات ووسائل التطبيق والممارسة، ولكن ليس في المبدأ أو الفكرة. ففي مجتمعات عديدة يكون فشل التجارب الديمقراطية بسبب عدم تكوين المؤسسات والنظم القادرة على تطبيق مطلوبات البناء الديمقراطي الذي يحقق الممارسة الصحيحة. كما يمكن ظهور قصور في القوانين المسيرة للعملية الديمقراطية وصيانتها. ولذلك لا بد من تأكيد فكرة أن علاج سلبيات الديمقراطية هو بمزيد من الديمقراطية." (ص 5)
وفي الحالة السودانية يرى المؤلف أن الديمقراطية السودانية (التي حكمت لفترات متقطعة قصيرة) قد خلت من كثير من المعايير المطلوبة والمرغوبة عدا حق التصويت وطقوسية الانتخابات بحيث يمكن الاكتفاء بتسميتها "البرلمانية السودانية" (ص6).
أخذ السودان بنظام "صوت واحد لشخص واحد" وهو نظام يقود في رأي المؤلف في ظل الأمية التي تجاوزت سبعين بالمائة إلى أن لا يكون الاختيار حراً ناتجاً عن دراسة مستنيرة للبرامج، من جهة أخرى كانت الولاءات الطائفية والانتماءات القبلية قيداً على الحريات التي تكفلها الديمقراطية.
تعثرت هذه "البرلمانية السودانية" في كل مرة كانت تجرّب فيها وكانت تنتهي دوماً بحكم العسكر، غالباً عبر انقلاب، باستثناء المرة الأولى حيث سلّم عبد الله خليل، رئيس الوزراء المنتخب "المتسم بالكرم والأريحية" في "واحدة من تجليات كرمه على ما يبدو" السلطة للعسكر طوعاً وباختياره صبيحة افتتاح البرلمان في 17 نوفمبر 1958! (ص204).
يورد المؤلف أربع مشكلات مزمنة تواجهها التجربة الديمقراطية السودانية: تمازج الدين بالسياسة - دور الجيش في الحياة السياسية - قضية الوحدة الوطنية والتكامل القومي -الفشل التنموي والأزمة الاقتصادية (ص 10-12).
وهذه العوامل (كما يرى القارئ) تمكن رؤيتها في بلاد عربية مختلفة، وتكاد تكون مشتركة بينها. وسأعود إلى موضوع تمازج الدين بالسياسة بعد قليل.
2- دفاع عن التنظير:
من جوانب الكتاب التي نالت مني عالي التقدير دفاع المؤلف عن النظرية والتنظير، وهو يأخذ على السياسيين السودانيين الدخول في الممارسة دون الاهتمام بالتنظير "اهتم السياسيون السودانيون عموماً بالديمقراطية العملية، فهم دخلوا مباشرة في الممارسة، ولم يهتموا بالكتابات والتنظير في الديمقراطية نفسها كمفهوم ونظرية متكاملة. ومن هنا جاءت علة الثقافة السياسية الديمقراطية كما يظهر في عدم الاهتمام بدقة المفاهيم، وعدم وجود نماذج استرشادية (Paradigms). والسودان مليء بالسياسيين، ولكن لم يظهر زعيم قومي مفكر ينظّر وينظم الجماهير ويحركها. وفي الخاطر الهند ونهرو لتشايه الظروف المعقدة. وكانت الغلبة للعمل السياسي المباشر على حساب الفكر السياسي.وسادت الشكلانية أو الشكلية والتجريد والرومنسية على مفهوم الديمقراطية. ولم يترك جيل الرواد (ممن كتبوا مذكراتهم) أدبيات نظرية في الديمقراطية، وحتى فترة الاستقلال وما بعده. ويظهر في كتاباتهم الاهتمام بالنتائج العملية/النفعية (البراقماتية) لأي سلوك سياسي، وبالتالي اعتبر تحقيق الاستقلال بهذه السهولة إنجازاً كبيراً ونجاحاً لا يضاهى. ولم يطالب السياسيون بعد الاستقلال بأكثر مما حدث, واستمرت توجهات عدم الاهتمام بالتنظير والذي أصبح – في معظم الأحيان – صفة سيئة السمعة. وكثيراً ما نسمي في معنى التحقير والتهكم: "إن فلاناً منظراتي ساكت"، وقد يكون السبب منطقياً، حين يتوقف هذا الفلان عند مرحلة التنظير فقط.
وحدثت عملية تقسيم عمل غير مقصودة – بين النظريين والعمليين – وكأن لكل منهم مملكته، وظل أغلب الساسة السودانيين يفضلون الطريقة العملية البلدية في تسيير الأمور السياسية" (ص8).
نتج عن ذلك في رأي المؤلف اتخاذ السياسيين موقفين متناقضين تجاه الخيارات الديمقراطية غير المعللة نظرياً: إما أن يقال "إن السوداني بفطرته ديمقراطي" أو يقال على العكس "الديمقراطية غير صالحة للسوادنيين لأنهم ميالون بطبعهم للفوضى". يربط المؤلف بين هذا الابتعاد عن التفكير والتنظير وبين العشوائية في العمل والتزام طريقة "التجربة والخطأ" وعدم الالتزام الصادق بالخيار الديمقراطي كما نرى في حالات متعددة أيدت فيها الأحزاب الانقلابات العسكرية أو خططت هي نفسها لانقلابات.
يبقى هذا الدفاع عن التنظير حالة نادرة مطلوبة وجديرة بالثناء في زماننا هذا الذي سادت فيه الساحة العربية موجة (بعد ثورات 2011) تحتقر النظريات مع احتقارها للأيديولوجيا المربوطة تعسفاً مع تجارب الأحزاب القومية والاشتراكية في الحكم ويردد غالباً المأخذ الغريب على أحزاب معارضة قديمة أنها لم تستطع استلام السلطة!، ولعل القارئ يرى أن الثورات العفوية التي نجحت في قلب الحكام (عندما لم يتدخل الجيش ضدها) لم تستطع بناء بديل بالتحديد لأنها مفتقدة للفكر والنظرية مما أدخلها في أفعال مرتجلة سهلت على قوى النظام القديم استعادة زمام المبادرة (مصر واليمن) أو ساعدت النظام في خطة التدمير الممنهج للبلد والمجتمع (سوريا).
يستطيع القارئ أن يجد في الكتاب رغم ذلك استعراضاً لكتابات كتاب سودانيين عن مسائل الدولة والديمقراطية لا يعرفهم أغلب القراء خارج السودان من أمثال أحمد خير و محمد أحمد المحجوب والشيخ علي عبد الرحمن الأمين الضرير وعبد العزيز حسين الصاوي ومحمد علي جادين، علاوة على منصور خالد، والأخير هو من أغزر الكتاب نتاجاً وله ميزة المشاركة العملية في السلطة ثم المعارضة (في فترة نميري) وله تقسيم طريف يهمنا هنا لأهل السياسة في السودان بين "أهل نظر وفعل" (ويتمثلون عنده في الماركسيين واللبراليين) و"أهل نظر بلا فعل" وهم موجودون في مواقع اليمين واليسار، و"أهل فعل بلا نظر" وينطبق هذا التوصيف عنده على العسكريين خصوصاً! وهذه الأصناف الثلاثة في رأيه موجودة في غير السودان أيضاً وأخيراً تأتي فئة يقول إنها خاصة بالسودان وهي "مدرسة المشاغبين" وهم قوم يكتفون بالشعارات والصراخ بجمل مثل جمل الدراويش الذين يصيحون في حلقة الذكر (انظر: د. منصور خالد، "النخبة السودانية وإدمان الفشل"، الجزء الأول، بلا مكان أو تاريخ نشر ولكن في الصفحة الأخيرة ترقيم دولي ورقم إيداع وتاريخ 1993، ص 57-63، وانظر نقد المؤلف المفصل لوجهات نظر منصور خالد المتغيرة مع الزمن، في كتاب "الديمقراطية السودانية.."، ص 218-240).
3- عن تمازج الدين بالسياسة:
كما هو متوقع يفرد المؤلف لتجربة "الإسلاميين" السياسية صفحات طويلة (في الفصل الثالث وغيره)، وفي رأيه أنه "رغم كل محاولات التأصيل إسلامياً وإيجاد جذور ونسب بين الجديد وأصول الإسلام، فلم يستطع الإسلاميون الوصول إلى نموذج خاص فقد استنبطوا بطريقة أو بأخرى الموجهات الغربية الليبرالية. وهذا الحل التوفيقي أو البراغماتي لم يكن من الممكن تجنبه لأن تاريخ الفكر السياسي الإسلامي لم يزوّدهم بنظريات قيّمة في الدولة والسلطة".
وهذا تشخيص صحيح باعتقادي، يبقى أن المؤلف يقع ضحية الادعاء الأوروبي الشائع الذي بدأ مؤرخو الفكر الغربيون يثبتون زيفه، والقائل إن الغرب الحديث استمرار للتاريخ اليوناني والروماني وبناء عليه! وهذا حين يقارن "الإسلاميين" مع الأوروبيين: "لأنهم لا يستندون على فكر سياسي تاريخي مثلما حدث في أوروبا منذ الحضارة الإغريقية والرومانية". كان بودي أن يقرأ المؤلف ما كتبه المؤرخ الألماني غوتهارد شتروماير تحت عنوان "الإغريق ليسوا أوروبيين"! وترجمه الفقير لله إلى العربية!
لكن المشكلة المنهجية الأكبر في رأيي (وهي مشكلة شائعة عندنا) أن المؤلف لا يرى فارقاً نوعياً بين تدين الختمية والأنصار من جهة وتدين الترابي وتياره من جهة أخرى. في أقطارعربية أخرى يظن مجايلونا أن جبهة الإنقاذ الجزائرية (الفيس) استمرار للأمير عبد القادر، ولو كان الأمير عبد القادر انتصر (أو عمر المختار أو حتى الشيخ عز الدين القسام الذي استشهد في فلسطين عام 1935) فسوف يبنون "دولة إسلامية" كما ينظّر لها الإخوان أو الترابي أو عمر البشير!
يقول المؤلف "تمازَجَ الدين مع السياسة بدءاً مع تشكل الحزبين الكبيرين على أسس طائفية أو طرائقية (يقصد بالأولى طائفة "الأنصار" وبالثانية النسبة إلى الطرق الصوفية. م). فقد انتهت المعركة بين الطائفية الدينية والخريجين بانتصار الطائفية. وكانت المرحلة الثانية هي دعوة (الإخوان المسلمون) للدولة الدينية من خلال الدعوة لتطبيق الشريعة والدستور الإسلامي" (ص10). يعتقد المؤلف أن التشابه جوهري بين الأحزاب الثلاثة: "الاتحادي" و"الأمة" من جهة والإخوان بأسمائهم المتغيرة من جهة أخرى، ولا يرى الفرق النوعي بين "الدعوة الطائفية" المنتمية لعالم "التقليد" والدعوة "لدولة إسلامية" التي هي من حيث الجوهر لا الشكل دعوة تنتمي إلى الحداثة!
إنه لمفهوم أساسي في علوم الاجتماع الغربية الحديثة أنهم يضعون مفهوم "التقليد" في مقابل "الحداثة" ولا يضعونه (كما هو سائد عند مثقفينا) في مقابل "التنوير" أو "العلمنة" أو ما شابه ذلك. بهذا المعنى تنطلق الختمية والأنصار معاً (بتمثيلاتهم السياسية في الحزبين الكبيرين السابق وجودهما للإخوان السودانيين وتفرعاتهم) من أرضية "التقليد" التي يحاربها الترابي ويشطب عليها نظرياً على أنها ضلال وانحراف عن "الإسلام النقي" وبهذا المعنى يشكل الإسلامانيون (باصطلاحي الذي أراه أنسب من "الإسلاميين" لعيوب التسمية الأخيرة التي أفترض أنها واضحة) موضوعياً محاولة حداثة عربية لا يراها عادة المثقفون لأنهم لا يرون هذا الجوهر المميز للحداثة الذي هو النزوع لاجتثاث التقليد بل يرون أعراض الحداثة الغربية وشكلها الذي لا يظهر عندنا!
أقرر ذلك موضوعياً ولعل القارئ يعلم أني (ويتفق معي أوروبيون كثر في مدرسة فرنكفورت وغيرها) لا أعد توصيفات مثل "حداثة" و"تنوير" قيماً إيجابية مطلقة عصية على النقد، وإن كنت أقرر سلفاً أنها تظل أكثر إنسانية من القيم المضادة التي تروّجها التيارات الوحشية في زماننا التي تنسب نفسها إلى الدين.
سأذكّر بثوابت حداثية يمثلها الترابي ولو نظرياً: مكافحة القبلية والطائفية، والنزوع إلى توحيد الدولة ومركزتها، مكافحة الأشكال الشعبية من التدين لصالح "شكل نقي" يزيل الاختلافات المحلية ويوحد الأمة. وكل هذه الثوابت تتناقض مع أسس بناء الحزبين الاتحادي وحزب الأمة (دون أن يعني ذلك على كل حال أن هذين الحزبين بدورهما عصيّان على التغيّر). ومن الغريب أن المؤلف لا يرى في الواقعة العملية التي هي الصراع بين "الإنقاذ" والحزبين تناقضاً مع أطروحته!.
يسوق المؤلف أدلة على أن "الاختلافات شكلية" بين هذين الفريقين: أنهم عملوا بصورة مشتركة على مكافحة الشيوعية، أن اختلافاتهم لم تتجاوز تحديد شكل الجمهورية الإسلامية: تكون برلمانية أم رئاسية؟ أن الإخوان استغلوا شعبية الحزبين في تمرير أجندتهم مثل حل الحزب الشيوعي وتمرير مشروع الدستور الإسلامي. وأنا لا أنكر طبعاً أن الإمكانية موجودة دائماً للالتباس بين القوى التقليدية والإسلامانيين، وهو التباس تساهم فيه اللغة وقلة التبصر السياسي أحياناً أو المصالح التكتيكية أحياناً أخرى، وهذه كلها يمكن أن تفسر اللقاءات العارضة بين الصادق المهدي و"الإنقاذ"، كما يمكن أن تفسر اللقاء الشكلي بين شعارات الدولة المغربية التي انبثقت في الأصل من سلطة إسلامية تقليدية وبين شعارات الإسلامانيين الذين يمثلون محاولة حديثة للانقلاب على التقليد الإسلامي. يبقى الفارق بين الفريقين في نظري جوهرياً، ولأعد إلى مثال الأمير عبد القادر وجبهة الإنقاذ الجزائرية للمزيد من توضيح الفكرة: إن الأمير عبد القادر كان يريد بناء "دولة إسلامية" لو انتصر، أي دولة تتبع نماذج محيطة مما صار إليه التقليد الإسلامي في القرن التاسع عشرمثل دولة الخديوي في مصر أو دولة "المخزن" في المغرب، بينما أرادت جبهة الإنقاذ (الفيس) بناء "دولة إسلامانية" تقطع مع التقليد الإسلامي باسم العودة إلى "الإسلام الحقيقي النقي" كما قطعت البروتستنتية الحديثة مع التقليد الكاثوليكي باسم العودة إلى "المسيحية الحقيقية النقية"! ولا يختلف الباحثون أن البروتستنتية ما هي تحت ثوبها الديني إلا شكل من أشكال "الحداثة" بينما لا زال الباحثون عندنا ينخدعون باللغة ويخلطون بين "الإسلام" (أي ما يدعى أحياناً "الإسلام التقليدي") و "التيار الإسلامي" (ما أسميه "الإسلامانية") الذي أسسه في رأيي في مصر الإخوان في الأربعينات بعد سنين عديدة من تأسيس الجماعة وشهد تطورات لاحقة إلى أن تبلور نهائياً في الستينات.
4- بعض الملاحظات المنهجية:
أ- لا يتعامل المؤلف مع مفاهيم مثل "التخلف" و "التقدم" بنقدية كافية، مع أن الحالة البحثية القائمية سواء عند بعض المؤلفين العرب (عبد الوهاب المسيري وجلال أمين والفقير لله) أو الأجانب (كمدرسة فرنكفورت أوباحثين اقتصاديين وبيئيين مثل الفرنسي سيرغ لاتوش تضع علامات استفهام على دقة هذه المفاهيم وأحقيتها بالقيمة الإيجابية أوالسلبية التي تعطى لها دون نقد إبيستمولوجي أو عملي كاف). انظر مثلاً قوله: "مع التخلف تصبح الديمقراطية مجرد ممارسة موسمية خالية من عمق الثقافة الديمقراطية الحقيقية". أنا أفهم المضمون العملي لهذه الجملة، بل أوافق على صحته، لكني أعترض على الصياغة النظرية، ولا أرى هذا الاعتراض أمراً شكلياً وآمل أن المؤلف نفسه (وهو المدافع المجيد عن النظرية والتنظير!) سيرى ذلك أيضاً إن أعاد التفكير فيما كتب. بدلاً من إطلاق هذا التوصيف "التخلف" بلا تعريف دقيق له علينا أن نحدد: ماذا نعني "بالديمقراطية الحقيقية" والثقافة المنسوبة إليها؟ وعلينا أن نحدد: ما هي المكوّنات الاجتماعية (التي يجملها المؤلف باسم "التخلف") بالتحديد التي تمنع السودانيين من امتلاك هذه الثقافة؟ وهذان السؤالان هما من مكونات ما يسميه الفقير لله في كتابات عديدة "الوعي المناسب" وأعني به الوعي المناسب لتحقيق الأهداف التي تطرحها على مجتمعنا ظروفه الخاصة وعلاقاته بالعالم، وهو وعي نظري يخص فهم الواقع ووعي عملي يخص أجدى الطرق لتغييره تغييراً ملائماً.
ب- بالمثل يطلق المؤلف مصادرات تنتمي بالمعنى الدقيق لعالم الفلسفة وبالتحديد للميتافيزيقا ولا تنتمي لعلوم الاجتماع مثل قوله في إطار مجادلته مع حزب التحرير "المتابع للتاريخ البشري يجده سلسلة كفاح من أجل الحرية". وشيء كهذا كان هيغل قد قرره في "محاضراته" عن فلسفة التاريخ، لكنه مع الأسف، ومع تعاطفي الوجداني الكامل معه، ليس له قيمة موضوعية علمية!.
ج- من الغريب أن استعراض المؤلف لمعضلات السياسة السودانية في عهد الاستقلال يغيب عنها الحاضر الكبير في بلادنا الذي هو العامل الخارجي! ومع أن المؤلف ينقل عن "بعض الباحثين" أن ثمة ظروفاً أساسية للديمقراطية وملائمة لاستقرارها، "وإذا كانت هذه الظروف ذات وجود ضعيف أو غير موجود إطلاقاً، فمن غير المحتمل أن تستمر وتوجد الديمقراطية" وأول ظرف هو: "عدم وجود تدخل أجنبي"! (ص 243) لكن هذه الملاحظة تمر دون أي تطبيق فلم نر في الاستعراض والتحليل كله إلا الفاعلين المحليين فحسب، حتى في قضايا كان فيها التدخل الأجنبي ذا أهمية كبرى (دون أن نغفل طبعاً مساهمة المحلي في تسهيل هذا التدخل وتمرير أهدافه) مثل المسألة الجنوبية ومسائل الوحدة السودانية عموماً.
5- خاتمة:
كتاب "الديمقراطية السودانية-المفهوم. التاريخ. الممارسة" كتاب قيّم يجدر بكل باحث عربي وليس بكل باحث سوداني فقط قراءته بتمعن. ولا تستطيع الملاحظات النقدية إعطاءه ما يستحق من تقدير. والفقير لله كاتب هذه السطور يقر بطيبة خاطرأن ثمة معلومات كثيرة ما كنت لأعرفها لولاه!

محمد شاويش - برلين
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 781

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد شاويش
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة