المقالات
منوعات
نادر.. قصة قصيرة
نادر.. قصة قصيرة
08-23-2014 02:02 PM

كان يتسكع فى سوق الخضر والفواكه المزدحم وحين توقف ليكيف نفسه على وضع يطمئن له فؤاده, لمحها تبرز من بين جموع النساء فى السوق, بل راى نجم روعتها الهائل يسطع وضاء فينشر سحره الطاغى على كل النساء. وهيأ كل خيط من اثواب اشواقه المشرعة للقاء. وانتظر طلعتها المتألقة والمضمخة بالعبير المولع. وجعل يتأمل فيها, فى كل مقطع من مقاطع موسيقى خطواتها المتالفة الاصوات. وكان يطمح ان تزداد روحه قربا من روحها وان تكتسى بحلاوتها وان تنهل من سقى سحابتها الولودة فترتوى وتزدهر. قبل الوصول اليه كانت تسبقها الابتسامة المترعة بعبق ازهار الرياض الفاتنة, ولما وصلته ازدان المكان كله وازداد تالقا كتالق حلاوة عينيها الواسعتين الجذابتين. ولم تفارقها البسمة الوضاءة ابدا عندما همت بالتحدث اليه. ولم يفده تمسكه بوقاره المصطنع فى اخفاء لهفته وافتتانه بها. وعندما همت بالحديث ارتبكت وهى تحاول ان تركز بصرها فى عينيه. وارتبك هو كذلك وتمسك برزانة مفتعلة وهو ينصت اليها مستمتعا بكل كلمة من كلماتها الحبلى بالعذوبة. وافقت ان تقابله واقترحت التفاصيل ثم جعلت تشرح له دوافع اختيارها لزمان ومكان اللقاء. وارتبكت مرة اخرى وهى تشاهد ملامح العاشق الطفل المتيم الذى يقف امامها, حيث كانت الفرحة اليافعة تكسو جسمه كله وتمنعه من الحديث المرتب. اومأ لها بالموافقة ولم يبعثر جهده فى الثرثرة حين شاهد سمات الرضا تعلو وجهها المدهون بلون الذهب. ولم تدم وقفتها طويلا فتركته يحتفل بالهناء الطيب ويشد قبضته عليه ثم يدسه فى جوف فؤاد ليحتفظ به كجوهرة صرفة منورة. وفرك يديه وهو غارق فى النشوة, يتذكر تفاصيل المكان واللقاءات السابقة.

فور مغادرتها تحرك نادر قاصدا بيته. كان يسترجع اللحظات التى كانت تهز فيها راسها وهى راضية ومبتسمة وهى تقول: "مع السلامة". وحاول جاهدا ان يتبين طعم العبارة الناعمة الشهية التى خرجت من فم هند المعسول فنشرت الغبطة فى جوانحه كلها. وهو كان فى جامعة الخرطوم طالبا ذكيا مجتهدا قوى العزيمة. وفى لندن كان مجدا ومميزا فتحصل على شهادة الماجستير بجدارة. وعند عودته الى الخرطوم رفض بعناد ان يعمل بالتدريس فى الجامعة. وكان يرى ان العمل فى وزارة المالية يجعله قريبا من الجمهور الواسع ويعطيه الفرصة للاحتكاك المباشر بشرائح مختلفة من المجتمع, فيستطيع تقديم اعمال قيمة تساهم فى حل مشاكلهم. وبعد عشر سنوات من تخرجه صعد الى قمة السلم الوظيفى وكون روابط وعلاقات واسعة, ساعدته على ذلك قوة اسرته وثراءها وامتدادها الواسع فى الخرطوم وخارجها. وكان يستضاف ليلقى محاضرات فى جمعية البحوث الاقتصادية بالجامعة. وفى تلك الايام سطع نجمه فى الكتابة فى الصحف وفى المحاضرات وفى الندوات وفى الاندية الثقافية. وبعد نهاية احدى المحاضرات ركز انتباهه فوجدها تنتظر عند المدخل وتراقبه باهتمام شديد. كانت فى ذلك الوقت تدرس فى الكلية. وعندما سألها عن رأيها حول المحاضرة لم تبد حماساً بينا. وقبل أن يخرج أوقفته , وكانت تقف قريبا منه مسندة ظهرها على الحائط , بشوشة وهى تتمايل وتبتسم برقة. بادرته بسؤال مباشر قائلة:

- هل انت وجودى؟
- لا. ولكن لماذا؟
- تحدثت كتيراً عن سارتر

تضايق من جرأتها وطريقة طرحها للسؤال لكنه كتم غيظه. وتلعثم حين بدأ يشرح لها دوافعه, التى يعتقد انها منطقية, للاستشهاد بسارتر. وكانت تبتسم باستمرار وهى تستمع الى الاجابات. ثم انشأت تكثر من المزاح. وعندما شعرت بتبرمه الواضح من موقفها الهزلى قاطعته بسرعة قائلة: "انا اسفة". وقد تنزل اعتذارها عليه كزخات مطر فى غيظ الخرطوم الملتهب. وكان فى تلك اللحظات على وشك الاعتراف بخطأه فى اقحام سارتر فى مواضع عدة فى المحاضرة وبلا ضرورة علمية. تلك كانت اول مرة يشعر فيها بوطأة التحدى الثقيلة والمؤلمة وهى تنهال على رأسه العنيد.

بعد ايام كان فى خلوته يسأل نفسه كثيرا عن سارتر. ولانه كان مدفوعا بهاجس ابعاد شبهة السطحية عن نفسه فقد انتهى به الحال الى البحث المضنى الطويل فى دفاتره القديمة وكتبه ومراجع المكتبات. وخلال اللقاء الثانى اهملت هند سارتر واصبحت تتحدث معه حول موضوعات اخرى. اما صورة التحدى الاول فظلت منقوشة على جدار دماغه واصبحت تضايقه بوخزها المؤلم كل حين. وكان يكره نفسه عندما يتذكر افتضاح ضعفه الفكرى امامها. فى البدء لم يتبين مقصدها بالرغم من استمرار لقاءاتهما فى كافتريات الجامعة. وفى احد اللقاءات كسرت هند حاجز التردد. كانت هادئة ورقيقة وعذبة حين قالت: " انا معجبة بك". وهى لم تكن الاولى التى يسمع منها مثل هذا الكلام. وهو تعود ان يحدث نفسه دوما لكى يزيد يقينه من ذلك الامر. لكن حين نطقت بالكلام وصل كل حرف من حروفه الى اذنيه وهو يحمل نعمة ود شهية الطعم عذبة الجرس وحلوة الرنين. كان يرى مظاهر الاعجاب يشع بريقها من عينى هند اللامعتين وتكسو روعتها وجهها الفاتن النضر. وهى لاحظت الاضطراب على وجهه حين عجز عن الرد الفورى. ولما اثنى عليها بمشاعر طيبة وجد ان شيئا ما قيده ولم يترك له الفرصة ليتجرأ ويطلق العنان لسيل البوح. كان معجبا بها كثيرا, الامر الذى اضطره اخيرا الى ان يقرر الدفع بمشاعره المخبأة بقوة الى العلن. وكان كل حرف من حديث الفؤاد يضغط عليه بقوة ويحاول كسر جدار السجن السميك. وحين راها منتظرة فى الحديقة سار نحوها وهو يتعثر من فرط اللهفة. ولما وصل تماسك ثم قال لها: "وجدت امامى بهجة الخرطوم كلها". ضحكت وقالت له بانها لم تدرى بانه يكتب الشعر.


ذهبا الى شاطئ النيل وجلسا على نفس العشب الاخضر الذى تعودا الجلوس عليه. كان الوقت مبكرا لبدء عرض الفيلم فى سينما قاعة الصداقة, لكن الوقت مضى سريعا حتى دنا الغروب, وعندها استبدت بهما رغبة البوح العارمة. واصبحت كل مشاهد المكان رائعة وهى ترحب بالخطوة المرجوة. واحتفل المكان بسعادتهما وعزفت الحان الفرح الريان. التفت اليها, لكنها لم تمهله ليتحدث حيث قالت له: "انت جميل وجذاب وعيونك حلوة". غمرته النشوة واكتسى جسمه كله بدفق النشيد الغض وهو ينساب نحوه. وحلقت روحه فى الفضاء معلنة للعالم تتويج امير جديد. صمتا فابت الاعين الا ان تواصل البوح, وهى تعلم جيدا لحظة الكشف عن اسرار الجاذبية الطاغية. واحتفلت الشمس بهما وامست ترسم على خديهما منتزها للتسكع وصرحا للتأمل ولوحة تعبث فيها فرشاة العاشق الشقوف المجنون. واصبح يرى فى اللوحة ذاته الفياضة بالرضى, فقام بتنميقها, ووشاها باغانى المحبين التائبين من الهموم ومن وهن الشكوك. واكد لهند انه اصبح يرى العصافير تقلد انغام نشيدها العذب وتنتشى ببشرها المنثور على صفحة النيل, وان الصيادين العابثين الضاحكين يلوحون بقبعاتهم البديعة تحية لهما وتبجيلا, وان الاطفال ظلوا يلعبون برمال الشاطئ ويضحكون ويداعبون حضورهما الرائع وهم يرسلون طريف الحديث ويرددون نشيدا منضدا صحوا يحاكى صفاء اخيلتهم الوليدة النضرة. ومرت قوارب النزهة وهى تضج بالزغاريد والغناء العذب الثرى. وحين تحدثت هند خرجت كلماتها مفعمة بالعز ويشع من عينيها وهج الصبابة. قال لها: "انت فرحتى الكبرى وجنتى الجديدة" . ولانها فرحة اصيلة فقد بزقت كبريق شمس الخرطوم حين تنير طل الزهر فينساب منه البشر دفاقا, وتنتشر الاضواء حبلى بمجزول النغم. نظر الى البعد واغمض عينيه لكى يستوعب جمال اللحظة. ضحكت وحسبت ان النشوة قد اسكرته تماما. صمتا ثم قال لها: "انا خائف". ضحكت من جديد وقالت له: "من الحب ام منى انا؟". كان صادقا جدا فى تلك اللحظات المميزة


عندما الحت على ان تزوره فى البيت تردد فى قبول الطلب لخطورة الخطوة ولعدم استعداده. وكذلك لانه لم يتخلص من ماضيه كله, فقد آثر بألا يشركها فيه. وبرغم ثقافته العالية فان زملاءه فى السكن واصدقاءه كانوا من العوام ولا يهتمون بالثقافة او الفكر او السياسة. ومنهم من يتعاطى الخمر ومن له صديقات, ومنهم الفاحش والبذئ والمستهتر. وهو يلعب معهم الورق ويستمتع معهم الى حد النشوة حين ينغمسون فى احاديث السخرية من الاخرين ويرددون الكلام الفاحش. وحين جلس على الاريكة اصبح يضبط من وضع جسمه ويحاول جاهدا السيطرة على التوتر. لكنها اقتربت منه واستدارت ومددت رجليها على الكنبة ووضعت راسها على رجليه ثم طلبت منه ان ياساعدها على شرب عصير البرتقال. وفى الوقت الذى احس فيه بانه قد اخمد نار التوتر بداخله, تبين له بان عليه القيام بخطوات اخرى توقف دلالها الخطر. امسك بيدها ليمنع اناملها اللطيفة من الاستمرار فى العبث بشعرها الناعم الجميل. حاولت المقاومة لكنه غلبها فضحكت. لم يستطع ان يخفى تخوفه من تهورها المحتمل. لكنه اطمأن حيث اصبحث تتحدث حول امور جادة واقلعت عن تعمد الاغاظة. وصمت ليمكن نفسه من الاستمتاع بمزاجها الجديد وبالبوح الاسر. تحرك مبتعدا لكى يسيطر على القلق الذى ظل يرافقه, والحمل الثقيل الناتج عن السر الذى يخفيه عن هند. ولم يفارقه هذا الشعور وهو فى المطبخ يعمل, ولازمه وهو يدلف راجعا مرتبكا يحمل السندويتشات والقهوة. وفى الزيارة الثانية لاحظت ارتباكه فاسرعت لتحدثه عن الذى كان يحبها من طرف واحد ايام المراهقة. تمالك نفسه حتى ذهب الى المطبخ ليجد الارض ممهدة لكى ينتقم من الاوانى ومن ضعفه. وعندما عاد الفاها تكثر من المزاح والضحك. قالت له بان الذى يعجبها كثيرا هو طريقة تعبيرة عن الغيرة. لكنه ظل قلقا رغم نعمة الحديث الثر الذى افلح فى تغيير مزاجه. ولانها افصحت بان فردوسها حكرا عليه وحده, فقد انتعش سريعا واصبح يستمتع بعذوبة لحظات استقاها من عذوبتها, وجعل يستنير بالطهر الذى تنزل عليه من سماءها البهى. ودام ذلك الشعور واصبح يلازمه فى البيت وفى شوارع الجامعة وفى طرف النيل وفى السوق وفى السينما. قبل ان تغادر البيت كانت تغازله وتقول له: " انت رائع جدا ونادر كاسمك". هز رأسه مداعبا وغمز لها بعينه. وعندما ذهبت اعتراه خوف كبير وقلق. كان الشخص الاخر الذى يسكن بداخله يمسك بتلابيبه فى تلك اللحظات ليساله ان كان متيقنا من انها لم تكتشف بعد اى خيط يمكن ان يوصلها الى خبايا حياته السابقة. وكان يساله ان كان يضمن بانه لا يوجد حاسد ما ينوى ان يوصل اليها معلومات بهذا الشأن

بعد الخطوبة سكنت روحه لما راى جنته تزداد منعة وينبسط رونقها البديع فى كل ناحية. عند الغروب كان يضع راسه على تل من رمال الشاطئ بناه لكى ينحت عليه تمثالا, لكنه اخيرا اقر بعجزه عن انجاز اى عمل فنى فسكن. وبرغم شعوره بالفشل الا انه استمتع بدفء وهجها المرسوم على وهج الشمس ورضع من ثدى نشوتها الفريدة, فاخذته معها الى عوالم تنبض بالحيوية والبشر. وكان يمتص شهد اللحظة وهو يسبح فى نعيم يضاهى فرح الارض كلها. وحين ادخلت رجليها فى رمال الشاطئ وراى الالم يعلو وجهها, هرع اليها مسرعا ومشفقا. ضحكت لما رات لهفته وقهقت حتى زالت عنها مرارة الالم. احيانا كان يسميها هنيدة فترفض بشدة وبعد لاى كان يتراجع عن مزاحه. وعندما التقى بها فى السوق قبل ايام سلم عليها وظل ممسكا بيدها ثم قال لها:" هل قلت انى مازلت ارى فيك نفس حلاوة الامس ؟". ضحكت وظلت تتبسم وتركته يمسك بيدها ويضغط عليها برفق. كان يراها فى تلك اللحظة اكثر عذوبة من اى امراة قابلها فى حياته واكثرهن حلاوة. وخلال الاشهر الماضية كان يمر بشوارع الجامعة وباشجار الحديقة ويتذكر لحظات جنونه ولحظات سعادته. وكان يغمز بعينيه حين يرى الندى الولهان يرسم بقطراته لوحات تحاكى لحظات تلهفه وحنينه. وهو يدرك جيدا انها معتدة بنفسها الى الحد البعيد وعنيدة وترفض الاعتذار قبل ان يعترف هو بالخطأ. وهو يحب النقاش معها والاقناع بالحجج المنطقية وغيرها حتى اذا افضى ذلك الى خصام. وكان دائما وافر الثقة بنفسه ويعتقد انه يستطيع فى كل الاحوال ان يحل الخلافات عن طريق الحوار


كان يقف فى صف السينما مع اصدقاءه عندما مرت هند واخوانها واخواتها. فى البدء كانوا منهمكين فى حديث متصل ويضحكون ويمزحون. ولما انتبه نادر خرج من الصف لملاقاتهم. وامضى وقتا وهو يحاول ان يوضح تفاصيل الحكاية فرفضت هند الاستماع اليه. وكان غضبها يزيد كلما هم بالمقاطعة واعتراضها لكى تسمح له ليواصل الحديث. وعندما الح فى محاولاته رفعت يدها باتجاه وجهه. ولم يفلح الاعتذار والترجى ولم تفلح الوساطة واخيرا قالت له: "انت غبى". وعندما تركته مع اصدقاؤه اخبروه بحجم الخطأ الذى ارتكبه عندما ظن انه سينفذ الامر دون ان تدرى. وبعد ايام قبل الصلح لكنه لم يستطع نسيان الاهانة. واصبح مع الايام يزداد قناعة بان مغالاتها فى الغضب كانت بسبب معلومات مغرضة حصلت عليها من حاسد حقود. لكنه لم يجد الفرصة ابدا لكى يسرد القصة كلها. اما هى فقد شعرت كذلك بجرح عميق جدا. كان يمكن له ان يسامحها على ما اعتبره اهانة فى مكان عام مادام منطلقها نابع من موقف المحب. والمحب يمتلك القدرة على الغفران وقبول عيوب وهفوات الاخر. والحب لا تحكمه النظريات ولا يمكن تقييمه باحصاء الاخطاء او تحليل نتائجها, لكنه يقيم بالقدرة على الاستمرار. وهى اخطأت كذلك فى مغالاتها برغم احساسها بالجرح الكبير مما فعل.


عدل جلسته حين احس بان شريط الذكريات قاده الى ان ينبش جرحا ظنه اندمل. الجم شيطان غضبه وتنفس بعمق. وتلفت والقى نظره على زوار الكافتريا ثم فتح الكتاب وبدأ يقرا. وهو كان قد وصل الى هذا المكان قبل دقائق, فوضع كل ما بيديه ومسح المنضدة بمنديل من الورق ثم سحب كرسيا وجلس عليه. كانت تسبقه نشوة الانتصار والفخر. ثم اصبح يلتفت وينظر فى كل ركن من اركان الكافتريا وهو متلفع بفرح يزكيه وينشر الطهر حوله. وكانت الساعة قد اقتربت من الخامسة وجعلت الشمس تلملم طوائف غيظها المجنون وهى تستعد للرحيل, فاطلقت العنان لظلال المبانى العالية لترفد الناس ببعض البرد. جلس فشعر بنعمة ظل المساء تغشاه بعد يوم عمل مرهق مشحون بالقلق الواخز واهتياج النهار الملتهب. وخلع المعطف ووضعه على الكرسى وهو يأمل ان يطمئن قلبه الى ان حبيبته الذكية العنيدة قد وافقت تماما على هذا اللقاء الذى اتى بعد طول ترو وتمحيص. وحين كان يفكر فى الاحتمالات الكثيرة كان يسيطر عليه شعور الاعتذار الذى لم تكتمل اركانه, والثمن الذى دفعه بمكابرته و اصراره على موقفه. بعد الزواج لم يكن يمتلك الشجاعة لقول كل شئ . كان يحبها بصدق ويعلم انها تختلف عن النساء المطيعات اللائى ينفذن رغبة الرجل بلا نقاش. وكان باستمرار يعطيها مساحة واسعة من الحرية. وهو يحب صراحتها وبعدها عن الرياء والنفاق والمداهنة. وعندما وضع العصير المثلج امامه امسك بالكوب وشربه كله دفعة واحدة. وسال العرق بغزارة على وجهه ويديه فاعطته النادلة منديلا من الورق جعل يجفف به العرق ثم عدل ربطة عنقه واعتدل فى جلسته. وتلفت حوله بوجه مكفهر متوتر. وفتح الكتاب من جديد لكن الضجر دب فى اوصاله بعد دقائق قليلة. وانتصب واقفا يكسوه السأم فتحرك باتجاه السور القصير. واصبح ينظر فى جميع اتجاهات الشارع. لكن لا شئ يرى غير الضجر والملل والاهتياج, ملل مرسوم على وجوه المارين والسيارات وزجاج المبانى. ورجع الى مكانه ليواصل القراءة. ثم طلب قهوة و قطعة جاتوه.


امسك بربطة عنقه بيدين قلقتين وجعل يعدل وضعها باصابع متوترة مرتجفة. تنفس بعمق ثم نظر الى الساعة الذهبية الانيقة فوجد ان الوقت مازال مبكرا لحضورها. رفع باقة الزهور فسواها ثم وضعها لكى تستريح على المنضدة. كانت تستحوذ عليه مشاعر الخشية على تويجاتها المعرضة للخدش, وكذلك احساس الخشية من فعل الغواية, فاولى اهتمامه الى عيون الشبق المثبتة على سطح المنضدة. وهو يعلم ان خدود الزهر تحاكى خدود هند وعبقها استقته من انفاس هند. قرب انفه منها من جديد واستعد لارتشاف كل عبيرها الشهى. وهز جسمه وعدل جلسته ثم استدار ببطء شديد حتى استقر على وضع يمكنه من مشاهدة زوار الكافتريا الاخرين. وبعد حين شعر بانه مازال مرهقا متهالك الاوصال فاغمض عينيه وترك الحرية لجسمه ليرتخى ويكيف اجزاؤه كيف يشاء. واحس بفقد الشمس التى انطلقت نحو المغيب فتركت سحابات الاسى الكثيفة لتكسو المكان. وتاهب الحزن الكبير لكى يرمى بثقله عليه. ولما اشتد عليه الجزع فتح عينيه من جديد ليرى الشجيرات الصغيرة الانيقة ذات الزهور البهية وهى تضفى على المكان فيضا من فخامتها وبهجتها الثرية. وفى الوقت الذى كان يفكر فيه فى المشاهد التى درب نفسه عليها حين يستقبل هند, داهمته الاراء التى كان يسمعها حول صلفه وتعاليه ومحاولاته المستمرة لتضخيم نجاحاته. ولانه للمرة الخامسة لم يجد اى رسالة جديدة فى صندوق البريد, فقد اندفع بفعل القلق وانشأ يتصفح مجموعة الصور القديمة ويتامل فى تفاصيل الذكريات. لكن الزهور الصديقة الكريمة وهبته فيضا من طيب اريجها الفواح وتباشير هند ذات الحبور الباهر وهى تلوح فى الافق, تشق طريقها وسط الحشد الكبير وهى تنعم بحفاوة الاستقبال. وجاءت النادلة مسرعة فى مشيها حاملة مزهرية بيضاء فوضعت فيها الزهور واشعلت الشموع. فى البدء لم ينتبه لها لانه كان مشغولا بالبشرى التى زادت يقينه من ان حبيبته ستاتى وان تأخرت


مرت سنوات بعد الانفصال لم يتقابلا فيها الا صدفة. هند تزوجت بعد ذلك وانجبت. وهو تزوج وطلق لكنه مازال يحب هند. وحين التقى بها قبل اسبوع بالصدفة فى السوق تاكد تماما من صدق مشاعره تجاهها. كان يمسك بيدها ويحس بضربات قلبه تزداد وتيرتها بصورة مثيرة للقلق. كانت عيناها تلمعان وهى تتحدث معه والبسمة تكسو وجهها كله. وبالرغم من الحذر فى الحديث الا ان الوضع اظهر له بانها مازالت تحبه بشدة. ولاحظ الارتباك عليها حين ودعته وكذلك علامات الفرح الغامر عندما اخبرها بموافقته على زمان ومكان اللقاء. لكنه مازال محتارا فى السهولة التى وافقت بها على لقاءه بالرغم من انها مازالت متزوجة. ومنذ ذلك اليوم انبعثت فيه روح الحب القديم واشتعلت مشاعره كلها. وهو يشعر الان بجسمه يشتعل بجذوة الحب المتقدة. وعندما رنت نغمة الهاتف الجوال احس بان القفار كلها اكتست بالخضرة وعمت البهجة فناء الكافتريا وعلا وهج الشموع وازداد القها, فازدان المكان وعم الدفء جوانبه. وتاهب للقاء فرحته وشعلة حياته وكوكبه النير الذى كان يهديه الى طريق النجاح. ورفع الطرف ليستقصى امر السحب الداكنة فوجدها قد هربت. وتذكر ضحكة هند العذبة عندما كانت تداعب اصابعه وتحس بدفئه. واصبح يستمتع بالكلمات التى كانت تخرج من فمها المعسول عذبة كاناشيد الغرام لتدثره بالبشر وتشعل فيه طاقة المحبين اجمعين. وتدبر كلمات الاعتذار التى كان قد امضى وقتها كثيرا فى اعدادها وضبط ايقاعها وتحسس ملمسها. واستعد لكى يخرج كل الذى يخبأه فى جوف فؤاده. واستعد كذلك للاعتذار والرضوخ لشروطها. واعاد تنظيم الزهور وتحدث معها والبسمة تكسو وجهه وتضيئه. وعندما رفع الهاتف وفتح الرسالة وجدها رسالة قصيرة جدا


ادار وجهه بعيدا باتجاه الفضاء الواسع وحرك يده بحرص ليبعد عنه الجوال وباقة الزهور. ودفعته رغبة عنيدة فى ان يفرغ كل مخزونه من خبيث الكلمات واللعنات. واكتسى وجهه بالحزن وتملكته شهوة استثنائية للبكاء فحرك شفتيه وهيا مشاعره ومقلتيه. وتلفت حوله لكى يرى الناس. كان المكان شبه خالى. وكان ذهب الغروب الجميل قد تحول الى رماد داكن غطى السماء. وتكاثرت السحب السوداء لتحجب النجوم. وهدرت الرعود وهددت بنشر الرعب. وطغى مداد الحريق الاسود ليغطى اجساد الشموع الحمراء. وهربت الاوراق من اغصانها وذبلت الزهور ونضب بريقها. والتفت فوجد ان كل قطعة فى باقة الزهور ضمرت وهربت منها الوانها وانشات تجف رويدا رويدا. وهو يعلم انها عنيدة مثل هند وانه لا يستطيع ان يثنيها عما صممت عليه. وحين امسك بزهرة صغيرة وقربها من وجهه وهو يطلب منها بان تترك الحزن جانبا, رفضت بشدة. وعندما وضع اصابع يده الاخرى عليها تحولت الى ذرات من دقيق ناعم. وهربت السحب السوداء يسبقها البرق الخادع. وعندما رفع راسه وجد ان السماء قد غطيت بغيوم كثيفة من الغبار. وشعر بالدموع الخبيثة تجهز حالها لكى تذله وتشفى غليلها منه. تماسك لكن دمعات تسللت من مقلتيه رغما عنه. وعندما وضع اصبعه تحت جفنه ليمنعها سالت وتبعتها دمعات اخرى. واحس بخشونة البكاء وطعم الحنظل الثقيل الذى نزل على لسانه. ومسح القطرات من خده فشعر بحرارة الانصهار المرعب تكاد تحرق الخدين واليدين. ووضع يديه على جبهته وهو ينظر الى الارض ويراقب قطرات الدمع التى كانت تضرب الارض بعنف. وامال راسه متحسرا ومنتظرا. كان يترقب صوتها لكن لم ياتى اليه غير صدى صوته والخيبة. قال للصدى: "احتاج اليها والى عذابها". وحرر نفسه من كل قيد وبكى بشدة وانتحب وشهق ثم زاد فى البكاء. وشعر براحة عظيمة وتلفت حوله فوجد المكان خاليا, فواصل البكاء واستمتع بالنشوة. واحس بان يدا رقيقة تضغط على كتفه برفق. وضع يده فوق اليد وضغط عليها بشدة, عندئذ شعر بان اليد اصبحت تضمحل رويدا رويدا. وفرت اليد منه وقالت له بصوت واضح: " حاول ان تجد لها اعذارا". التفت ليبحث عنها حول المنضدة وفى الفراغ فلم يجد اى خيط يدل عليها, بل شعر باثر اصابعه المطبوع بوضوح على طرف القميص المغطى بالغبار. وادرك ان العاصفة الترابية التى يعرفها اهل الخرطوم باسم الكتاحة, قد وصلت بوادرها الى المكان. حمل اغراضه وقرر على الفور ان يغادر المكان وان يسرع

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1235

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة