المقالات
السياسة
السودان...للغرق وجوه كثيرة
السودان...للغرق وجوه كثيرة
08-28-2014 11:11 AM

الآن حصحص الأمر، وبان في صورته المُثلى، فبعد أن أُعلن في الخرطوم عن نجاح جولة رابعة من المفاوضات الثلاثية بين وزراء الموارد المائية بدول حوض النيل الشرقي (مصر وإثيوبيا والسودان) صحيفة سودانايل الإلكترونية- 28 أغسطس 2014، لم يعد مستغرباً أن تمنع مصر قيام مؤتمر للمعارضة في القاهرة في بدايات أغسطس الجاري، وهذه هي السياسة: حبيبي أكتب لي وأنا أكتب ليك، وجاري أساعدك وأنت تساعدني!
لكن ما قدمه نظام الخرطوم، أكثر بكثير مما قدمته القاهرة أو ما ستقدمه في المستقبل القريب أو البعيد، فالقاهرة ربما أرادت عبر منع مؤتمر الجبهة الوطنية بقيادة الأستاذ على محمود حسنين، أن ترسل رسالة للخرطوم مفادها أنها يمكن أن تكون عاصماً لنظام الخرطوم من أي تجمعات أو تحركات تؤدي إلى التغيير في السودان، مع أنها في نفس الوقت تستضيف العديد من الحركات المعارضة وربما تُقدّم الدعم والنصح لبعضها حتى ولو عبر الصحاري والبحار، وهذا جائز كون النظام المصري القائم اليوم، لا يجمعه مع نظام الخرطوم أي قاسم مشترك، بل بالعكس، ربما كان نظام الخرطوم لغمٌ مدفونٌ، يمكن أن ينفجر في أي وقت من تحت مصر المحروسة، وهذا ما يدركه أولاد"بمبة" جيداً ويحاولون تجنبه بأقل جهدٍ ممكن.
النظام المصري له عدد من المحاذير، إن ضمن أن نظام الخرطوم لن يتجاوزها فله الأجر " بحساب" من عند الأخوة المصريين وهي:
1- عدم إيواء جماعة الأخوان المسلمين بتسمياتهم المختلفة، وعدم تقديم أي دعم لهم في وضعهم الحالي الذي يأسي له العدو قبل الصديق.
2- عدم التعاون مع أثيوبيا أو أوغندا بأي شكل من الأشكال، فيما يخص السدود المائية أو مس حصة مصر من مياه النيل، إن كان عبر تعديل الاتفاقيات القديمة(مياه النيل 1959) أو عبر التحفيز على استحداث أخرى جديدة.
3- عدم المطالبة بأي أراضٍ متنازع عليها بين الطرفين خصوصاً حلايب وشلاتين.
4- توفير فرص عمل وإنفاذ الاتفاقيات المشتركة التي تخص العمل والإقامة والحركة.
5- توفير سوق عريض للبضائع المصرية بغض النظر عن جودتها.
هذه هي المحاذير التي تضمن للخرطوم علاقة جيدة مع مصر، ولكن بالمقابل فإن نظام الخرطوم ليس له طموح يتجاوز سقف منع مؤتمر دوري لجهة ليس لها وزن كبير في الحراك السياسي السوداني بالمعايير الحالية، وهنا يأتي السؤال: ما الذي يستفيده النظام السوداني بتوفير هذه الشروط لأخوتهم في مصر؟! إن الناظر لتاريخ العلائق منذ 1989، يجد أن خطأً واحداً ارتكبه النظام السوداني كلفه الكثير ولايزال، ألا وهو محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك بأديس أبابا منتصف التسعينيات، فعلى الرغم من أن مصر حينها، كانت تأوي جُل قوى المعارضة الشمالية والجنوبية، وتُحضِّر لها المؤتمرات وتساعدها إعلامياً في نشر بياناتها واستصدار صحفها، إلا أن نظام الخرطوم، لعق الثرى بخطأه ذاك، وهنا يأتي الفرق في القوة وفي السيطرة بين الجانبين، فقد اكتفت الألة الإعلامية السودانية حينها بترديد عبارات متهافتة تصف الرئيس المصري بأقذع العبارات، وتحاول التقليل من شأن مصر ونظامها أوانذاك، في حين أن الطرف المصري، زحف بقوة وتوغل داخل الأراضي السوداني دون أن يجد من يقل له"كر".
الآن تجد الدولة المصرية نفسها في حاجة لبعض التعاون مع النظام السوداني، وذلك لتحقيق مصالحها المُتمثلة في ما أشرنا له آنفاً، ولكن ما في القلب يظل في القلب، فالنظام المصري لن يثق في النظام السوداني بوضعه وشكله وتفكيره الحالي، حتى ولو دُبِّجتْ العبارات الأنيقة من الجانب المصري كأن يقول مسؤول بها(أبدى الوزراء الثلاثة ارتياحهم لسير المفاوضات التي سادتها روح الأخوة والتفاهم) المصدر السابق! والنظام السوداني الحالي ليس راضياً بأي حال عن صنوه المصري وهو الذي فعل الأفاعيل بأقربائه الإيدلوجيين حتى ولو قال(أن السودان حرص أكثر من مرة على عقد مثل هذه اللقاءات الثلاثية الخاصة والالتقاء مع الوزيرين المصري والإثيوبي (على انفراد) من أجل تقريب وجهات النظر) المصدر نفسه!
إن الجانب السوداني في حاجة لتقوية الجبهة الداخلية، حتى يتسنى له أن يعدل ميزان علاقاته الخارجية، وحتى لا يكون عرضة لأي ابتزاز من أي طرف إن كان صديقاً أو عدواً، فها هي إسرائيل تبقى مهدداً لأمن البلاد طالما أن نظامها متهم بدعم فصائل المقاومة الفلسطينية، وها هي أمريكا تحاصر السودان اقتصادياً ودبلوماسياً وتهدد كل من يحاول اختراق هذا الحصار بالعقوبات الرادعة، وها هي أثيوبيا تتوغل غرباً بقدر المستطاع داخل الأراضي السودانية، وما ندري إن كانت تشاد قد ترغب يوماً في استقطاع حصة لها من الأراضي غرباً، وهكذا دواليك.
إن تقوية الجبهة الداخلية لن يتمّ حتى تتوقف الصراعات في كل جنبات الوطن، ابتداء من الصراع على السلطة فذلك أُس البلاء، وذلك يتم بطريقين:
1- تفكيك النظام الحالي بشكل سلمي واستبداله بنظام ديمقراطي يعمل على تهدئة النفوس المكروبة ورد الكرامة المسلوبة ووقف النزاعات المتشعبة والمتفاقمة وجمع شتات السودانيين في طاولة واحدة تؤدي إلى تصفية النفوس وضمان الحقوق المسلوبة وفقاً لمعايير العدالة والمحاسبة لكل من ارتكب جرماً في حق الوطن أو أي فرد من أبنائه، وهناك تجارب عديدة في هذا المجال يمكن أن تؤدي للمخرج المناسب.
2- أن ينتفض الشعب في أي لحظة طالما أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في تدهور مستمر، وطالما أن الصلف والفساد والمحسوبية تسود بين الناس، والعوار يزداد يوماً بعد آخر.
أما إن واصل النظام الحالي تعنته واصراره على قيادة السفينة بما فيها من ثقوب، مستخدماً عصاه الأمنية التخويفية ومستنداً على نظرية كسب الوقت، فإن الغرق صاحبها لا محالة، وللغرق وجوهٌ كثيرة، وحينها... لن ينفع مال ولا بنون ولا صولجان.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 629

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1091571 [المشروع]
0.00/5 (0 صوت)

08-28-2014 12:23 PM
تحليل جيد ومصر تعلب لصالح ورقها في الوقت الراهن ريثما تنتهي المسألة الليبية كما انها لا تريد ان تنكأ المزيد من الجراح مع الاخوان المسلمين المهزومين في مصر حتى ينفض الناس من حول الاخوان المسلمين رويدا رويداً لان الاخوان المسلمين ومن شايعهم متحمسين الآن وان هذا الحماس لن يتم تخفيفه الا بمرور الزمن لذلك فإن سياسة مصر الضغط الداخلي وتفويت الفرصة للأخوان المسلمين بوجود حاضانات لهم بالخارج وبالتالي على مصر ان تأمن جانب السودان في هذه المرحلة العصيبة على مصر والشئ الثاني ان السودان بقدر احتياجة الى مصر يخاف على نظامه ليس من المعارض ولكن من شوكة الحوت (محاولة اغتيال مالرئيس حسنى مبارك) والتي لا يريد السودان اي تحريك لهذه القضية في مجلس الامن مرة اخرى لا من قبل اثيوبيا او المصريين لذلك فإن الحكومة السودانية تغض الطرف عن مصر وعن اثيوبيا.. ولا ادري اي عقلية تفتقت لهذه الحكومة ان تسعى في قتل رئيس دولة اخرى في اراضي دولة اخرى وهما جارتان؟؟؟ولكن المؤسف ان الذي يكتوى بكل هذه النيران ليس الحكومة السودانية فحسب بل انما الشعب السوداني الذي يتحمل وزر حماقات ارتكبتها بعض الاجهزة السياسية كما ان المؤسف ان نفس هؤلاء الاشخاص لا يزالون متنفذين في الدولة...ويسعون لوحدة الاسلاميين (اي اسلام وانت تحاول اغتيال رئيس دولة اخرى ونفس مسلمة؟؟)

[المشروع]

ردود على المشروع
Sudan [ashraf] 08-28-2014 02:41 PM
رائع رائع تحليل رائع/اين السادة السفراء


البراق النذير الوراق
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة