المقالات
السياسة
ماذا تبقى من (المشروع الحضاري) سوى (دّيوث) ؟!
ماذا تبقى من (المشروع الحضاري) سوى (دّيوث) ؟!
09-02-2014 07:19 PM

عُشاق الأفلام الأمريكية يعرفون جيداً من هو المُخرج "ديفيد غريفيث" صاحب المدرسة السينمائية التي تقوم على مبدأ (الإنقاذ في اللحظة الأخيرة) ، حيث يجعل أبطالة ينجحون دائماً في إنقاذ العالم في الثانية الأخيرة من إنفجار (قنبلة مدمرة) مثلاً ، فعندما تكون الكاميرا مُثبتة على عداد القنبلة التي يتوقع انفجارها بعد ثوانٍ معدودة ، وفي لحظة تختلط فيها دقات قلب المشاهد بدقات ساعة القنبلة فيتصبب عرقه كما يتصبب عرق البطل الذي يحاول جاهداً نزع فتيل القنبلة. و بينما العداد المثبت بعناية على الشاشة ، يُشير إلى ثلاث ثوانٍ تفصل بين الحياة والموت ينجح بطل الفيلم في ابطال الفتيل وسط همهمات وزفير وشهيق وتهليل المشاهدين .

الغريب في الأمر إن أمثالي من عُشاق هذا النوع من الأفلام ، وحتى بعد أن أصبحت هذه الطريقة السينمائية مكرورة ومعتادة ، يظلون دائماً ، برغم صدمة اللقطة وعصبية اللحظة ، في انتظار الفيلم القادم لـ"غريفيث"، غير مهتمين بانحباس أنفاسهم كل مرة ، ولم لا ؟ فدائماً هنالك ثمة بطل مُنقذ يظهر في الثانية الأخيرة كي يفصل (السلك الأحمر) فيتوقف العداد وننجو من الانفجار الذي كان سيقضي علينا ، بحمد الله وبراعة المخرج .

شعرت بأنفاسي تنحبس وشممت رائحة الأدرينالين يخرج من بين مساماتي ، وانا أطالع ما أعلنته أمس منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) بوجود (ثلاثة ملايين) طفل سوداني خارج الدراسة ، إذ كشف ممثل المنظمة بالسودان عن أن أكثر من 50% من الأطفال بولايات درافور الخمس لا يذهبون إلى المدارس ، وان الحرب والنزاعات في مناطق مختلفة بالبلاد حرمت غالبية الأطفال من متابعة تحصيلهم الدراسي !

يا للحسرة ، ليست لعظم هذه المأساة وحسب ، بل لأن بلادنا تفتقد أي حل يلوح في الأفق لمثل هذه (القنابل المدمرة) التي لو قيست بمقياس (ريختر) لتواضعت أمامها أقصى قوة زلزالية تدميرية مسجلة ، إنها لمأساة لا حل لها ، مأساة تحتاج لعصا موسى ولبطل يأتي في الثواني الأخيرة حاملاً مقصه كي يقص (السلك الأحمر) من الأزرق ، وينقذنا بطريقة (غريفيث) السينمائية!

وتكتمل فصول الفيلم التراجيدي الذي تشهده بلادنا يومياً ، بالحالة التي تقبل بها السودانيون الخبر ! أكثر من نصف أطفال البلاد لا يتلقون تعليماً ، ولا تعليق ! ولا شيئ يحركنا ، وكأننا انتقلنا من الجمعة إلى السبت أو من الخريف إلى الشتاء ، مع ان أي حساب بسيط سيفضي بنا إلى أن (3) مليون طفل أمي الآن ، سيبلغ عددهم حوالي (9) ملايين على أقل تقدير بعد عشر سنوات ، أي أن حوالي ربع شباب البلاد سيكونون من الأميين وقتها . ولكم أن تتخيلوا إلى أي كارثة نحن مساقون؟

حقيقة لا أجد تفسيراً لهذا الصمت المريب فهل ماتت ضمائرنا الوطنية ؟ أم أن قلوبنا تعفنت وذواتنا خربت ، ونحن قعود ننتظر التغيير؟! ورحم الله سيد العارفين الصوفي "البسطامي" الذي حذرنا من عاقبة إنتظار الأمل المجاني الطويل ، قائلاً : (إياكم وطول الأمل ).

لست رومانسياً و لا إدعي وطنية أكثر من غيري ، أو شجاعة تفوق الآخرين، بل أنني غادرت البلاد وهربت منها خوفاً لا رغبة أو إغتراباً ، وأجد نفسي الآن في غاية الألم للحال الذي وصلت إليه وللمآل الذي ينتظرها ، فلم أتخيل يوماً ابني إلاّ وهو يمشي بحقيبته المدرسية وسط أقرانه ! ولا أرى أمراً يستحق أن نموت من أجله أكثر من توفير حياة كريمة لأبنائنا ، ولا توجد حياة كريمة في وطن يرمي بنصف أطفاله في ظلمات الجهل والتخلف والتشرد .. وطناً كهذا حري بنا أن نقرأ عليه ما تيسر لنا من آيات بينات .

وأكثر ما يحيرني وسط هذا الكم الهائل من الإحباط هو تمسك "عمر البشير" بالسلطة وتشبثه بها ، رغم أنه لم يستطع توفير أبسط مقومات الحياة لشعبه ! ولا أعرف أين النجاح والفلاح في حُكم فقراء وجهلة وأميين ، وكيف يباهي شخص بحكم وطن لم يستطع توفير التعليم والأمن لأكثر من نصف أطفاله؟

فهل يسوء هذا الرجل أنه تحول إلى ( دّيوث) لا ينافسه من عليٍّة القوم في كل التاريخ سوى "عبد الله بن جُدعان " أشهر ديوثي مكة في عهد الرسول الأعظم ، وحسب وصف "إبن كثير" له بانه كان يفتقد للمروءة والشرف ، لا يتردد في إغواء أهله وشعبه للعمل بهذه المهنة كي يعيشوا ، ومع ذلك كان منافقاً يدعي التديّن ، وكان يتاجر في البشر ويعتقهم أحياناً ليلحقهم بقبيلته وبذلك كان يوفر الإمتيازات والوظائف لأبناء قبيلته من جهة ، ومن جهة أخرى يحقق لنفسه ثراءا سريعاً من عائد تجارته وسمسرته في أهله ! فماذا تبقى بالله عليكم من (المشروع الحضاري) سوى (دّيوث) ؟!


عبدالمنعم سليمان
[email protected]
حريات


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1577

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1096673 [رانيا]
5.00/5 (1 صوت)

09-04-2014 12:47 AM
أقتبس من الأستاذ الرائع أمبدي ما كتب في إحدى كراكتيراته :
الجماعة ناويين يسلموها لعيسى !

يا رب غير حالنا في السودان إلى أحسن حال برحمتك ومنك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين .

على فكرة الوالدة الله يحفظها برضه من عشاق الأفلام الأميركية ذات هذه اللونية وياما هلكتني في طفولتي بيها والغريب كنت بقفل باب غرفتي حتى لا أسمع المؤثرات الصوتية وبعد ده كله لا أسلم من صوت تعليقاتها المستمرة ومناشدتها الممثل إنه يعمل كده وكده وكأنها مخرجة مخضرمة ...الحال ما إتغير عندنا فعندما تأتيني زيارة في مكان إقامتي أدخل أنا و"أبنائي" غرفة أخرى وبرضه لا نسلم من تعليقاتها وإنفعالاتها مع فيلمها الأمريكي الموتر والمثير للأعصاب .

مع التحية .

[رانيا]

#1096521 [ansary]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2014 05:57 PM
إن البشير مات قلبه و ضميره منذ فترة طويلة جداً فلا حياة لمن تنادي , بل المشكلة في أشباه الرجال و المخنثين في المؤتمر اللاوطني !!!! لماذا هم مصرون عليه و هم يقولون إن الحزب هو من يختار مرشحه ؟؟؟؟ كما إن الجيش و الأمن ألا يوجد فيهم وطني واحد غيور لهذا الوطن فيتخلص من هذا الرجل المصيبة ( BY any means necessary )؟؟؟؟

[ansary]

#1096422 [الشقي بقي]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2014 04:25 PM
المشروع الحماري.

مع الاعتزار لكاتب المقال.

[الشقي بقي]

#1096364 [المبروك]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2014 03:19 PM
يا أخي من وين جبت الكلام دا ان (عبد الله بن جُدعان) كان ديوث بمكة؟؟؟؟؟؟

[المبروك]

#1096348 [marj]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2014 03:07 PM
حقيقة صادمة و ان دل ذلك على شىء فانما يدل ذلنا و هواننا و موتنا كشعب يجرجر أذيال الخيبة بعد أن أراه هؤلاء المجرمون كل أنواع المهانة و الغذاب. لماذا لا نشرب من دمائهم اليوم قبل غدٍ. أطفالنا فى الجنوب مشردون و فى الغرب أميون و يقتلون و الشمال و الشرق و الوسط مهملون و جائعون. ما ننتظر .............. و من أين أتى هؤلاء ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ لعنة الله عليهم اينما حلوا. الشىء المحيرنى كل واحد منهم يتبرأ من الآخرين و يقول أنه ليس منهم.

[marj]

#1096149 [مكرام]
5.00/5 (1 صوت)

09-03-2014 12:14 PM
المشكلة ليس. الديوث هذا وانما مخنثي المؤتمر الوطني الذين يريدون ان يقدموه مرة اخري ليقودهم،}رجل ميت القلب والضمير

[مكرام]

#1095743 [الحازمي]
5.00/5 (1 صوت)

09-02-2014 11:18 PM
أخي الكريم
هذه الطبقة الحاكمة سعيدة جدا بهذا الوضع
لانه يفرخ باشبوزق لالة الحرب الجهنمية و جهلة يقودهم زعيم القبيلة الى زرائب الطائفية والوطني
التحدي والامل على من نجا من الأخطبوط لانقاذ هؤلاء الضحايا وابطال ما يحملونه من قنابل

[الحازمي]

عبد المنعم سليمان
 عبد المنعم سليمان

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة