المقالات
السياسة
اسْتِبْهَامِ الثورة السودانية !
اسْتِبْهَامِ الثورة السودانية !
09-06-2014 10:58 PM

(1)

التراكم المعرفي هو أحد أهم العوامل التي تحدِّدُ سمات وطبيعة العقل الجمعي للشعوب، بالإضافة لعواملَ أخرى، منها: مدى عمق الموروث المدني والحضاري، وانتشار الوعي والتعليم في المجتمع، وفعالية المواعين السياسية والاجتماعية المنظمة لحياة المجتمعات، والعقل الجمعي للمجتمع المستقر الحضري يختلفُ بدرجة كبيرةٍ عن الرعوي الرحال ، يظهرُ هذا الاختلاف ويتجلى في تباين التركيبة النفسية لأفراد كلا المجتمعين الذي تؤثرُ في إنسانهما جملةُ عواملَ ومؤثرات مختلفة، وتتخلق نتيجة لهذا الاختلاف ما يمكن أن نسميها (سيكولوجية "فرض العين") عند المجتمعات الحضرية و(سيكولوجية "فرض الكفاية") عند البدوية منها.
(2)
وِفْقا لهذا التصنيف يمكن قراءةَ وتحليل كثيرٍ من الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا يمكن أن نحددَّ طبيعة أي مجموعة بشرية بمراقبة سلوكها وممارستها؛ لنكتشف بيسر إن كانت حضرية أم بدوية، هذا التصنيفُ على بساطته نستطيعُ عبره مقاربة وتحليل ظواهر تبدو في غاية التعقيد مثل مسألة تعثر الثورة السودانية، ويمكن أن نقدم إجابة على السؤال المحير الذي أرَّق النخب الفكرية والسياسية في السودان، وهي ترى شعوب في المنطقة أفضل حالا تثور وتنتفض، وشعب السودان البائس يرقب تدهور أحوال معاشه في سكون وذهول وكأن على رأسه الطير.
(3)
السمة الملاحظة في المجتمعات الرعوية حديثة الاستقرار هو ضعف الإحساس بالوثاق الوطني، فنجد مغالبة الإرث البدوي لعوامل المدنية يُحِدُّ من عملية الانصهار العرقي، ويعطل بلورت الهوية الوطنية، ويجعل أمر التوافق عليها عسيرًا، ومراحل بنائها بالغة التعقيد، فقوة اللحمة في معادلة صياغة الهوية في المجتمعات البدوية تتمحور حول النواة المجتمعية "الأسرة"، عكس ما عليه الحال في المجتمعات الحضرية التي تتمكن بيسر من التراضي على هويتها الوطنية؛ بسبب تلاشي الحميَّة البدائية، وسيادة الوثاق الوطني الجامع بمفهومه الحضاري الشامل.
(4)
فالحمية البدائية في مجتمعات البداوة تظل تراوح عند حدود العشيرة، ومبلغ تقدمها بلوغ تخوم القبيلة، والتي عندها يتعطل الشعور بوجود "الآخر" من غير منسوبي القبيلة، ليغدو أمر إيجاد قواسم مشتركة تأسس لبلورة هوية جامعة أمرًا شديد العسر وبالغ التعقيد، يحتاج لجهد خرافي في ظل تجمعات بشرية غير مستقرة أو حديثة الاستقرار، تعاني من الجهل وانتشار الأمية، فالعلاقة بين العقل البدوي والهوية الوطنية علاقة "عكسية"، وتختلف عن العلاقة "الطردية" التي تميز العقل الحضري.
(5)
إرث البداوة يضعف أواصر اللحمة المجتمعية ويجعل صيرورة تطورها عكس اتجاه تطور وتماسك الهوية الوطنية وهو ينحو بها نحو النواة المجتمعية الأولى، فنجد الوثاق العائلي أوثق يليه العشائري فالقبلي، بينما يظل الوثاق الوطني العام باهتًا وضعيفًا، وفي مؤخرة اهتمامات الفرد، وعلى هذا الموروث والفهم نشأت وتأسست معظم المواعين المنظمة لحركة المجتمع السوداني من أحزاب سياسية و منظمات مجتمع مدني ثقافية /رياضية ومطلبية فجميعها قد طالها هذا العوار.
(6)
بالنظر للأحزاب السياسية -خاصة التقليدية منها- نجد أن ثقلها الجماهيري يعتمد بصورة مطلقة على هذا الفهم، فالأعضاء فيها غير معنيين ببرنامج الحزب ولا سياساته، والولاء يحكمه الانتماء للطائفة وزعيمها الذي أسبقت عليه الصدفة نوعا من القداسة، والعجيب أن هذا النهج قد تسرب وانتقل بصورة ما لأحزاب الحداثة في اليمين واليسار، مما يدل على شمولية الأزمة، وعمق الموروث المتجذر حتى في عقل النخب التي نكصت عن لعب الدور التنويري في المجتمع، واختارت طوعا الخضوع لشبكة التقاليد والأعراف السائدة، ناقضة غزلها بيديها؛ خشية الاتهام بالصبأ، وانعكس هذا المسلك سلبا على رؤى وبرامج الأحزاب الحديثة، وأصاب أطروحاتها بالعشى المبدئي، فغدت مثلها مثل غيرها من الأحزاب التقليدية مواعين طائفية بدثار وهياكل حداثوية.
(7)
معظم الأحزاب السودانية المعاصرة مشبعة بالثقافة البدوية وتوجهاتها غير مستقرة مبدئيا الشئ الذي حد من فعاليتها وعاق عملية نضجها وبلوغها مرحلة الرشد السياسي، هذا الواقع انعكس سلبا على تطلعات أفرادها وحدُّ من قدرتهم على الانعتاق من ضيق الأفق "التقليدي" المتشكك بالفطرة في جدوى البرامج الحزبية النابعة أصلا من سيكولوجية "فرض الكفاية" المعطوبة ؛ غير المعنية بقضاء حوائج الشأن العام.
(8)
سيكولوجية "فرض الكفاية" ترى أن النضال السياسي شأن نخبوي إذا ما قام به البعض سقط عن العامة، وفي هذا الفهم الفطير تمكن أسباب (اسْتِبْهَامِ) الثورة السودانية، وارتباك حراك التغيير ، والدليل على ذلك ما حدث من تفريطٍ وتراخٍ أثناء وبعد الانتفاضتين الشعبتين في أكتوبر 1964م وإبريل 1985م، اللتان تم إجهاضهما بسهولة ، حين أفرغ جوهر الحراك الشعبي من مضمونه الثوري ، ولم تحقق الثورتان من الأهداف سوى هدف يتيم هو إسقاط نظم الحكم الدكتاتورية الفاسدة ، وحتى هذا الهدف الذي تحقق بدماء عزيزة سرعان ما تم الالتفاف عليه وإجهاضه بإنتاج نظم ديمقراطية كسيحة، لم تستطع إحداث التحولات الثورية المطلوبة.
(9)
لا مخرج للسودان من وحل هذه "الحلقة الشريرة" إلا بتحديث المواعين التنظيمية القائمة وإصلاحها، أو إعادة إنتاج مواعين جديدة إذا ما تعذر التحديث والإصلاح؛ شرط أن تكون المواعين المستحدثة مواكبةً لروح العصر، ولها القدرة على التعاطي الايجابي مع الشأن العام وفق سيكولوجية "فرض العين"، التي تؤمن بأن النضال الوطني فرض عين على كل فرد سوداني قادر راشد.
(10)
إن الأحزاب السياسية السودانية الأجدر بالبقاء وتصدر المشهد السياسي اليوم هي التي ينبثق فكرها من الواقع السوداني في توافق مع معايير العصر التي تشبع بها عقل الأجيال الحديثة، لانها الأقدر على التعبير عن آمال وطموحات هذه الأجيال التي تخلصت بقانون التراكم من أدران مجتمع البداوة، وجمعت من الوعي والمعارف الإنسانية ما يؤهلها للانتقال من حلقة تاريخية الى حلقة أكثر تقدماً في درج الحضارة.
اسْتِبْهَامِ الأمرِ يعني ارْتِباكِهِ (القاموس المحيط).
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 4/9/2014م


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 741

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1098997 [ابراهيم يوسف]
5.00/5 (1 صوت)

09-07-2014 10:06 AM
حقيقة مشكلة الديمقراطية ترجع الى المجتمع الذى لايساهم بما يجب لاكتساب الديمقراطية والحفاظ عليها وان لم يصلح حال هذا المجتمع فان الديمقراطية دائما ستكون فى خطر ... وبالفعل اوعيتنا السياسية انعكاس لحال المجتمع وليس العكس ومعك تماما ان هذه الموسسات فى حوجه لتحديث وتغيير ووعي ان عليهم توجيه المجهودات لتغيير المفاهيم ...

[ابراهيم يوسف]

#1098773 [منصور محمد احمد]
5.00/5 (1 صوت)

09-06-2014 11:35 PM
يا استاذ شكرا،
لكن الا تتفق معي ان الاوان قد آن ، للعمل وسط الجماهير بلغة الجماهير من اجل احلام الجماهير، وان العمل و الاحتكاك المباشر ضرورة لكل مهتم بامر الثورة السودانية. وعلية ليكف المنظرين عن النظر من عل لاحجار الشطرنج . ليوصفوا للحجار المسار الذي عليهم اتباعه.
قصه قصيرة:
وقف الفنان امام لوحته التي اتم العمل فيها وراى ما فيها من جمال وروعة، وكانت تمثل ثورين في وسط معركة طاحنة. عندها وقف بجانبة راعي كان مارا بلطريق، كان الراعي يتفرج على اللوحة عندما سألة الفنان باستخفاف: ما رأيك في اللوحة؟ اجابه الراعي لاول مرة اشوف ثورين في عراك وكل منهم رافع ذيلة لاعلي.!
قليل من التواضع و اختبار الشعب في بواديه و قراه اجدى.

[منصور محمد احمد]

تيسير حسن إدريس
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة