المقالات
السياسة
فشل بناء الدولة الوطنية
فشل بناء الدولة الوطنية
09-14-2014 06:47 PM

ان مسالة فشل بناء الدولة الوطنية بالضرورة يقتضي الركون عن البحث في بدايات الحركات الوطنية التحديثية ونقدها وبما ان النقد يسعف في قراءة الواقع وتفكيك رموزه وكما ان النقد يساهم في ترسيم المستقبل ،ومن المعلوم ان الماضي يلقي بظلاله علي الحاضر والمستقبل ، بل نجد ان الماضي يشكل حضورا وخاصة في الفضاء السياسي السوداني وما تجليات الازمة السودانية الراهنة الا صورة من صور الماضي مقترنا بالحاضر !
فمنذ ان ظهرت طلائع المتعلمين في فضاء العمل كانت صفوية في مزاجها وفي تكوينها المعرفي والعقلي مفارق للواقع السوداني مما ادت الي ميلاد شخصية سودانية مغتربة عن الذات والباحثة عن ذات اخر ،وهذه الازمة تتجلي في كثير من الفضاءات وحقول المعرفة اليومية سواء كان علي الصعيد الاقتصادي او السياسي او الثقافي او الاجتماعي ،وان ازمة الاغتراب عن الذات منذ البدايات قد اسهمت بشكل جوهري في اضعاف فرص لتاسيس ثقافة البناء الاجتماعي ،فبدلا ان تقوم النخبة من تأسيس ثقافة البناء الاجتماعي أستنادا الي ثقافات الشعوب السودانية المختلفة ،وتأسيس الاقتصاد والسياسة علي حسب معطيات الواقع السوداني ،فقد جعلوا من الغريب الوافد نموذجا ومثلا يحتدي به ،حينما ظهر المتعلمين في القرن العشرين في الشارع العام ،تشبثوا بالغريب الوافد وتمثلوه في الملبس والمسلك والغريب يتمثل في الرجل الانجليزي والفقيه العربي والشاعر العربي ،مما جعل هؤلاء النخبة غرباء عن بيئاتهم وثقافاتهم ومجتماعتهم .
وبدأت الكارثة بعد خروج الاجنبي في عام 1956 وتركت السلطة علي ايدي هذه القيادات وهم بمثابة الحرس الايدولوجي لميراث المستعمر .
ان حلقات الفشل في السودان عديدة فمنذ ما يصطلح بلاستقلال لتاريخ اللحظة ظل المثقفون في واد وشعوب السودان وقضاياه في واد اخر ،اهملوا قضايا الناس ومشكلاتهمم الاساسية ووظفوا عقولهم وعبقرياتهم في تصفية الحسابات السياسية ونسفوا تماما فرص التأسييس لثقافة البناء الوطني عبر الجهود الجماعية ،ولو تعقبنا قليلا للوراء نجد ان العمل الجماعي اتسم بقدر كبيرمن الشللية والطموحات الشخصية والدسائس والمناورات ،ففي الفترة من عام 1942-1956 فاق عدد الاحزاب السياسيىة عشرين حزبا ،كانت معظمها تجمعات صغيرة دون اي سند شعبي ،وكانت جلها تتمحور حول حركتي الاستقلالية والوحدة. اذن ماذا نستخلص من هذا العدد الكبير للاحزاب السياسية منذ بواكير الحركة الوطنية !‘هذا يعكس بوضوح ضعف العمل الجماعي وغياب روح الديمقراطية وحدة المنافسة القائمة علي ترضيات الذات ،الي جانب الجميع فرضوا انفسهم عي اساس انهم قادة واصحاب قرار وان الموقع المناسب لهم هو الصف الاول والا فلا .ولكن في ذات اللحظة ان هنالك حقائق تاريخية لايمكن جحدها او نكرانها وخاصة ان طلائع المتعلمين كانوا ضحايا لاوضاع معقدة صاحبت لحظات تكوينه الفكري والمعرفي كما كانوا رهينة لظروف قاسية مروا بها ،وان الادراة البريطانية فرضت ظروف قاسية وسياسات عقيمة ،وقامت بتشجيع روح المنافسة بين زعماء الطوائف ،هذا الروح والسياسة القائمة علي منهجية rule and divide قد تسللت في نفوس القيادات السياسية ،واصبحت الدسائس والمؤامرات وحب الذات هي السمة المميزة لهذه القيادات ،وايضا من الحقائق المشهودة ان الادارة وضعت نظاما تعليميا بما يتماشي مع اغراضها الاستعمارية في توفير الوظائف الكتابية والفنية وليس بناء نظام تعليمي نقدي يحرض العقل ويجعله ان يقف بحيادية تامة علي ماهيات الاشياء قبل الاخذ او الحكم عليه.
نتيجة للمارسات النخية منذ المحطة التاريخية 1956 لتاريخ اللحظة وصل الانسان السوداني لاعلي مراتب الهدر الوجودي ،لذ اصبح للانسان السوداني خبرة عالية في التصالح مع الانهيار والتعايش والتدهور والصبر علي الخراب ، وهي محصلة نهائية لمنهجية القادة وتعاطيهم مع الشان العام ،وتأتي ابرز تجليات الفشل لحراس الميراث الاستعماري في السودان حول تحقيق المرتكزالحضاري للسودان او بمفهوم اخر "الهوية" وفي اطار الحديث عن فشل بناء الدولة الوطنية لابد من التأمل علي ازمة الهوية السودانية لانها المحور الاساسي لكل العلائق والبني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاجتماعية ،فالوعي بالذاتية قد تنامي وشمل كل اجزاء السودان بفعل ممارسات العقل السياسي السوداني الذي لايوجد اخر بداخله ، تنامي الوعي بالذاتية في دافور ،وديار البجة وجبال النوبة والنيل الازرق وكل الشعوب الذين تم استبعادهم من فلك الدولة ،اذن مسألة الهوية من المسائل الجوهرية التي تحتاج لمزيد من الحوارات واجراء مراجعات شاملة في المسار السياسي.

عبد العزيز التوم ابراهيم
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 518

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1105707 [شاهد اثبات]
1.00/5 (1 صوت)

09-15-2014 06:04 AM
تحليل معكوس تماما

الاستعمار البريطاني ليس سيئا وفر دولة حديثة واحترم السودان والسودانيين وشاركهم في الحكم عبر الادارة لاهلية استتبع االسودان للخارجية البريطانية وليس وزارة المستعمرات ومذكرات لانجليز تنضح بحب و احترام السودانيين وارسلو لنا فلذات اكبادهم
الذى دمر السودان ليس الاحزاب التقليدية با بضاع خان الخليلي"الناصرية +الشيوعية+ الاخوان المسلمين"
المثقف المؤدلج جلب الحداثة الزائفة من المحيط العربي والفضاء الايدولجي لها من ناصريين وشيوعيين واخوان مسلمين وهم من شوه العلم والتعليم والشعار والخدمة المدنية والقوات النظامية والامن والاقتصاد..لذلك تحليلك بدا جميلا ولكن "عومت" الموضوع في النهاية المثقف الممسوخ في السودان هو الناصري والشيوعي والاخوانجي ويعيش غربة من زمان حتى الان بعد ما انتهى مسلسل انميال فارم المكسيكي بنهاية اخر وجوه القبيحة الاخوان المسلمين في ميدان راعية العدوية 30 يونيو 2013 والانجليز ليس لهم ايدولجية وكانو في الهند والولايات المتحدة الامريكية وليس السودان فقط ومشروعهم ديموقراطيةوست منتسر والاحزاب والمحكمة الدستورية العليا لدعم التطور الدستوري وليس التنظيمات وقرود بافلوف...والزعيم وودا وسواعا ويغوثا ويعوقا ونسرا
وهؤلاء الممسوخين حرفوامسار الدولة السودانية الطبيعة وحتى الان
ويوجد فكر سوداني اصيل وليس فراغ تم حشوه بهذه الايدولجيات
1- الفكرة لجمهورية -اسس دستور االسودان 1955
2- التفاقية اديس ابابا 1972
3- السودان الجديد -اتفاقية نيفاشا 2005 والدستور

[شاهد اثبات]

#1105671 [الحقيقة مرة]
1.00/5 (1 صوت)

09-15-2014 02:57 AM
كلام ملان وتحليل سليم مائة في المائة وما ثورة الهوامش الان الا بسبب ذلك وليتنا بعد الحال نعى واقعنا ونتفاعل معه بايجابية

[الحقيقة مرة]

عبد العزيز التوم ابراهيم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة