حوار وطني
09-08-2014 09:03 AM


رغبت في أن لو والى أمين حسن عمر تبيين خلط المفاهيم الدائرة حول ما يسمى ب"الحوار الوطني" في برنامج "هذا الخميس" الذي قدمه غسان عثمان من تلفزيون السودان في الأسبوع الماضي. فقد قال محقاً أننا نخلط بين 3 مصطلحات حين نتناول الخطط الرامية للخروج من الأزمة السياسية السودانية الحرجة. فتجدنا نصف هذه المساعي ك "مفاوضات" مرة أو "محادثات" في مرة ثانية أو "حوار وطني" ثالثة . وقال إن ذلك خلط مشوش. فالمحادثات في تعريفه هي فضفضة يتبادل فيها الأطراف الرأي بقصد تنوير بعضها البعض بمواقفها حول شأن ما. أما التفاوض فهو يدور حول نزاع ناشب في مسألة ما وحلها في تنازلات متبادلة من الأطراف. أما الحوار الوطني فهو تحاور يجري للإتفاق على محور أو قضية والقصد منه أن نقترب عن طريقه إلى حل لها أو التفاهم حول حلها.
وبعد هذه المقدمة التي فكك بها أمين مصطلحات النقاش الدائر في أروقة السياسة السودانية عاد وعثمان عمر الشريف وغسان إلى وصف هذا النقاش الجاري ب"الحوار الوطني". وهذه عودة للخلط الذي أراد أمين تفاديه في اول البرنامج. وسنتجاوز الرأي في دقة تعريف أمين لتلك المفاهيم ونشدد على قيمة إثارته مسألة ضبط المصطلح وتحريره لأنه الأهدى إلى فهم الأمور.
أقرب وصف لهذا النقاش القائم الآن حول الأزمة السودانية في اعتقادي أنه "مفاوضات" بين الحكومة وسائر المعارضة. وتريد منها الصفوة السياسية المعارضة نيل مواقع سلطانية في المركز أو الأقاليم أو الولايات برغم زعمها بأنها تريد اقتلاع نظام الإنقاذ أو حلحلة الأزمة السياسية العاولة. ولم يجدْ في نهج التفاوض شيء منذ جاءت الإنقاذ إلى الحكم. وربما اختلف الموسم الراهن للتفاوض عن غيره بأنه ربما نجح في لم شعث الصفوة السياسة الحاكمة والمعارضة على مائدة مفاوضات واحدة. وهي المائدة التي طمعت معارضة الأحزاب الشمالية في التجمع الوطني الديمقراطي (والسيد الصادق بوجه أخص) في قيامها على أيام نيفاشا (2005) ولكن استهانت الحكومة بالمعارضين الحزبيين، وتنصلت منهم الحركة الشعبية، وأشمأزت منهم القوى الدولية التي رجح لديها ميزان المسلحين في الإنقاذ والحركة الشعبية. فهي لم ترد سوى أن تضع الحرب أوزارها.
وصار التفاوض حول إعادة "شك أوراق" اللعبة السياسية هو الديدن. فحظيت المعارضة الحزبية بتفاوض مستقل مع الإنقاذ إنتهى بهما إلى إتفاقية القاهرة). ثم جاء دور ثوار شرق السودان فتفاوضوا مع الحكومة في أسمرا وتعاقدوا على الإتفاقية المعروفة باسم المدينة. وتستبين صحة وصفنا لما يجري بين الإنقاذ ومعارضيها ب"التفاوض" حين ننظر إلى باب التفاوض الدائري المشرع بين "حركات دارفور" والنظام في الدوحة بعد أبوجا. فلم يبق من هذه الحركات من لم يفاوض الإنقاذ سوى تحرير عبد الواحد التي هي حالة غير سياسية. بل صارت الحركة الدارفورية تغير من حركة أخرى متى رأت أنها ربما من الحكومة بشيء تعتقد أنه ينبغي أن يكون من نصيبها لأنها الأكثر نضالاً والأغزر عددا. ناهيك من ظاهرة تشقق الحركات ودوران شظاياها بباب الدوحة الدائر بدل المرة مرات. وكم عاب التجاني السيسي على صفوته الدارفورية بأنهم طلاب مناصب.
لا يصح وصف مساعي النقاش بين الدولة والحكومة ب"الحوار الوطني" بمنطق آخر أدهى. فلم تعد القوى الموصوفة بالهامش حريصة، فعلاً لا قولاً، على برنامج وطني لحل الأزمة الوطنية. فكل الدلائل تشير إلى أن الحركة الشعبية، حتى بحياة قرنق، لم تكن مسهدة بمثل هذا الحل. يكفي أنها قلبت ظهر المجن لحلفائها في المعارضة الشمالية وأبعدتهم عن مفاوضات نيفاشا ثم أقنعتهم بأن ذلك كان مطلوب المؤتمر الوطني كأن كلمة المؤتمر الوطني هي العليا. ولا أعرف حركة مثلها تزعم الوحدة الوطنية بينما لم تكف، منذ تحولت عن ميثاقها الباكر واستوطنت الولايات المتحدة بآلتها الإعلامية، من طعن نلك الوحدة بإثارة الجنوبيين على سائر المواطنين غيرهم باستعادة تاريخ الرق والغزو العربي لوطر سياسي مشاغب. ولم تكن للحركة الشعبية بشهادة الجميع أجندة وطنية عليا لأنها رتبت نفسها للانفصال "جبنة وعدة". وليس تغاضيها عن قانون الأمن الوطني وسحبها الغامض لمرشحها الرئاسي في 2010 سوى أثمان لشراء الانفصال. ونجد السيرة نفسها في دارفور. فحركاتها مشغولة ب"السلطة الإقليمية" والمواقع الفدرالية بالحجز أو الكوتا. ولم استغرب مثل استغرابي لمطلب بعضهم أن تكون ولاية الخرطوم لدارفوري منهم بالكوتة في خرق صريح لمعنى الديمقراطية حتى بمعاييرها الإنقاذية السليبة.
ينطبق قصر النظر الوطني على أحزاب المعارضة الشمالية أيضاً بوجوه أخرى مع انطباقه بحذافيره على الاتحادي الديمقراطي. فمتى فاوضت أجنحة هذا الحزب اقتسمت مع الإنقاذ حقائب في الدولة من لدن الهندي حتى مشاركة السيد الميرغني الأخيرة في الحكم. ولا تسمع منهم مشروعاً وطنياً بعد تلك القسمة الطيزى. أما الأحزاب الأخرى مثل الأمة وتجمع المعارضة فيتسرب إليها قصر النظر الوطني من بوابة ضعفها المشاهد. وهو ضعف ألجأها أبداً إلى علاقة مع الحركات المسلحة هي أشبه بالاستقواء منها إلى حلف قائم على قدم المساواة. وهذا "الصُرمة" للحليف ذي العصا الغليظة هي التي حدت بهم للتوقيع على عشرات المواثيق التي تتبارى في التعاقد بها مع الحركات المسلحة من كوكا دام إلى وثيقة باريس. وقد لمس محجوب محمد صالح عصب هذا الضعف حين قال إن لجوء السيد الصادق لميثاق باريس الأخير مع الجبهة الثورية هو ربما للوقاية مما بدا من تقارب مخيف للإسلاميين في مؤتمريهم: الوطني والشعبي خلال المساعي المبذولة في ما يسمى "الحوار الوطني". وبدا فيها أن الشعبي "قبض". وساق هذا الاستقواء بعكاز الهامش الأحزاب إلى توتير الاستقطاب بين الحكومة والمسلحين وتعميقه. وهو استقطاب يسقط الوطن بين شقوقه وبغضائه. وبالنتيجة تنصلت الأحزاب من تنمية خطة معارضة ثالثة مستقلة تخرج من إملاءات الصُرمة لحليف كما هو مشاهد إلى إملاءات وطنية ربما لطفت الاستقطاب المسلح في البلاد. بل ربما خرجت منها بأجندة لحركة سياسية مدنية سلمية حقاً لا تمتثل لقوة السلاح بل لقوة الشعب. وعليه صارت مواثيق معارضة الأحزاب مع الحركات رصيد سياسي مميز لتلك الحركات ترجح به كفتها على الحكومة. بينما كُتب على الأحزاب إعادة تدبيجها لدرجة الملل. فقاريء ميثاق باريس يخرج بقناعة لا لبس فيها أن الشر كله على ضفة الإنقاذ. بل تجد عبارات بذاتها فيه قصدت قصداً تقرير هذه الحقيقة وتجريعنا إياها. ولم توجد الحرب، أو الخصومة، بعد، التي تكون جريرة العنف والسفك فيها على طرف واحد حصرياً. فحتى في جنوب أفريقيا لم تسلم السيدة وني ماندلا من المؤاخذة على فعل عنف تم لنصرة القضية العادلة ناهيك مما قامت به الجبهة الثورية في أب كرشولا أو حركة مناوي في حسكنيتة ودار البرتي. فلا تجد صدى لهذا العنف "الثوري" أو مسآلة لمن قاموا به في مواثيق المعارضة الحزبية مع حلفاء الهامش. فلا مهرب لمن اقتنع بالطريق السلمي للنضال من دفع مستحقاته وهي الترويج له وتبغيض الناس في سبل العنف حتى المشروعة. وهذا طريق المناضل المدني لقوة الشعب لا قوة الاستجارة بقوي ذي عكاز غليظ.
ليس الذي يجري بين ظهرانينا في أروقة الصفوة الحاكمة والمعارضة (سلماً وحرباً) ب "حوار وطني". إنه تفاوض حول مواقع في سلطان الدولة. وربما أحسن وصفه عبد الواحد محمد نور بقوله إنه محادثات لن يكون طرفاً فيها لأن مطلبه إسقاط النظام. أما الحوار الوطني فهو مخلوق مختلف أجمل وأرشق. وسنعود إليه.
[email protected]



تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1357

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1099950 [ابراهيم يوسف]
3.00/5 (2 صوت)

09-08-2014 12:19 PM
كلما اقرأ مقالا للبروف اجد نفسي شديد التركيز فى القراءة وذلك ليس لتعقيد الافكار بل لتعقيد التعبير انظر مثلا الى هذه (اللفلفه): ( وسنتجاوز الرأي في دقة تعريف أمين لتلك المفاهيم ونشدد على قيمة إثارته مسألة ضبط المصطلح وتحريره لأنه الأهدى إلى فهم الأمور.) ثم انظر الى هذه ( اللوله ) : ( بل صارت الحركة الدارفورية تغير من حركة أخرى متى رأت أنها ربما من الحكومة بشيء تعتقد أنه ينبغي أن يكون من نصيبها لأنها الأكثر نضالاً والأغزر عددا.) ياجماعه دى طريقة تعبير شنو ؟!!! لا ادري لماذا يلجأ اى كاتب الى التعقيد فى تعبيره فيتوه القارئ فى متاهات لاطائل وراءها
ثم بعد عراك عنييف مع تضاريس الكلمات الوعره لنستخلص معانى لانتفق معه فى بعضها فلم افهم ابدا ان حركة عبد الواحد حالة غير سياسية فربما تكون الحالة ادبية او رياضية او حتى فنية ثم لا ادري كيف اشمأزت القوى الدولية من المعارضة وبصراحة التعبير هو المشمئز افلم يجد البروف غير اشمأزت ليعبر به عن عدم اصرار القوى الدولية على الانقاذ ام انه الغيظ الذى لانعرف وماوراءها والذى يستبين فى اتهامه المعارضة بانها تفاوض من اجل المناصب ومااحسب الامر هكذا وهذه ومااحتاج امر المناصب الى مانراه من شد وجذب مانراه يجري بل مفاوضات من غرف مغلقة ثم اعلان بالمشاركة فى الحكومة من اجل الحل السلمي او الوطني او غيره من الاكاذيب

[ابراهيم يوسف]

ردود على ابراهيم يوسف
Saudi Arabia [SADIG] 09-08-2014 04:15 PM
عبدالله علي ابراهيم لم يأتي على ذكر الحزب الشيوعي السوداني، خوفا على مقاله ان يسقط في يديه ... عبدالله علي ابراهيم مغرم بالاسلاميين ويمارس هذه العادة سراً ..ولا يمكن ضبطه الا بالقرائن ... كلماته تتلوى داخل المقال كالثعبان الذي يدخل ويخرج دون ان يحدث صوتا(دخل القش وما قال كش) .. هذه العادة السرية في الكتابة يتلذذ بها كاتبها وحده وتقيه شر المغازلة جهراً ...

United Kingdom [taher omer] 09-08-2014 01:22 PM
عبدالله علي ابراهيم يتعاطى أفيون المثقفيين الذي تحدث عنه ريموند ارون من قبل نصف قرن.وفي كل مرة يقول علمه تعاطي الأفيون استاذه عبد الخالق محجوب.
ياخي لو منتظر تفهم حاجة من عبدالله انتظارك سيطول.


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة