المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
قراءة حول أسباب إخفاق تظاهرات شباب 30 يناير في السودان
قراءة حول أسباب إخفاق تظاهرات شباب 30 يناير في السودان
02-15-2011 04:01 PM

قراءة حول أسباب إخفاق تظاهرات شباب 30 يناير في السودان

بقلم : عمر حمدان إبراهيم / الرياض
[email protected]

لم يكن مفاجئاً لأحد تداعي الشباب السوداني للتظاهر ومقاومة النظام الذي وُلد معظمهم في كنفه ، ولم يعرفوا غيره ، ولم يسمعوا إلا شعاراته ، ولم تتح لهم طوال العقدين الماضيين التمعن في صورة رئيس غير رئيسه المشير عمر البشير ، ففساد النظام وظلمه واستبداده ، إضافة إلى التحولات الإقليمية في المحيط العربي من ثورات وانتفاضات على النظم الشمولية الفاسدة في بلدان عربية - تشابه لحد كبير نظام الإنقاذ المتخم بالفساد وتقاربه في العمر - مثل تونس ومصر والحراك في بلدان أخرى كالجزائر واليمن والأردن ، كان كفيلاً بتفجير العديد من براكين الغضب الشعبي في عدد من الدول الأخرى ومحفزاً لقيام عشرات التظاهرات والانتفاضات .
ولم يكن مفاجئاً كذلك أن تتمكن أجهزة النظام القمعية من القضاء على تحرك شباب ثورة 30 يناير ( شباب لأجل التغيير ) ، لعدة أسباب بعضها يرتبط بأجندة داخلية ، والبعض الآخر له مسببات خارجية بعضها إقليمي والآخر له ارتباط مباشر بمصالح دولية .
التخطيط:
فيما يتعلق بالداخل؛ فقد كان التخطيط للمظاهرات في الماضي يتم عبر الكوادر الجماهيرية المتمرسة في فنون التواصل الجماهيري في الأحزاب السياسية والنقابات العمالية وفي الجامعات ومنظمات المجتمع المدني ، وكانت كل عناصر التحرك والتحريك من قيادة المظاهرات إلى الشعارات والهتافات ورصد تحرك الجهات الأمنية وأساليب الالتفاف عليها وحماية رؤوس المظاهرات تحاك في مطابخ سرية ، ومن ثم يتم التنفيذ على أرض الواقع ، وبالفعل كانت المظاهرات تفاجئ الأنظمة وتربك حساباتها في كثير من الأحيان ، وحتى المظاهرات العفوية كانت تجد من يدير دفتها ويوجهها التوجيه السليم لتصل إلى مبتغاها .
أما مظاهرات 30 يناير فقد كانت تفتقر إلى هذا النوع من المطابخ مما افقدها عنصر المفاجأة ، لأن الدعوة لها كانت علانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية ( الفيس بوك وتويتر) ، من شباب تنقصهم الخبرة السياسية والتنظيمية لقيادة عمل كبير من هذا النوع , ولا يجمعهم كيان سياسي أو تنظيمي ، كل ما يجمع هؤلاء الشباب وعيهم بقضيتهم وحبهم لوطنهم ، وسعيهم للتخلص من النظام الذي جسم على صدورهم منذ ميلادهم ؛ لذلك كانت كل التحركات معلنة ، حتى عدد الذين أبدوا استعدادهم للمشاركة في التظاهر وأماكن التجمع ووجهة المظاهرة ، مما سهل على أجهزة الأمن الانقضاض عليهم والتنكيل بهم .
تقوقع وتردد الأحزاب:
هذا ليس مدعاة للتقليل من شأن العمل الذي قاموا به ، فقد استطاع هؤلاء الشباب القيام بما لم تقم به الأحزاب السياسية مجتمعة منذ ربع قرن ، وهذا مصدر إعزاز لهم ولنا جميعاً ، فقد كان موقف الأحزاب السياسية دون استثناء مخزياً ، فقد كان الشارع السوداني ينتظر من هذه الأحزاب وعلى رأسها حزب الأمة القومي - الذي هدد رئيسه الإمام الصادق المهدي بتلبية مطالبه أو مواجهة النظام في 26 يناير الماضي – الكثير إلا أن السيد الصادق ومن خلفه أحزاب الإجماع الوطني قرروا الركون لمفاوضة النظام ، وهذا أحد الأسباب التي أدت لإحباط هؤلاء الشباب ودفعهم إلى تولي زمام المبادرة بعد أن تخاذل الكبار ، مقتدين بنهج الشباب في كل من تونس ومصر والذي أينع ثمره .
انشغال الإعلام الدولي:
أما فيما يتعلق بالأوضاع الإقليمية ، فقد كان لانتفاضة الشعب التونسي علي نظام زين العابدين بن علي ومن بعده الشعب المصري علي نظام حسني مبارك ، والعمل الإعلامي الضخم الذي صاحب هذه الانتفاضات خاصة المصرية من وسائل الإعلام العالمية بصور عامة والقنوات العربية المؤثرة بصفة خاصة ، الأثر الأكبر في وأد مظاهرات شباب لأجل التغيير السودانية إعلامياً ومحاصرتها في حدود الشريط الإخباري لهذه القنوات ، مما افقدها الدعم والتعاطف الدولي ، إضافة لذلك وعي السلطات الأمنية بخطورة تواصل وسائل الإعلام مع المتظاهرين ، لذلك عمدت سلطات الأمن لاعتقال صحافيي قناتي الجزيرة والعربية مع سياراتهم وكمارتهم ولم تطلق سراحهم إلا بعد أن انفض سامر المتظاهرين .
مصالح دولية معوقة للنجاح:
وفي الشأن الدولي ، لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية ولا الدول الأوروبية ، تسمح لأحد المساس بنظام البشير في هذا التوقيت بالذات ، لأن هذه الدول تنتظر من نظامه تمرير العديد من الملفات الخاصة بانفصال جنوب السودان ، بعد أن طوقت عنق المشير بأغلال المحكمة الجنائية , فقد أضحى النظام بقرة حلوباً لأمريكا وحلفائها وتلميذاً مطيعاً ينفذ كل ما يطلب منه بل وأكثر ؛ وفي ذلك قال وزير خارجيته علي أحمد كرتي خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن: « أمريكا لن تجد أفضل من نظامه لمكافحة الإرهاب » . أمريكا وحلفاؤها ينتظرون من النظام إكمال كل مراحل انفصال جنوب السودان حتى تستطيع دولته الوليدة الوقوف على أقدامها وتغدو حقيقة ماثلة لكل العالم ولا تعقيها أي عوائق... وبعد ذلك لكل حادث حديث عندهم .
تنتظر أمريكا وحلفاؤها من النظام بالإضافة إلى الاعتراف الرسمي بنتيجة انفصال جنوب السودان ، حلحلة المشاكل العالقة فيما يتعلق بالإنفاذ الكامل لبنود اتفاقية السلام ، وتقديم تنازلات ملموسة فيما يتعلق بمسائل أبيي وترسيم الحدود والمواطنة والمياه والديون الخارجية ، ولن تجد أمريكا وحلفاؤها أفضل من النظام الحالي لتمرير هذه الأجندة ، وتخشى هذه الدول من وصول أي نظام آخر لسدة الحكم يمكن أي يعرقل الوصول لهذه الأجندة بسهولة ويسر ، أو يرجع في تنفيذها إلى الشعب ، لأن التفاهم مع نظام دكتاتوري أسهل بكثير من التعامل مع نظام له سند جماهيري ويرجع للشعب في القضايا الكبرى.
الأمل معقود بالشباب:
صحيح أن المظاهرات لم تصل إلى مبتغاها ولم يستطع الشباب إزالة النظام ، ولكن تحركهم كشف عدداً من الحقائق الهامة ، وعاد بالكثير من الفوائد التي يمكن الاستفادة منها والبناء عليها في أي تحرك قادم ، فقد كشفت هذه المظاهرات أن النظام الذي لم يألف المسيرات السلمية ولم يمنح مواطنيه في أي وقت من الأوقات حق حرية التعبير وإبداء الرأي كحق أصيل من حقوق الإنسان ، يخشى المظاهرات وكأنها نهاية النظام لا محالة ، وقد أصابه الخوف والرعب والاضطراب نتيجة لهبوب رياح التغيير والثورات الشبابية العربية التي ثارت ضد أنظمتها الفاسدة والاستبدادية المشابهة له ؛ ويبدو ذلك جلياً في تصريحات العديد من مسؤولي النظام وأجهزته الأمنية ، كما أن التحرك الشبابي أظهر أن الشباب يمكنهم التحرك بعيداً عن الأحزاب السياسية التي عوَّل عليها الشعب كثيراً طوال العقدين الماضيين ولم تقدم ما يشفع لها ، إضافة إلى أن هؤلاء الشباب بتظاهرهم قد القوا حجراً في بركة الجمود السياسي الراكدة في البلاد ، وكسروا حاجز الخوف والرهبة ، وعروا ادعاءات النظام بأنه الوحيد القادر على تحريك الشارع ولا أحد غيرهم يستطيع ذلك ، واثبتوا أن الهمم والعزائم تصنع المستحيل .
أساليب سمجة لا تنطوي على الشباب الواعي:
رافقت المظاهرات بعض التعليقات التي تبدو مدروسة من قبل أجهزة النظام ، تلمح بعض هذه التعليقات السمجة إلى أن جل المتظاهرين كانوا من غرب السودان وتحديداً من منسوبي الحركات المسلحة بدارفور ،وأشاروا إلى حركة مني أركو مناوي تحديداً ، وهذه التعليقات العنصرية البغيضة ليست بغريبة على سدنة النظام وأجهزته الأمنية التي قسمت السودان على أساس عرقي وقبلي ، وكأن أهل دار فور ومنسوبي الحركات المسلحة ليسوا سودانيين وليس لهم الحق في التظاهر ، الهدف من هذا النوع من التلميحات الممجوجة زرع الكراهية بين شرائح الشعب السوداني وإيجاد شرخاً بين فئة الشباب وتثبَّيط الهمم للحيلولة دون أي تحرك ضد النظام في المستقبل ، ولكن الشعب السوداني ملهم الثورات والانتفاضات الشعبية وشبابه الواعي يمهل ولا يهمل .
.


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2401

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#96298 [الساير]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2011 09:22 AM
الأخ عمر حمدان
تحليلك في محله خاصة ( المصالح الدولية) لذلك فإن التوقيت المناسب هو السبب المؤثر في نجاح أي عمل حتي وإن كان إنقلابا عسكريا . رأيي عدم التسرع في قيام الثورة الشعبية حتي تكون الظروف مواتية فقد صبرنا كثيرا والباقي القليل ولا يمنع ذلك من التعبئة والاستعداد للوقت الحاسم .


#96191 [hassan ahmed]
0.00/5 (0 صوت)

02-16-2011 12:39 AM
اخى عمر لقد سردت اسباب فشل التظاهرات ضد النظام بالتفصيل وتطرقت لكل اطراف النقاش ولم تترك شيئا الا وذكرته ، حقيقة كل الظروف المحيطه دوليا واقليميا وداخليا كانت غير مساعده والمناخ ليس مواتيا للاحتجاج واسقاط النظام و اختيار التوقيت المناسب لم يكن موفقا وسابق لاوانه فى ظل اجواء التحول الذى يشهده السودان من انفصال شقه الجنوبى وايضا كما ذكرت فى خلال حديثك ان الامريكان لا يريدون التغيير فى الوقت الحالى خوفا من انهيار الاتفاقية التى ابرمت بين حزب المؤتمر الوطنى والحركه الشعبيه والتى افضت بانفصال الجنوب والذي هو المطلب الاساسي للتربص الامريكى لجعل اسرائيل ثانيه فى الجنوب العربى وهذا لا يعنى تاييدها للنظام الانقاذى فى التربع فى السلطه بل تمذيق الكيان السودانى وجعل حكومة الانقاذ كاداة لتنفيذ اجندتها الخاصه فالحكومه بدورها لا يهمها انفصال الجنوب ولا الشعب السودانى البته بقدر ما يهمها بقاؤها فى سودة الحكم وابعاد حبل قرارالمحكمه الجنائيه المغلوله فى عنق قائدها الدكتاتوري الذي يفتقد السند الجماهيري اذ سهل على الامريكان اللعب باوتار الحكم الفردى ’ وانا اتساءل من الذي اعطى لهذا البشير حق التصرف فى بتر شبر من ارض بلادى وباى منطق يقودوننا واين تللك الشعارات التى رفعوها فى ايامهم الاولى من امثال (امريكا روسيا قد دنا عذابها)
من الواضح ان هذا النظام العميل يقودنا الى هاويه مجهوله لا يدرك مداها الا رب العالمين ونسأل الله ان يبعد عنا افاته ويثبت شعبنا الى ما يرضيه.


#96175 [ابوسفيان]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2011 11:49 PM
من الفيس بوك ابت تطلع
يظل حال البلد واقف
متين ايد الغبش تتمد ؟!!

على غرار ماقال حميد من قبل
من الابرول ابت تطلع من الواسوق ابت تطلع
اشارة منه الى ان الثورة من الصناع او الزراع لم تتحرك حاثا لهم ,,

قلة قليلة ممن يتعامل مع الانترنت وان وجدت فهي من المترفين فلذلك ستجدهم قابعين خلف شاشاتهم ..

قبل يومين وانا اتحدث لجابي فاتورة المياه ان يأتني في مقبل الايام ليتحصل ماعلي من متأخرات , قال لي ان حيكم هذا اعجب حي
قلت له : لم
قال : قال اواجه بالسخط لدرجة ان احدى النساء المسنات خرجت ومعها عصا وكادت ان تضربني بها !!

قلت له: ان الناس قد ضاق بهم الحال .

ولا اعجب ان تخرج من هؤلاء !!


#96087 [hussny ibrahem]
0.00/5 (0 صوت)

02-15-2011 08:04 PM
الاسباب التى ذكرتها في انتقاد المظاهرات الاخيرة صحيحة اذا كان الغرض منها الهبة الاخيرة لؤاد نظام الظلم والعدوان الانقاذى لكن هى البدايات التى لاتختزل الوقت ولا التراكم الكمى لاحداث الفعل واثره فكل الذين خرجوا كانوا يعرقون انها الطلقة الاولى واستفدنا منها بل ابشرك بان التواصل تم مع جهات كثيرة داخل وخارج النظام لتثوير اخر يمكن ان يكون عاتيا ونهائيا لهبة جماهيرية جهزنا لها الدوافع والامكانات وبافى الامر عمل الميدان فالشرارة انطلقت


عمر حمدان إبراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة