المقالات
السياسة
بوادر الإنقلاب
بوادر الإنقلاب
12-08-2015 03:03 PM


الوعي هو أحد المجالات التي يحبب فيها الإنقلاب، وإنقلاب الوعي هو المقدمة والشرط الضروي لإحداث الإنقلاب في مجالات الحياة الأخرى المختلفة على منهج هيجل (الفكرة مبدعة الواقع)، وهو ما نكاد نلمس بوادره في السودان بعد غيبوبة طويلة سمحت بتدهور مريع في كل المجالات.
إن من مفارقات القدر أن أكبر حدثين سعيدين في تاريخ السودان كان ينتظر أن يرتقيا بوعى وواقع المواطن السوداني، هما ذات العاملين الذين اسهما في هجره لمعاناه التفكير والإجتهاد وبحثه بلاوعى عن ملاذات للدعة والراحة بعد طول معاناه: وهما عاملى السلام والبترول. فالبلاد التي كانت تعاني من الحروب المستمرة والفقر قد هبطت عليها فجأة إتفاقية السلام 2005، وتفجر فيها نبع البترول، فهرع الجميع على عجل في محاولة لأن يجد أي منهم موطأ قدم ومستقر. وبعد تكالب لم يستمر كثيراً استفاق الجميع على هول الصدمة: (لا سلام ولا بترول)، وكما يقول المثل السوداني: (جفت الفولة وبانت قراقيرها)، والفولة هي بركة المياه الخريفية في البيئات التي يتطاول فيها فصل الجفاف فيكون منظر بركة المياه فيها آسراً للنفس بعد أن تكتسي بالخضرة وتجتذب إليها الطيور والفراشات، ولكن حكماء الريف يحذرون من الإغترار لأنهم يعرفون أنه ستجف الفولة وستبين المخازي التي كانت تسترها البركة في جوفها من حفر وحيف وغزي وغثاء.
إن الصدمة القوية هى أحد المنبهات الضرورية وأحد شروط الإستفاقة، فقد جف السلام وجف البترول كاشفاً عن حجم التدافع المخزي حول السلطة والمناصب والإستوزار، والتكالب الشره على التكسب والثروة والغني، والفساد وضياع الزمم والأخلاق وقيم الشرف والأمانة، وبان حجم الفقر والضحايا تحت التدافع.
لقد جاء على حكومة الإنقاذ حين من الدهر ظنت فيه أنها فعلاً ستغير ليس فقط المواطن السوداني، بل والعالم، وقد بدأت تتعامل فعلاً على هذا النحو، وفي المقابل هرع كل الطائفيون والليبراليون والتقدميون و المتأسلمون..، حتى أنني يوماً عندما فكرت في مقولة لأحد منسوبي الإنقاذ بأنها حكومة "وحدة وطنية" لأنه يشارك فيها الجميع، وجدت أن ذلك متحقق فعلاً: فقد كان فيها الحزب الإتحادي وحزب الأمة والإخوان المسلمين وأنصار السنة وبعض المثقفين الشيوعيين والعروبيين والليبراليين .... وبذات الشعارات القديمة، حتى أن المواطن السودانى (الليبرالى والإسلامي والإشتراكي والعروبي...) من أتباع هذه الأحزاب والتنظيمات ما وجد ذاته إلا في الإصطفاف مع تيارات الهامش والحركات المسلحة وتيارات الهجرة إلى الخارج وغيرها، فقد أفرغت الإنقاذ وحلفائها كل هذه اللافتات من أى محتوي أو مضمون مبدئي أو فكري أو قيمي.
والآن....وبعد سقوط الأقنعة جميعها ...تبذل الحكومة الآن جهودها في آخر محاولة لجمع أكبر عدد من اللافتات فارغة المحتوى تحت مظلة الحوار الوطنى، ظاهره القومية والمواطنة وباطنه التشبث بالسلطة والمصالح الذاتية والشخصية، وتجف فولة المعارضة بالخارج عن مخازيها المتمثلة في النزوع الشمولى والتشبث بكراسي سلطة معلقة في الهواء تعطى إحساساً زائفاً بالسلطة والتكسب، وتنحسر فولة المعارضة الداخلية عن بقايا عصور الظلام والإنحطاط من شموليات وعنصريات وذاتيات...
ومن بين هذا الركام والظلام الحالك، الذي هو شرط لإنبلاج الصبح، ومؤشر لقرب سفوره، يمكن استبانة بوادر الإنقلاب: إنقلاب الوعى الذي مثلته تيارات تولدت من رحم النظام القديم في مراحل سبقت غازي صلاح الدين وتقوت به وبعده ولا تزال تجتذب إليها أعداداً مهولة وفي تزايد يومى ومستمر في حركة تبرؤ تطهرية واضحة من النظام ومن المخازي السابقة،
وقد بدأت بوادر الإنقلاب في حزب الأمة بعد الصدمة التي تلقاها زعيمه حبيساً وانتهت به إلى الخارج منافحاً عن المطالب والشعارات التي كان يرفعها ويطالب بها غالب أتباعه منذ وقت باكر،
وقد ظهرت بوادر الإنقلاب في الحزب الإتحادى الديمقراطي (القديم) وسط شبابه في وقت باكر لكنها لم تكتمل إلا بإجتماع شيوخه في اليومين السابقين وسحبهم للبساط من تحت زعامة تركت في العراء دون ما يواري سوءاتها،
ويمكن استقراء بوادر الإنقلاب في فكر ووعي أنصار السنة لدى تيارات إصلاحية ما فتئت تتقوى وتتطور في وعيها وفهمها وتجتذب إليها المزيد من الأتباع على حساب تيارات لا زالت تراهن على تحالفها مع السلطان ولو كان جائراً،
ويمكن إستقراء إنقلاب الوعى بشكل باكر جداً وسط التيارات الليبرالية والإشتراكية والشيوعية والناصرية...، وهو الجدل والصراع الفكرى الذي قاد للعديد من الإنقسامات التي ولدت حركة حق وحزب البحث السوداني مقابل البعث العربي... والتطور النوعى الكبير في وعى هذه التيارات ورد الإعتبار للخصوصيات والموروثات والمكونات السودانية الأصيلة مقابل الإستلاب للخارج،
وقد تعزز هذا الوعى لدى حملة السلاح بضرورة وأهمية الحراك الشعبي، وأن السلاح وحده لا يمكن أن يقود تغييراً آمناً ومستداماً،
والأهم من ذلك كله هو الوعى الشعبي العام، وخصوصاً الشبابي الذي تجسده الكثير من التنظيمات الشبابية والمبادرات التي أثبتت فعاليتها وجدواها وبعثت روح الأمل والتفاؤول وسط الشباب، والعديد العديد من البوادر التي لم تذكر هنا والتي ربما تكون أهم وأقوى مما ورد، تظهر جميعها موسماً للهجرة إلى الجنوب لا نقول أنه قد بدأت ولكنه قد شارف على الوصول إلى محطته النهائية.
والختام هو ذات المبتدأ الذي يؤكد على تجلى بوادر الإنقلاب في الوعى السوداني، الشرط الضروري والأهم لإحداث التغيير، وهو العامل الوحيد الذي لا يمكن مقاومته أو هزيمته. ليس ضرورياً الآن إستبانة كيف؟ ومتى؟ ولكن من الواضح أننا أمام الحظات الأخيرة لإكتمال الشروط الضرورية واللازمة لميلاد جديد، وليتحسس كل فرد موقعه.



د. حمد عمر حاوي
[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3057

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1383202 [محمد احمد]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2015 03:32 PM
طبعا امثالك الذين دعموا الإنقاذ وجاءوا الآن بعد الساعة الخامسة والعشرين يتكلمون عن الوعى
نحن نتذكرك تتصدر التلفزيونات تغمس في الكلام الملولو وتأتى بالمبررات المدرسية لللانقاذ وها انت الان تأتينا مرة أخرى بحثا عن موقف جديد

[محمد احمد]

#1382069 [حسان الرشيد الكلس]
4.50/5 (2 صوت)

12-08-2015 03:59 PM
واضح جداً الفيلم فى نهايته بإذن الله تعالى .. وأحسن الداير يفر وينفد بى جلدوا من المؤتمرجية والجبهجية والإنقاذية يفر خارج السودان من الآن الحساب عسير جداً .

[حسان الرشيد الكلس]

#1382066 [حسان الرشيد الكلس]
5.00/5 (1 صوت)

12-08-2015 03:51 PM
فعلاً القطر وصل نهاية السكة حديد .

[حسان الرشيد الكلس]

ردود على حسان الرشيد الكلس
[امدرماني] 12-09-2015 10:55 AM
مافي طريقه للمخارجه يا كيزان السودانيين في كل العالم ارجو الراجيكم


د.حمد عمر حاوي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة