المقالات
السياسة
ذكرى أيام امتحانات الشهادة في الإقليم الشمالي
ذكرى أيام امتحانات الشهادة في الإقليم الشمالي
08-27-2014 10:38 PM

ذكرى أيام امتحانات الشهادة في الإقليم الشمالي
إيان مارشال


تقديم: هذه ترجمة مختصرة لمقال كتبه مدرس اللغة الإنجليزية الاسكتلندي إيان مارشال عن أيام امتحانات الشهادة السودانية في مدرسة بعبري وأخرى بالغابة بشمال السودان. نشر المقال بعنوان Exam Stress في مجلة " دراسات السودان" العدد رقم 18، والصادر في شهر أغسطس من عام 1996م.
عمل السيد مارشال مدرسا في مدارس ثانوية عديدة في مختلف مدن السودان (مثل سنار وعبري وغيرهما)، وخرج من عمله بقصص ونوادر كثيرة، ثم عمل بعد مغادرته للسودان في مركز فيتنامي بمنطقة سري (من أعمال لندن). وكتب ونشر بعض حكاياته عن فترته في شمال السودان في بعض المجلات المتخصصة في السفر والرحلات.
ذكر المؤلف أن الأسماء الواردة في المقال ليست هي الأسماء الأصلية.
المترجم
************* ******************* ******************
أخذت حمى "الحصار" برقاب أساتذة المدرسة في ميز المدرسين بعبري، فقام أستاذ عبد الرحيم، ذلك الرجل الخلوق دمث الأخلاق، بملء الفراغ تحت سريره بزجاجات المولوتوف الحارقة، بينما جلب أستاذ محمود – القادم من الدامر- سيخة حديد طولها ثلاثة أقدام دسها بحرص تحت مرتبة سريره، قريبة من متناول يده.
وكان منشأ تلك "الاحتياطات الأمنية" في أوساط زملائي شائعات بغيضة صدرت من داخليات الطلاب. كانت امتحانات الشهادة السودانية قد دخلت يومها الثاني، وكان طلابنا في غاية الضيق والغضب. كانوا قد جلسوا لأول امتحان، وكان في مادة التاريخ، وكان في ظنهم أن المراقبة ستكون ضعيفة متساهلة ولكن خاب ظنهم، فلم تمر عشرة دقائق على بدء الامتحان حتى تم القبض على أحد الطلاب وهو يغش في الامتحان. وأعقب ذلك اكتشاف عدد من حالات الغش بين عدد من الطلاب تمت مواجهتهم بما فعلوه، فقام أحد الطلاب من الذين قبض عليهم وهو يحمل "بخرة /برشامة crib" برفع كرسيه عاليا في الهواء، وهدد بتحطيمه فوق رأس مراقب الامتحان الذي كشف أمره. ولم يكن أمام الطلاب من بد – وقد فوجئوا بتشديد المراقبة- من تغيير التكتيك، فطلب عدد كبير منهم السماح لهم بالذهاب إلى المرحاض... لاشك بغرض الإطلاع العاجل على "بخرة /برشامة" مخبؤة بعناية بين طيات الثياب أو في أماكن أخرى. تم اعتراض بعض هؤلاء الطلاب المحصورين قبل مغادرتهم لصالة الامتحان ودخلوهم للمراحيض، وتم نزع بعض ما هو مخبأ في ثيابهم وأجسادهم من مذكرات صغيرة. ولكن ثبت فيما بعد نجاح عدد من هؤلاء الطلاب الذين طلبوا زيارة مراحيض المدرسة في الدخول لتلك المراحيض بمذكرات صغيرة...إذ تم العثور على عشرات من قصاصات الورق وبها تلخيصات وافية في مواد الجبر والتاريخ واللغة الانجليزية...ونشرت رياح الصيف اللافحة بعضا من تلك المذكرات بعيدا في حوش المدرسة.
وما أن آذنت شمس ذلك اليوم الأول بالغروب، حتى كنا قد صادرنا مئات "البخرات"، وفي ذات الوقت تلقينا عددا مقدرا من التهديدات من الطلاب. كان التهديد موجزا وحاسما: "إن مضيتم في تشديد المراقبة كما فعلتم اليوم فسوف ترون ما يسؤكم".
ومر اليوم الثاني للامتحان بخيره وشره مثل اليوم الأول. ثم أتانا نجار المدرسة فزعا في مساء ذلك اليوم ليخبرنا عن قرب هجوم وشيك للطلاب على "ميز" المدرسين. وكان ذلك هو ما دعا أستاذ عبد الرحيم لينشغل على عجل بتحضير كوكتيل مولوتوف، ومواد أخرى لا تعد عادة من ضمن ما يربط الطلاب بأساتذتهم!
تناهت إلى أسماعنا بعد قليل أصوات خلناها أصوت أقدام قطة تسعى في الحوش. ولكن سرعان ما تلاشي ذلك الشعور الكاذب مع وصول عدد من مقذوفات الحجارة والحصي والصخور الصغيرة عبر حائط الدار لتستقر في كل مكان. خطف أستاذ محمود سيخته الحديدة وتأكد من إحكام إغلاق باب الحوش، بينما لزم بقية الأساتذة أماكنهم في مأمن نسبي من مقذوفات الطلاب التي توالي وصولها، مصحوبا بصيحات غضب شبابي عالي النبرة. ودام الهجوم الطلابي خمس دقائق، وتفرق بعدها الجمع الغاضب، ولكن فقط لملاحقة أستاذين شأ حظهما العاثر أن يهربا من الميز عبر النافذة، وتم رصدهما من قبل عيون الطلاب الراصدة.
وتصادف أن كانت سيارة الطبيب (والتي تعمل أيضا كسيارة إسعاف) تقف خارج دارنا، فنتاوشتها مقذوفات الطلاب الحجرية، فهشمت زجاجها وأصابتها بتلف عظيم. لحسن الحظ لم يسفر الهجوم الطلابي عن إصابات بشرية.
لقد كانت شدة رد فعل الطلاب على تشديد المراقبة في الامتحانات مثيرة للدهشة وصادمة جدا بالنسبة لي. وسرعان ما بدأ زملائي في الاعتراف بأن تصميمهم على عدم التساهل في مراقبة الامتحان يأتي على عكس ما اعتاد عليه الناس في عبري، وضد ما يشتهون.
اشتهرت عبري – فيما يبدو- ومنذ سنوات، بعدم التشدد في مراقبة الامتحانات. وكان أولياء أمور الطلاب والمدرسين يعزون ذلك لبعد البلدة، ويقولون إن أبنائهم يحتاجون لدفعة ومساعدة لينافسوا طلاب المناطق الأخرى التي تنعم بمزايا وبموارد تفتقدها عبري. وكانت المدرسة تغلق كثيرا أثناء العام الدراسي، إما بسبب شح المياه، أو وسائل النقل، أو إضرابات الطلاب المتعددة، أو لأسباب أخرى متنوعة. ويحاجج أولياء أمور طلاب عبري بأن المسئولين ينبغي عليهم مراعاة "ظروف" هؤلاء الطلاب، وأن يمارسوا معهم "تمييزا ايجابيا" يضمن لهم بعض المساواة مع طلاب المدن الأكثر حظا في الخدمات والإمكانات، وقد يشمل ذلك السماح بقدر من الغش الصريح في الامتحانات. ولكن يجب التأكيد هنا على أن شح الإمكانيات في عبري لا يختلف كثيرا عنه في باقي مدن السودان الصغيرة.
ولم يترك لنا ذلك الهجوم الطلابي أي خيار غير أن نتوقف عن مراقبة الامتحانات، وأن نضع أنفسنا في لوري متجه صوب مكتب التعليم المحلي في دنقلا لتقديم عريضة احتجاج (بالتضامن مع نقابة المعلمين). وبعيد مغادرتنا للبلدة هكذا فجأة، لم يجد مدير مدرسة عبري من بد من الاستعانة ببعض موظفي الحكومة المحليين ومدرسي المدرسة الابتدائية لسد الفجوة الكبيرة التي تركناها. وعلمنا فيما بعد أن من قبضنا عليهم متلبسين بتهمة الغش في اليومين الأولين للامتحانات قد تمت عملية "معالجة" من نوع ما لأمرهم، وكانت نتيجة هؤلاء في آخر العام محترمة بما فيه الكفاية!
ووجدت أنه من المستحيل علي العمل في الإقليم الشمالي في العام التالي. افترضت أن السبب هو أنني غادرت عبري وسافرت لدنقلا تضامنا مع بقية زملائي من الذين توقفوا عن مراقبة الامتحانات. وكان من حسن حظي أنه صدر قرار في تلك الأيام بتقسيم إدارة التعليم لشق أكاديمي، وآخر فني، فحولت رحلي للشق الفني، حيث نقلت من مدرسة عبري للبنين (وهي مدرسة أكاديمية) إلى مدرسة الغابة التجارية (تتبع للقسم الفني). بقيت إذن في الإقليم الشمالي رغم كل شيء!
وكانت بلدة "الغابة" أقل بعدا من "عبري" الواقعة في قلب بلاد النوبة، وأقرب إلى دنقلا. وحسبت – لجهلي - أن أيامي هناك ستكون أكثر يسرا. هذا ما حدث فعلا في البدء، إذ استقريت هنالك في غضون أيام قليلة، وكان معي من زملاء عبري السابقين أستاذ عبد الرحيم. وكنا كثيرا ما نتسامر ونذكر حوادث تلك الأيام العصيبة في عبري، والتي انتهت بطردنا منها. وظللت أفكر في سبب كراهية الطلاب (في عبري) للامتحانات، وتبين أن لا علاقة لذلك بنقص الإمكانات، وإنما بالنقص الحاد في فرص القبول بالجامعات، حتى لأولئك الذين يحصلون على درجات جيدة. لخص لي أحد جيراني في عبري كل ذلك عندما سألته عن ما سيفعله عند انتهاء دراسته بالمدرسة. قال لي في بساطة إنه لا يفكر في الاستمرار في الدراسة، وأنه سيبذل قصارى جهده ليحصل على فيزا (تأشيرة دخول) لأحدى دول الخليج، حيث يؤمل أن يجمع مالا كثيرا حتى وإن عمل في وظيفة يدوية بالغة التواضع.
وسارت علاقتنا بطلاب "الغابة" على خير ما يرام، ولكن إلى حين! ما أن حل موسم الامتحانات حتى تقاطرت علي دارنا سيول من المقذوفات الحجرية. سقط أحد تلك المقذوفات على طاولة تحلق حولها عدد من الأساتذة يلعبون الورق في حوش الدار. ولحسن الحظ لم تصب تلك المقذوفة أحدا بسوء، إذ سقطت تحت أقدامهم، غير أنها أثارت ذعرا كبيرا. وبالمقارنة مع تلك الليلة الليلاء في عبري، فلقد كانت تلك الحادثة أمرا هينا بسيطا قليل الخطر. تعايشنا مع ذلك النوع من المضايقات حتى انتهت الامتحانات بسلام، إلا في تلك الليلة التي سقط فيها على سقف غرفتنا (والتي كنت أتقاسمها مع خمسة آخرين) شيء ما محدثا صوتا هائلا. لم يجروء أي منا على النهوض لاستجلاء الأمر، ولكن ما أن اشرقت الشمس حتى نهضنا جميعا لتفحص ما سقط علينا ليلا. كانت هنالك زجاجة ضخمة مهشمة، وكان بداخلها قطن طبي مبلل بسائل محروقات كدر. وكان من الواضح أن ما قذف به علينا كان كوكتيل مولوتوف! إذن هي الحرب مرة أخرى....كان ذلك إعلانا بأن الزمن قد دار دورته، وأذن بانتهاء العام الدراسي، ودخولنا لأول يوم من أيام امتحانات الشهادة السودانية.
alibadreldin@hotmail.com


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1071

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1092567 [الجوكر]
0.00/5 (0 صوت)

08-30-2014 12:55 AM
الغش في إمتحانات الشهادة السودانية والتساهل في تصحيح شهادة الأساس في الولاية الشمالية ونهر النيل ما زالت موجودة حتى اليوم وإلا كيف يبلغ متوسط نسبةالنجاح في شهادة الأساس 97 بالمئة في الولايتين بينما متوسط النجاح على المستوى القومى 75 بالمائة؟ بجانب ذلك فإن نظرة دقيقة للقبول بالجامعات القومية نجد أغلبهم اليوم من الإقليم الشمالى وحتى إذا ما إنكشف ذلك فإن فقه السترة موجودة والبلد بلدنا وأولاد الهامش العبيد ياكلوا نارهم براهم.

[الجوكر]

#1091921 [محمد إبراهيم حسن]
0.00/5 (0 صوت)

08-28-2014 08:35 PM
نشر هذا المقال منذ عامين في سودانايل. ما الجديد؟
إيان مارشال الشقي أعرفه, كان يعمل معلماً في مدرسة الغابة الثانوية التجارية و درسنا الإنجليزي في السنة الأولي. كان مع مارشال خواجات آخرين و مصريين. إندمج الخواجات مع الآخرين و كانوا يحبون الشية و المرارة. أما المصريين كان عندهم حركات : إيه دة ... إزاي تاكلوا الحمة النية؟!

[محمد إبراهيم حسن]

#1091730 [فلان بن علان]
0.00/5 (0 صوت)

08-28-2014 03:28 PM
تقريباً وللآن إمتحان الشهادة السودانية في الولاية الشمالية توجد فيها عملية الغش والتي تجري فيها حتي الآن... والله أعلم ... ولكن مصادر كثيرة تتحدثت عن ذلك الموضوع ...

[فلان بن علان]

#1091479 [الحزين على الوطن]
0.00/5 (0 صوت)

08-28-2014 11:01 AM
لا ريب أن الموضوع شيق بالرغم من استهجاننا لتصرفات اولئك الطلاب ...

أحييك أخي المترجم على هذه الرصانة في الأسلوب و المهارة في الترجمةمن اللغة الانجليزية إلى اللغة العربية مما يدل- بدرجة نفتخر بها -على نبوغك في اللغتين ..

وشتان مابين مخرجات التعليم ما قبل و ما بعد الإنقاذ التي دمرت السودان حاضرا و مستقبلا ....
لك الله يا وطني السليب ...

[الحزين على الوطن]

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة