ملكة أشجار البونسيانا
09-01-2014 09:31 AM

ملكة أشجار البونسيانا


من رواية سبعة غرباء في المدينة

الرواية ستكون موجودة في معرض الخرطوم الدولي للكتاب الذي يبدأ في 1 سبتمبر 2014




أوقد السيد الرئيس شمعة لأن الكهرباء إنقطعت فجأة ثم أحضر بقية زجاجة خمر محلي، كان يقتصد في شرابها بسبب ضيق ذات اليد. ثم تذكر أنه يحتفل اليوم بعيد ميلاده الستين. خلال العام الأخير تغيرت أشياء كثيرة، سيحتفل هذه المرة لوحده بعيد ميلاده، بعكس إحتفال العام الماضي بالقرب من حدود بلاده. لقد أطفأ شمعة عيد ميلاده وسط دوي أصوات المدافع. كانت تلك آخر معركة يقودها رجاله، قبل أن يتفرقوا أيدي سبأ، يتعفنون في المنافي الرطبة. يتجرعون سموم الخمور الرخيصة، التي يخفف من كآبة شربها، فوضى ضجيج أكورديونات الفرق العابرة عبر الحدود، التي تتصاعد من غابة المانجو في خمول قيلولة ما قبل هطول المطر. وغناء العمال السكارى العابرين الى مواسم الحصاد. ويموتون دون عزاء في أكواخهم المعتمة في أحضان العاهرات الفقيرات، لا يبقى لهم من عزاء سوى صور عظمتهم المشكوك فيها، التي يثبتونها بمسامير إصلاح الأحذية على الجدران، يظهرون فيها وهم يضعون حجر أساس مشروعات منسية من أجل تطوير البنية التحتية، أو وهم يفتتحون مصانع للمياه الغازية، أو يخاطبون الجماهير في أعياد الثورة. الثورة التي ضاعت تفاصيلها في النسيان، بعد أن تم محوها من الكتب المدرسية والأفلام الوثائقية التي كانت تعدها وزارة الإعلام لعرضها في مهرجانات السينما المتجولة، وقبل عروض الأفلام على إمتداد الوطن. في دور العرض التي يتعين فيها حمل مظلات محلية مصنوعة من جوالات البلاستيك للوقاية من المطر الاستوائي الذي يهطل دائما في أصعب لحظات المشاهد العاطفية، أو تلك التي يواجه فيها بطل الفلم الهندي الخائن الذي دمّر حياته. في إحتفال عيد ميلاده الأخير، شاركت في إحياء الحفل الصاخب فرقة موسيقية مكونة من ثلاثين رجلا وغرقت الأرض في أنهار من الخمور المحلية والمستوردة.
في العام الماضي كان الاحتفال بحضور عدد كبير من الاصدقاء ورجال حركته . لكن كل شئ تغير هذا العام، لقد وقّعت الدولة التي تستضيفه إتفاقية سلام مع دولته توقف على إثرها الدعم الذي كان يحصل عليه طوال سنوات من الدولة المضيفة .
أيقظته في الصباح طرقات على الباب. وجد ضابطا في إنتظاره خارج الكوخ، دعاه للدخول لتناول القهوة لكنه إعتذر عن الدخول بدعوى أنه مشغول بأمر ما، أوضح أنه مكلف بتسليم سعادته رسالة من القيادة، لم يوضح أي قيادة يقصد، قيادة الجيش أم قيادة هذا البلد الذي يعيش فيه منذ سنوات، منذ أن إحتضنته حكومته وأمدته بالمال والسلاح لإسقاط الحكومة القائمة في بلده بسبب دعمها لتنظيمات معارضة لسلطة البلد الذي يستضيفه. تم تعيينه رئيسا في الانتظار في إحتفال رسمي، إرتدى فيه ملابس عسكرية كاملة ووضعت فيه على رأسه قبعة عسكرية مزينة بريش النعام الملون، وحين وصوله لمكان الاحتفال تفقد مع الرئيس المضيف حرس الشرف. لقد أمضى ثلاث سنوات يتصرف كرئيس دولة. يصدر القرارات الجمهورية بترقية ضباطه وبتعيين مبعوثين شخصيين له . خاضت جيوشه معارك خسرت معظمها، لكن ذلك لم يؤثر على معنوياته أو يغير شيئا من الواقع. فالحرب نفسها أصبحت مهنة. وأعباء الرئاسة الحقيقية لن تكون سهلة حتى يتعجلها، وفي كل الأحوال فهو يواصل في ممارسة سلطته الغيابية من البيت الذي منحته له الحكومة كمقر مؤقت له ولسلطته.

في مقر اقامته كانت السلطة تستمر يوميا حتى الثالثة بعد الظهر، يخلد بعدها السيد الرئيس للقيلولة، غارقا في عرقه في قيظ الساعة الثالثة بعد الظهر الذي لا تخفف مروحة السقف العتيقة شيئا من ضراوته. وان كانت تخفف قليلا من ضربات البعوض الذي يتسلل من فتحات سلك النملية الذي يغطي النوافذ.

الساعة الخامسة بعد الظهر يبدأ البيت في التحول إلى خلية نحل، يحضر أولا ضباط حركته، من قدامى المحاربين، مرهقين من وعثاء الهزائم، لم يكسبوا طوال حياتهم حربا ولا حتى على طاولة دومينو. تبدو على وجوههم إمارات ورع مزيف يتبدد مع أول خيوط الظلام. يتحدثون دائما بأصوات عالية أو يبدون في حالة انهماك مزيف في النقاش، كأن صمتهم يفضح همس الشائعات التي تطاردهم حول الأسلحة التي يبيعونها دون أن تطلق طلقة واحدة. وتجارتهم الحدودية في كل شئ من الملابس العسكرية إلى زجاجات الويسكي والأدوية المنشطة جنسيا. اذا حاول أحدهم التحدث حول الموقف العسكري يوقفه بإشارة من سبابته: ممنوع ممارسة الحرب مساء! يتم تجريد الجميع مؤقتا من رتبهم العسكرية، يحتفظ هو فقط بلقبه الخالد: السيد الرئيس. الحقيقة أنه بمضي الزمن، كان يصبح عمليا ممنوعا ممارسة الحرب نهارا أيضا. حتى في أوج نشاط البيت الرئاسي نهارا كان عساكره يهربون الى أية جهة تدفع رواتبهم كمرتزقة، وكان أفضل ضباطه يتعفنون في وهدة إنتظار دون أمل. ينهش البعوض أجسادهم في ليالي السافنا القائظة، حين يستحيل حتى التنفس في الهواء الراكد في ساعات ما قبل هطول المطر.
يحضر أصدقائه من ندماء الشراب القدامى، بعضهم يحملون جنسية البلدين بسبب إنتمائهم لقبائل حدودية مشتركة. ينسون حين تستعر نار الشراب إلى أي وطن ينتمون، يقول احدهم مشيرا إلى جركان الخمر المحلية: هذا هو الوطن! ثم يوضح: يكون جيدا أحيانا فيسكرك قبل إن تشرب منه، ويكون سيئا في أحيان أخرى، مغشوش بالماء فلا يحرك فيك ساكنا! لكننا لا نستطيع تركه، فهو الوطن!

ثم يحضر الطباخون ، يقومون يوميا بذبح ثلاثة خراف، لا ينس أحد جنرالاته أن يعلق يوميا بالقول حين يرى الخراف مذبوحة تنزف آخر قطرات دمائها قبل تعليقها للسلخ:

هذا هو الدم الوحيد الذي نجحنا في إراقته منذ أشهر!

يعلقونها في الفناء وبعد سلخها يستخرجون المعدة والامعاء لطبخها ثم يشوون بقية الخروف كاملا، وكأن تصاعد رائحة الشواء هو الاشارة التي تظهر على اثرها الفرقة الموسيقية مع الراقصات الحبشيات. يبدأ الغناء بعد أن تتناول الفرقة الموسيقية العشاء في صخب إستوائي.

حين توشك السهرة على الانتهاء عند بدء إنبلاج ضوء الصباح يقف السيد الرئيس متأبطا يد الراقصة الأفضل أداء تلك الليلة وكأنه عريس على وشك السفر مع عروسه لقضاء شهر العسل بعد إنتهاء مراسم زواجه، يشكر الجميع على حضورهم راجيا أن يكون الاحتفال قريبا في الوطن بعد تحريره من الطغمة الفاشية التي سرقت موارده وسلمته للشركات الأجنبية .
يؤمن بالتعددية فقط في فراشه. تقبض الراقصة التي تقضي الليل معه حسابها صباحا من الحرّاس وتغادر البيت قبل أن يستيقظ هو من نومه الرئاسي. وأحلامه الوطنية، يرى الوطن مثل سفينة تبحر دون هدف الى المجهول. دون قبطان، ودون بوصلة. لا يستطيع أن يرى او يعترف ان الحياة تمضي، حتى بدونه، أن سفينة الوطن كانت تشق طريقها وأن النوائب التي كانت تعترضها أحيانا لم تكن بسبب غيابه بقدر ما كانت نتاج سياساته الهوجاء التي ظل الوطن يدفع ثمنها، فيما يتدحرج هو الى النسيان وتختفي صوره من كل مكان في الوطن، لا بفعل فاعل لأن من خانوه كانوا يريدون غسل منجزات عهده من ذاكرة الوطن، كما مضى يرّوج وسط ضباطه ومساعديه في المنفى، بل بسبب عوامل التعرية والرياح الموسمية الممطرة التي إكتسحت حزام الجفاف في مملكته معلنة بدء دوران الفصول والتاريخ. فتغيرت بفضل الرياح معالم صوره المعلقة على جدران الوطن، وتماثيله التي غطى ملامحها سلح طيور الوطن والطيور المهاجرة من أقصى الأرض بحثا عن الدفء والغذاء في المملكة الشاسعة التي كان يحكمها. حيث رنين أجراس الكنائس أيام الآحاد، والأذان في أيام الجمع.
لاتترك فيه نساء الليل العابرات أثرا يذكر، إمرأة واحدة تركت أثرا كارثيا على أسطورة تعددية الحب التي يؤمن بها. كانت قد شاركت بالغناء والرقص في الليلة السابقة، رغم أن الخمر المحلية التي شربها كانت تحجب عنه روائح العالم لكنه إشتم في هذه المغنية الراقصة رائحة زلزلت ذاكرته. رائحة زهور شجرة البونسيانا ، يا للكارثة! إنها رائحة قصره الجمهوري السابق! الذي كانت تغص حديقته الضخمة بأشجار البونسيانا الملكية. رائحة زمن الأمجاد المنسية!، الزمن الذي صدّق فيه ان وجود الوطن نفسه كان مرهونا بوجوده هو، ان كل شئ كان يعمل بإشارة من يده، تهب الرياح ويهطل المطر ويدور بندول الساعة بإشارة من يده. يقول مستشاروه: حين تخلد للنوم سيدي الرئيس، تتوقف الحياة في العالم، تتجمد حتى الحياة في بحيرة فكتوريا. الآن لا يأبه احد لنومه أو إستيقاظه، يستمر كل شئ أثناء نومه، يتعالى لغط العامة في الأحياء المنسية الفقيرة، وترتفع أصوات الآت موسيقية صدئة مع رائحة الخمر الرخيص. حتى انه كان يفتح نافذة غرفته في بيت الضيافة أحيانا ليصرخ في سائقي عربات الأجرة الذين يلعبون ورق الكوتشينة طوال الليل، ليتوقفوا عن العراك حين يسرق أحدهم إحدى الأوراق ويخرجها من كمه حين تستعر حمى اللعب مثل ساحر.
ليلا في حمى الجماع، حين إختلطت موسيقى الجاز برائحة العرق ونيران إحتراق شظايا الرغبة في قاع الجسد. مع دخان الجسد تصاعدت رائحة زهور شجرة البونسيانا، رأى نفسه وهو ضائع في متاهة الجسد البونسيانا يفتش حرس الشرف في رذاذ مطر سبتمبر مع رئيس ضيف كان يزور بلاده، نظر في وجه الرئيس الضيف، وفجأة إنتهي كل شئ، أطفأت المياه الدافئة في ذروة الحب نيران الجسد، إنفصل بجسده بعيدا قبل أن تقفز صورة الرئيس الضيف الذي إستعرض معه حرس الشرف بين أشجار البونسيانا الملكية. فصرخ قائلا:
اللعنة، إنه بل كلينتون!
في الصباح حين إستيقظ من نومه، بحث عن المرأة، عن وردة البونسيانا كما صار يدعوها، فلم يعثر لها على أثر، حاول إقتفاء رائحتها داخل البيت فلم يعثر على شئ، كأنها سحبت معها رائحتها المميزة من كل مكان في البيت قبل أن تغادر. خرج الى الحرّاس وهو لا يزال بملابس النوم، يسأل عنها، عرف أنها تقاضت أجرها وغادرت البيت مبكرا! يا للكارثة، أصدر أمرا جمهوريا ألا يغادر أحد البيت قبل الحصول على إذنه!
أوضح أحد الحرّاس: لكن هذه ليست المرة الأولى سيدي الرئيس!
قال بثقة رسمية: بل هي المرة الأولى!
أصدر أمرا للحرس بالبحث عنها وإحضارها. لكنهم لم يعثروا عليها أبدا حتى فقد هو سلطة البهجة وسلطة الحب التعددي. وغادر الى المجهول حيث الموت الذي أدمن الهروب منه، يحوّم في كل مكان مثل كلب ضال في ساعات الهجير. أصدر أمرا جمهوريا بتعيينها ملكة على أشجار البونسيانا، وجائزة ضخمة، وترقية إستثنائية لمن يستطيع العثور عليها وإحضارها، حتى وإن كان مدنيا لم يستخدم من قبل ولا حتى بندقية لعب. بحث الحراس عنها في كل مكان في المدينة الكولونيالية القديمة الغارقة في الرذاذ، وفي كل مكان زاروه كان يسمعون أن موكب فرقتها غادر لإحياء حفل في مكان ما ربما خارج الحدود.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1229

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1095313 [سمر]
0.00/5 (0 صوت)

09-02-2014 11:14 AM
عجبتنى الحكايه جدا لكن وين الباقى؟

[سمر]

#1095117 [Amal]
5.00/5 (1 صوت)

09-02-2014 07:25 AM
احسست بالغربة وانا اقرأ الرواية وشعرت ان مركيز اقتلعك من جذورك انها حقا مثل شجرة البونسيانا تميزت بحسن الشكل والمنظر اكثر من تميزها بعطر ازهارها عفوا لهذه الملاحظة فانت من رواة القصص المفضلين لدي دوما

[Amal]

أحمد الملك
 أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة