المقالات
السياسة
لماذا على الحركات المسلحة والمعارضة الانخراط في الحوار في الانتخابات هكذا ؟؟
لماذا على الحركات المسلحة والمعارضة الانخراط في الحوار في الانتخابات هكذا ؟؟
09-08-2014 08:37 PM

المقصود بالحوار هنا ، هو التعاطي السياسي لحلحلة أزمات سودان ما بعد انفصال الجنوب عنه . و هو ما تمت المناداة به في الخطاب الذي عرف بخطاب الوثبة الذي قدمه الرئيس البشير مطلع هذا العام ـ 2014 . و المقصود بالانتخابات ، الموسم الانتخابي العام القادم حسب ما التزم الحزب الحاكم إجراءه ، بعد أربعة سنوات في الانتخابات الأخيرة ـ 2010 . و غني عن القول ، إن الهدف من ما نعنيه بالحوار ثم الانتخابات ، في نهاية المطاف ، هو تحقيق الاستقرار الذي يفضي بدوره إلى إفساح المجال لقيام الدولة السودانية ذات السيادة ، و هي تلك التي يكون أفرادها سادة فيها ، لأنهم متساوون في الحقوق و الواجبات و لا يتفاضلون إلا بإبداعاتهم و مواهبهم .
ولكن ما هو الاستقرار؟؟
والاستقرار إنما هو شيئان: إحلال السلام ، و تكافؤ الفرص .. و ما كان ذلك كذلك إلا لأن الاستقرار هو الوليد البكر لانسجام فلسفة الحكم مع خصائص المحكومين . و خصائص المحكومين إنما هي نوعان : فطرية ، ومكتسبة .. فأما الفطرية ، فهي التي لم يتم اختيارها كاللّون و الدّين و اللّسان . و أما تلك المكتسبة ، فهي التي يمكن اختيارها كالآداب و الفنون .
و بالرغم من أن الخصائص المكتسبة تبدو أقل عناداً ، لدخول عنصر الاختيار فيها ، إلا أن ضرورة انسجام فلسفة الحكم معها ، تبدو حاسمة لجهة استقرار المجتمع المعني . على سبيل المثال ، لو كانت خصائص المجتمع المعني تتمحور حول السياحة و الفنون كالمجتمع المصري مثلاً ، فإن عدم انسجام فلسفة الحكم مع هاتين الخصيصتين ، لا يؤدي إلا إلى القلق المزعج والاضطراب العميق . فهاتان الخصيصتان ما تزلان تقيمان وقتاً كاف في المجتمع ، حتى لكأنهما فطريتان ، و لا فكاك . . أما تلك الخصائص التي لا يداخل المجتمع وهم في اختبارها كاللّون و الدّين و اللّسان ، فإن عدم انسجام فلسفة الحكم معها ، إنما هي الحرب السافرة دائمة الحضور بقدر سفور و حضور اللون و الدين و اللسان . . إنه التّضاد المحض السّرمدي .
يا لهذه الأرض الكثيرة !! فاللون ألوان ، و الدين أديان ، و اللسان ألسن . حتى البيئة بيئات ، و التراب أتراب ، و اللحن ألحان . إذن ليس غريباً ألا يشهد السودان قدراً من الاستقرار إلا في الفترات التي قاربت فيها فلسفة الحكم ما تعنيه هذه الخصائص لحامليها .
و في حقيقة الأمر ، لم تقم الثورات في العالم عموماً و في السودان خصوصاً ، إلا تعبيراً عن غياب فلسفة الحكم التي تنسجم مع هاتيك الخصائص . كما يشتد عنفوان هذه الثورات ، و تبكّر بمقدمها ، كلما كانت فلسفة الحكم مفارقة لأكثر من واحدة من هذه الخصائص . و هذا هو السّر في اندلاع الثورة في جنوب السودان أعنف و أبكر من رصيفاتها في الغرب و الشرق . حيث تكالبت العناصر الثلاث اللون و الدين و اللسان ، ثم تلتها ثورة الغرب باللون و اللسان ، ثم تلتها ثورة الشرق باللسان .
لم يكن آباؤنا ، صناع الاستقلال ، يضمرون سوء النية عندما لم ينتبهوا إلى ضرورة إنشاء و تطوير مفهوم للحكم ينسجم مع كل الثراء اللوني و الديني واللساني في السودان .. إنهم عجزوا عن ذلك و حسب . فتلك كانت قدراتهم و آفاقهم و ذلك كان مداهم . فالشعوب ، كما الإنسان ، تمر بمراحل طفولة و صبا ، قبل أن تنضجها الأزمات ، التي تلفت نظرها لفتاً ناعماً أو لفتاً خشناً وعراً ، إلى ضرورة تعديل وتحسين طرق تفكيرها في إدارة شأنها العام . فعلى سبيل المثال ، عندما شرع آباؤنا في إنجاز سودنة الوظائف إبّان رحيل المستعمرين ، لم يدركوا حينها أن الكفاءة وحدها ليست المعيار الوحيد و المناسب لإحداث الانطلاق الصحيح نحو النمو المتوازن أو التوازن التنموي ، و إنما يتحقق ذلك بدعم الأقل حتى يستوي على سوقه و يساهم بدوره في بناء فلسفة حكم يرى أصابعه في نسيجها فيتشبث بها ، لا لأن خروجه منها يكلفه أصابعه التي يرسم بها لوحة الحياة ، بل لأنه يصبح جزءاً منها ، لا تكتمل إلا به ، و لا يكتمل إلا بها .
ظل هذا الفعل وتداعياته ، يمثل نتوءات مزعجة في مسيرة وممارسة الفعل السياسي الاجتماعي في السودان منذ استقلاله الحديث مطلع يناير 1956 .. و هكذا انطلق المتصل السياسي الاجتماعي ، يمضي بكل نتوءاته ، خالقاً بذات النتوءات تياراً عاماً ، هو العقل السائد عموماً و الحاكم خصوصاً .. و هنا تجدر الإشارة إلى أن هذا الخلق ، لم يكن متعمداً في معظمه ، إنما تكون رويداً رويداً بشكل عفوي ، أي كما يقول علماء البرمجة الرقمية "باى ديفولت" . حيث أصبحت الأفضليات لون الشمال النيلي ، و دين الشمال النيلي ، و لسان الشمال النيلي . ثم أصبح كل أولئك معتقداً ، و المعتقد هو ما يقعد في العقل .. فلكأن المتصل السياسي الاجتماعي هو الطرف الغليظ للمعتقد الذي قعد في العقل ، و الذي أصبح بدوره ـ أي المتصل السياسي الاجتماعي ـ طرفاً لطيفاً ومستدقّاً لكيفية توزيع الثروة و السلطة .
إذن ، تبدو الصورة بالضبط هكذا: معتقد ، و هو هنا الدين الإسلامي الذي استملح اللسان العربي و اللون العربي ، أبرز وجسّد عقلاً سائداً عموماً و حاكماً خصوصاً ، و أبرز وجسّد هذا العقل متصلاً سياسياً اجتماعياً ، و أبرز وجسّد هذا المتصل توزيعاً للثروة و السلطة .
فإن حاولت إعادة توزيع الثورة و السلطة دون الاعتبار لما في نتوءات المتصل السياسي الاجتماعي الذي هو تجسيد للعقل السائد عموماً و الحاكم خصوصاً ، الذي هو بدوره تجسيد للمعتقد الذي قعد في العقل ، تكون يا ابن ودّي قد نسبت نسلاً لذي عقم .. فأنت لا تستطيع إزالة العبوس من صورتك في المرآة إن لم تُزِح العبوس الذي في وجهك !!
إذن ، يبدأ الأمر بإحداث اشتباك داخل هذا المعتقد من أجل تفتيته وبالتالي إرخاء قبضته على العقل السائد عموماً و الحاكم خصوصاً ، لتستوي نتوءات المتصل السياسي الاجتماعي ، ليجيء توزيع الثورة والسلطة تعبيراً مصاقباً لهذا الاستواء .
فوقوف الحركات المسلحة و المعارضة بعيداً عن الحوار ، إنما يُبطِئُ لحظة اشتعال النزاع بين من يطلقون على أنفسهم "أهل القبلة" ، باعتبار أن هؤلاء يواجهون عدواً مشتركاً . و بالتالي يظل المعتقد في حالة استرخاء بعيداً عن المناوشة .. و في المقابل ، فإن قامت الحركات المسلحة بالانقضاض على لحظة الحوار هذه ، ستذيب الصمغ المرجعي الذي يربط أردية أهل القبلة مع بعضهم ، و يضحى المعتقد نهباً للمزايدات و الفتاوى المتعارضة التي يرى منتجوها صحتها ، لا لشيء إلا لتحمي ما اكتسبت يداهم .. و لسخرية القدر ، و لجمالها و جماله ، يذيب هذا الحوار الصمغ المرجعي الذي يربط أردية المعارضة مع بعضها ، و الذي هو الصراع الإفنائي مع الحزب الحاكم . فالحوار سيلقي عليها قولاً ثقيلاً: إما أن ترتقي لمسئولية المشاركة في بناء فلسفة حكم منسجمة مع خصائص الشعب السوداني ، و إما أن تنقطنا بسكاتها . فعلى سبيل المثال ، و بعد إذابة الصمغ المرجعي لديها ، ستجد المعارضة ذات التوجهات الأفريقانية أن الشعب السوداني ليس أفريقياً ، كما ستجد المعارضة ذات التوجهات العروبية أن الشعب السوداني ليس عربياً ، إنما هو ذلك المزيج الساحر الذي فهمته أمريكا فصارت به سيدة العالم ، و لم تفهمه يوغسلافيا فصارت به مشردة العالم . .
فالغموض الذي اكتنف خطابات الحزب الحاكم ، يجب أن يفسّر لصالح قضايا التغيير . فلم يعد لدى الحزب الحاكم ما يقوله حتى في ميلاده الفضّي . فعلينا تعبئة هذا الغموض بالمفردات التي نريد ، و نحملها المعاني التي نريد . فليس هناك شيء في الوجود به معنىً مبنيٌ في داخله ، و لا حتى أنت!! فمعناك إنما هو ما تمنحه لنفسك لتكونها .
ما يثير استيائي ، جنوح كثير من الكتاب و المثقفين المنحازين لقضايا التغيير ، قياس الانتخابات القادمة ، أياً كان ميقاتها ، بالانتخابات الماضية التي جرت في 2010 ، استجابة لنصوص اتفاقية نيفاشا التي أبرمت في 2005 . و هو قياس فاسد وساذج . ففي الانتخابات الماضية ، قامت أكبر و أهم قوى التغيير ، و هي الحركة الشعبية بالتنصّل عن مبادئها ، وخذلت الشعب السوداني ، و سحبت مرشحها للرئاسة ، و ارتضت أن تكون بقايا إقليمية متحجرة على حد تعبير مؤسسها الكبير الذي رحل دون وداع . و قامت بدعم مرشح الحزب الحاكم والتصويت له!! لتحقيق الانفصال ، و قبلت نتيجة الانتخابات بخجّها وخجيجها . يضاف إلى ذلك ، تردد الأحزاب ، و عدم تسجيل حوالي ثلاث مليوناً يحق لهم التصويت ، وتعسّف شروط اقتراع سودانيي الشتات ، و انحياز الغرب لفكرة الانفصال بعد أن رأى رأي العين هزال وتقاصر المعارضة عن التحرك في المساحة التي وفرتها اتفاقية نيفاشا . يضاف إلى ذلك ـ أيضاً ـ أن الحزب الحاكم كان كتلة صمّاء ، بلا إصلاح الآن ، و لا سائحون ، و لا ود إبراهيم ، و لا طرد الملحق الإيراني .
و هذا بالضبط ما يقلل قدرة الحزب الحاكم على التلاعب بالأصوات و خجّها ، خصوصاً مع مشاركة عدد كبير في عملية الاقتراع . فحتى لو فاز الحزب الحاكم ، سيجيء فوزه ضعيفاً يشلّ يده عن السيطرة على الملفات الكبرى بما يشمل ملفات سوء استخدام الثورة والسلطة ونهب المال العام ، و هو أمر حاسم لجهة إنوجاد بيئة تفكير رحبة ، و تربة سياسية جديدة قادرة على ترعرع فلسفة حكم منسجمة مع خصائص الشعب السوداني .
و يتبع ضعف الحزب الحاكم ضعف العقل السائد عموماً و الحاكم خصوصاً ، فينفتح المجال لبلورة رأي عام جديد رويداً رويداً ، ليس فيه من يعتقد أن الدولة رزق ساقه الله إليه أو يعتقد أن حربه حرب إفنائية أبدية .
و لا يظننّ ظانّ أنّ الانهيار الحتمي للعقل السائد عموماً و الحاكم خصوصاً ، سيورث الشعب السوداني تيهاً في صحاري الوجود . فلن نكون كأطفال وليم قولدنق في "آلهة الذباب" نهيم على وجوهنا بلا هدى . فقد خلقت التجربة المريرة ، التي مر بها الشعب السوداني ، وعياً فريداً تحدثنا عنه في مقال سابق . و ما يهمّنا هنا ، أن حالة السيولة السياسية التي تعقب الحوار ثم الانتخابات ، من شأنها أن تجعل هذا الوعي الذي خلقته التجربة المريرة وتخلَق خارج رحم الأحزاب ، وعياً جماعياً بدلاً عن فردي ، و لَدِنَاً بدلاً عن وعر ، و سلساً بدلاً عن عنيد . ثم لا يلبث أن يصل كتلته الحرجة بجماعيته و لدانته و سلاسته ، فيسعى للتعبير عن نفسه في انتخابات 2019 ، بشكل كامل الدّسامة و كامل الوسامة ، مهّد له التغييرُ الطفيف الذي تحدثه مشاركة من لهم مصلحة في التغيير في انتخابات العام القادم ، الأمر الذي يشكل تربة سياسية جديدة أخصبتها جثثُ الأفكار المتحللة التي خبرها الشعب السوداني منذ استقلاله الحديث منتصف القرن الماضي . فمن رفثها يخرج لبن التغيير .

عادل إسماعيل
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 642

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1101282 [الكنانى]
0.00/5 (0 صوت)

09-09-2014 07:18 PM
يا سلام على هذا السرد الجميل لك التحية

[الكنانى]

ردود على الكنانى
[عادل اسماعيل] 09-10-2014 03:28 PM
شكرا على هذا التعليق اللطيف .


عادل إسماعيل
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة