المقالات
السياسة
فيرغسون: مشاكلي بالديمقراطية الليبرالية بتنحل
فيرغسون: مشاكلي بالديمقراطية الليبرالية بتنحل
09-03-2014 08:40 AM

ليس من الفطانة في شيء أن نلجأ بقضايانا العربية والإسلامية الجسيمة مع أمريكا إلى ساحة الأزمة العرقية في مدينة فيرغسون الأمركية التي تصدرت نشرات الأنباء خلال الأسبوعين الماضيين. فمتى ضايفنا بينهما جزافاً نكون ارتكبنا أقصر الطرق إلى الضلال عن الحق. ومع جامع الظلم والظالم بين مسألتنا ومسألة فيرغسون إلا أن البون بين المسألتين شاسع. فمسألة فيرغسون مما بوسع الدولة الأمريكية حلحلتها في نطاق دستورها ونظمه في الولاية والدولة الفدرالية بفروعها الثلاثة: التنفيذي والتشريعي والقضائي. أما مسألتنا العربية الإسلامية فحلالها فوق.
معلوم أن مسألة الحقوق المدنية للسود أقدم من القضية الفلسطيينة وسائر قضايانا. ونجحت أمريكا في استيعاب حقوق السود شيئاً فشيئاً في دستورها ببطء مروع تنزلاً عند ضغط أسود تاريخي. ومحنة سود فيرغسون القائمة صورة أخيرة من صور عسر الهضم الذي يعاني منه الدستور الأمريكي في بسط ظله على السود. ولكنه عسر (على فضائحيته العرقية الوخيمة) أصل في النظم الديمقراطية الليبرالية. فهذه النظم تعريفاً نظم تتأخر فيها مواطنة المستضعفين عن مواطنة الملأ ولا تتحقق هذه المواطنة للمستضعف إلا بعد لأي. فلم تصوت المرأة في الولايات المتحدة إلا بعد 150 عامة من إجازة الدستور الديمقراطي. وأخذ العمال وسائر الكادحين وقتاً ليحصلوا على حق التصويت الذي حالت دونه ودونهم حوائل الملكية أو الأمية.
ظل السود شبحاً في أمة طبقت الديمقراطية الليبرالية منذ وضعت دستورها في 1787. ولم تتواضع الأمة الأمريكية على الدستور إلا بعد أن أذعنت الولايات الشمالية لإرادة الولايات الجنوبية بمساومة تنأى بها الحكومة الفيدرالية عن التشريع ضد الرق. وخرج السود من ظل هذا الدستور صفر اليدين لا يحق لهم التصويت. بل قبل الكونغرس أن يكون قدر الأسود ثلاثة أخماس الأبيض في تعداد السكان الذي بموجبه تتحدد مقاعد مجلس النواب. وتفجرت الحرب الأهلية الأمريكية في 1861 حول موضوع حقوق السود بحيثيات نتجاوزها هنا. وصدر قبل نهاية الحرب في 1865 التعديل رقم 13 للدستور الذي ألغى مؤسسة الرق. وثَبَّت قانون الحقوق المدنية لسنة 1866 حق السود في التصويت. وهو حق قيدته جملة قوانين وممارسات في الجنوب الأمريكي عرفت بعامة ك"قوانين جم كرو". ومنها فرض ضريبة الدقنية (وهي نفسها التي فرضها الإنجليز على المناطق المقفولة في السودان) على رأس كل فرد حي يرزق ليستحق التصويت. ومنها تقييد التصويت بمعرفة القراءة والكتابة. وكلها مما تعذر على السود. بل أرهب البيض أولئك القلة السود ممن استحقوا التصويت ليزدجروا. وهذه القوانين الشائنة هي التي نهضت بوجهها حركة الحقوق المدنية السوداء بقيادة مارتن لوثر كنج في تحالف عريض من السود والبيض سيّر موكباً مشهوداً سد آفق واشنطون لإلغاء تلك القوانين. وعليه أصدر الرئيس الأمريكي جونسون قانون الحقوق المدنية في 1965 الذي منح حق التصويت لكل مواطن أمريكي بلا قيد ولا شرط.
وعليه يقع احتجاج السود في فيرغسون في إطار استكمال حقوقهم السياسية. فسود البلدة جزء من حركة عامة لبسط مواطنة الأمريكيين من أصول أفريقية، والتي ما انبسطت، حتى أثمرت لهم سلطاناً سياسياً منذ الستينات. وتبين هذا السلطان حتى في سنت لويس التي فيرغسون بعض قضائها. وخلافاً عنها غزة فلسطين التي حركتها حركة تحرر وطني من استعمار استيطاني مدجج بكتاب مقدس. والمدخل إلى حل نقص سود أمريكا يمر، كما فعل دائماً، بطريق استنهاض حركة حقوق مدنية تستجمع حولها ما يعرف ب "الغزارة الحاسمة" (critical mass)، أي جمهرة مشبوبة الخيال للتجديد في حلف ذي عزيمة ينال مطلوبه أو يفنى دونه.
تلوح بقوة الآن إرادة تغيير بما في مثل فيرغسون من استضعاف. فهال الناس أن يظلم السود في بلدة هم 70% من سكانها. ومن أهم موارد موارد هذا التغيير وتثقيفه فرع في المعرفة معروف باسم "العدالة الجنائية". ويدرس هذا العلم الآثار الضارة للسجن على الإرادة الإنتخابية للسود. وصدر كتاب أخير في 2013 لتريسي بيرش عن دار نشر جامعة شيكاغو عن هذه المسألة عنوانه "مقايضة الديمقراطية بالعدالة" عرض لحقيقة أن السود هم 13 في المائة من السكان ولكنهم يشكلون 60 في المائة من السجناء. وأن 23 في المائة من شباب السود في السجون بينما نسبة البيض 7 في المائة. وخلصت الكاتبة إلى أن هذا التركيز المقيت للعدالة الجنائية على مناطق السود يُحَجم ثقلهم الانتخابي لأن السجين الأمريكي منزوع منه حق التصويت. ولا يقتصر احتجاز الدولة هذا العدد الكبير من السود في سجونها (وتربصها بهم بعد إطلاق السراح لمن هم تحت الرقابة أو بحسن سير وسلوك وغيرها) على حرمانهم من التصويت فحسب بل يؤثر على من حولهم يأساً من رحمة الدولة واعتزالاً لها، وامتناعاً عن العمل المدني والشبكات الاجتماعية التي هي بؤر الديمقراطية ومدرستها.
ليس من الفطانة انتهاز سانحة فيرغسون لإعادة ضخ ما تواضعنا عليه من تعييب أمريكا بزيف الديمقراطية. فالمخرج لفيرغسون هو في بسط الديمقراطية الليبرالية بسطاً آخراً طال الزمن أم قصر. وهو البسط الذي ينبغي أن نتضامن مع سود فيرغسون لتحقيقه وإلا كان احتجاجنا باسمهم نهشاً لا سهراً على قضيتهم المميزة العادلة. وربما نمينا ذوقاً أفضل للديمقراطية الليبرالية متى أحسنا فهم قضية فيرغسون وسبل حلها. فقد حالت دون اكتسابنا هذا الذوق المركزي مسارعتنا الرعناء لتستردف هذه الديمقراطية عندنا معاني العدل الاجتماعي والعرقي والجندري وغيرها في التو والحال. فأضعنا هذه الديمقراطية جزافاً ولم نبلغ تلك المعاني بل خرج علينا باسمها ناصر والأسد والقذافي ونميري وصدام فسامونا العذاب الأكبر.

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1253

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1097520 [الجوكر]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2014 06:14 AM
((ولم نبلغ تلك المعاني بل خرج علينا باسمها ناصر والأسد والقذافي ونميري وصدام فسامونا العذاب الأكبر))؟؟؟؟؟؟

وأين بشبش يا منافق؟ ديل كلهم ما في واحد منهم فصل بلده أو أباد أكثر من مليونى مواطن وهجر 4 ملايين وصار أول رئيس في سدة الحكم يفوز بإتهام الإبادة،، إختشى على دمك.

[الجوكر]

#1096584 [خالد بابكر أبوعاقلة]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 08:08 PM
هذا أجمل حديث وأعمقه منذ رمضان , وهو يرينا أن الديمقراطية تولد وتتطور وتتجدد , وأنها لا تملك عصا سحريةبل عصا يمكن أن نتوكأعليها ولا يمكن أن تدخل فيها يديك في جيبك لتخرج بيضاء منيرة في التو والحين , وأنك لا بد أن تلوليها أزمانا وأزمانا حتى تبتسم لك وتحل مشاكلك عبر الدهور . ولكننا لا نتحمل ذلك ونريد دائما ثعبان موسى الذي ( يلقف ) مايأفكون .

[خالد بابكر أبوعاقلة]

#1096419 [محمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 04:21 PM
غايتو دكتور عبدالله ده متناقض جنس تناقض ، الآن ينادى بالديمقراطية الليبرالية والتي من أسها وجوهرها اطلاق الحريات جميعا والحقوق ، ولكن عبدالله هذا الذى يحاضرنا الآن هو قد كتب في بداية الإنقاذ مقرظا ومادحا الانقلابيين في السودان وذاكرا انهم قد سنوا قانون من اين لك هذا وابراء الذمة وهم قد كشفوا عن تطهرهم ، وكتب ان عمر البشير عبقرى وقد عرف مشاكل السودان وهضمها . هذا ما كتبه وهو منشور في كتابه الذى جمع فيه مقالاته في بداية الإنقاذ وقد شارك في مؤتمرات الإنقاذ الأولى .
طيب انت وكت مقتنع بالديمقراطية الليبراليه مالك ما قلت الكلام ده من البداية عشان تكون متسق مع افكارك جايينا هسع بعد الساعة الخامسة والعشرين تقول لينا الديمقراطية الليبرالية وانت واحد من الذين وضعوا لبنات الديكتاتورية في السودان .
قوم لف ياخ

[محمد احمد]

#1096071 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 10:50 AM
وسود السودان المساكين ديل اصلا ما دخلو في حساباتك ؟

السود في السودان ماتوا بالملايين ولمن انتظموا مع الحركة الشعبية انت

كنت ( ولا زلت ) اول من يعاديهم .

ياخي اختشي ... امريكا على اقل تقدير هسع رئيسها اسود ... وين من حكومة كيزانك

اللي باري قلمك تشكر فيهم من 1989 ؟ البلد انفصلت عديل بسودها وانت لا زلت

تعاديهم. بالله الناس كيف ممكن تتقبل ليك اي مصداقية في الكلام دا ؟

[مجودي]

#1096040 [خالد]
0.00/5 (0 صوت)

09-03-2014 10:20 AM
البشير شايفو ما خاشي في لستتك يا رئيس حزب قوون..

[خالد]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة