المقالات
السياسة
النقي ... قصة قصيرة
النقي ... قصة قصيرة
09-19-2014 07:29 PM

اوقف النقى حماره بجوار رصيف الميناء وانزل اكياس المانجو والجوافة والليمون من على ظهر الدابة. كان يتنفس بسرعة ويلتفت حوله باستمرار املا فى ان يجد شخصا يساعده فى نقل الاكياس الى العبارة النيلية,المسماة بالبنطون. وعندما اكمل انزال الاكياس بمفرده قاد الحمار وربطه على جذع شجرة نيم على طرف شارع الميناء ثم رجع مسرعا ليقف بجوار الاكياس وهو مرهق منهك الذراعين. وانتظر طويلا لكنه لم يفقد الامل فى العثور على شخص يقدم له مساعدة مجانية فى حمل الاكياس. وتمسك كعادته باصرار كبير على عدم تاجير حمال. ودافعه لهذا الاصرار هو رغبتة الشديدة فى توفير اجرة الحمال لكى يستخدمها فى شراء بعض احتياجات اسرته الصغيرة المكونة من ولدين صغيرين وبنتين فى مرحلة المراهقة وامهم. ومن حسن حظه انه عثر اخيراً على شخص عرض عليه خدماته. سلم الرجل عليه وبدا يساعده فى حمل الاكياس الى العبارة. كانا يتحدثان وهما يعملان وكادا يشتعلان من فرط الحماس. وعندما انتهيا من عملهما ظل النقى واقفا فى مكانه وهو يضع يديه على اسفل ظهره ويكاد ينهار تماما من شدة التعب. بعد لحظات انتبه لوجود الرجل بجواره فشكره. وعندما انصرف الرجل ظهرت علامات الارتياح على وجهه صارم الملامح. وكان سبب ارتياحه هو ان الرجل لم يطلب منه اجرة. وبالاضافة الى التعب الشديد فان التوتر واللهفة ساهما بقدر ملحوظ فى زيادة العرق الذى سال فبلل ملابسه البيضاء. و مسح العرق الذى بدا يسيل بغزارة من جبهته الملساء وعنقه النحيف. ومن حسن حظه كذلك ان الوقت ما زال مبكرا والساعة كانت السابعة صباحا والجو بارد. وبعد لحظات جعل النقى يستعيد صورة الرجل و ينظر اليها نظرة ارتياب. وبالرغم من نوايا الرجل الحسنة الا انه ظل يتوجس منه خيفة و يتشكك فى نواياه الحقيقية. ولا يمتلك النقى حجج منطقية لشكوكه. خاصة ان الرجل معروف بطيبته. والناس فى هذه المدينة الصغيرة كذلك طيبون ويقدمون المساعدة للاخر بدون مقابل. والاحتمال الاكبر لريبته هو امتلاكه لمعلومات عن الرجل ولسبب ما يفضل ان يخفيها عن الاخرين.

زال التعب قليلا و شعر النقى ببعض الراحة لكنه سرعان ما اصبح يلتفت حوله بأستمرار ويتحرك فى كل الاتجاهات. وفى هذه الاثناء كان الرجل الذى ساعده يجلس على مقعد فى مقدمة العبارة. اما هو فظهر القلق على وجهه وهو يبحث بجد ملحوظ عن شئ ما فى جلبابه وجيوب سرواله الطويل. وعندما انتبه لوجود شرطى يقف على مقربة من الرصيف, توقف وحول انتباهه كله نحو الشرطى وبدا ينظر اليه بتمعن. و سرعان ما عاد اليه التوتر والانزعاج. وهو يعرف هذا الشرطى جيدا ويكرهه الى الحد البعيد. لكنه يتحاشى دائما الاحتكاك به. وعندما نظر الشرطى اليه مليا فى عينيه اشاح ببصره بعيدا. وتحرك مسرعا باتجاه العبارة. وفى المدخل انتبه الى صوت الرجل الطيب وهو يدعوه الى الجلوس بجواره. قبل النقى الدعوة وجلس بجوار الرجل وشكره مرة اخرى على خدماته. لكنه ظل ينظر خلسة بين الحين والاخر الى وجهه وجسمه وملابسه ويراقب حركاته بدقة الى ان انتبه الرجل. وبهذا ادرك النقى ان بامكانه بسهولة ان ينهزم امام طبعه. وقد جبل على الافراط فى الجدية وحب التدقيق الكثير فى الناس من حوله وفى الاشياء. علاوة على ذلك فهو معروف بالحرص الشديد على ماله وممتلكاته وخوفه من الكوارث. لذلك يعتبره البعض بخيلا. وهو يعتبر نفسه حريصا لا بخيلا متطرفا. وعندما يدفع الحد الادنى من المساهمات المالية فى الاعراس والماتم فانه لا يجد حرجا فى ذلك, بل يفتخر بانه يوفر مالا لحالات الطوارئ مثل الفيضانات والحرائق التى تحدث كثيرا فى مواسم الحصاد.

وبالرغم من النقد الكثير الذى ظل ينهال عليه فان النقى يتمتع باحترام وافر من اهل المدينة. وقد اكتسب هذا الاحترام نتيجة لاستقامته ونزاهته وتمسكه بالمبادئ. فهو انسان مهذب وعادل ولا يسرق ولا ياكل المال الحرام ولا يعتدى على الاخرين او على ممتلكاتهم او يؤذيهم بلسانه. وهو يرفض دفع الرشوة رفضا متطرفا. وعندما اكمل حديثه المقتضب الفاتر مع رفيقه جعل يتفقد بعض الاشياء. وقام من مكانه ففتح الاكياس وفحص ما بداخلها فاخرج محفظة نقوده وافرغها ثم اعاد النقود الى مكانها. وكان فى هذه الاثناء يرسل فكره الى بعيد ويتذكر حال الحمار والمكان الذى ربطه فيه وعما اذا كان امنا. وهو حريص دائما بالا يتعرض لسرقة. وعندما انتهى من طقوسه خلع عمامته وطاقيته و وشاحه المطرز ووضعها بجانبه. ولم يهتم لوجود الرجل الى جواره فارخى بجسمه وباعد بين رجليه واغمض عينيه استعدادا للنوم.

وبعد ان اكتظت العبارة بالمسافرين جاء بعض الناس ليجلسوا بجوار النقى ورفيقه. وعلى الفور اصبحوا يتحدثون ويتحاورون عن الزراعة وارتفاع الاسعار فى المدينة والغرباء الذين اتوا ليبحثوا عن ارزاق لهم. وقد شعر النقى ببعض الراحة ووجد ان الحديث يهمه فنشط وادلى بدلوه فى الحوارات. وكان يصمت بين الحين والاخر ليتذكر لحظات النجاح التى حققها فى هذا الصباح. وقد ظهر طعم النجاح فى تبسمه بين الحين والاخر. وهو محق بان يفتخر بانجازه, فقد بدا العمل فى مزرعته القريبة من النيل فى الخامسة صباحا وتمكن لوحده فى فترة وجيزة من جنى الثمار ووضعها فى الاكياس وحملها الى الميناء. وسيذهب بعد قليل الى سوق المدينة لكى يبيعها. ولا شك فى ان مساعدة الرجل له كانت قيمة ويستحق الرجل ان ينال مكافاة مناسبة. لكن التعب الشديد و نزعة الشك قد تسببا فى موقف النقى السلبى تجاه الرجل. وعندما هبت نسمه باردة شعر الجميع بالروائح الحلوة المنبعثة من المانجو والجوافة والليمون. وابتسم النقى وهو يرى الفرحة تعتلى وجوه الناس ثم قام ليعيد تثبيت اكياس الفواكه. تمطى وتنفس بعمق قبل ان يعود ويجلس فى مكانه. وزاد من فرحه اقتراب تحرك العبارة فتبدل مزاجه واصبح اكثر حيوية ونشاطا.

كان الشرطى مازال واقفا على رصيف الميناء. وكان الناس ينتظرونه لكى يعطى الاذن بتحرك العبارة. وبعد لحظات ظهرت علامات التململ واضحة على وجوه الناس . وجعل النقى يضغط على ذراعية النحيفتين ورجليه وعنقه لعله يقلل من اثر الاجهاد على جسمه. نهض وتمطى ثم عاد وجلس فى مكانه. وفى هذه الاثناء ادار القبطان محرك العبارة وهم بالتحرك. وكانت العبارة مكتظة بالمسافرين فى ذلك الصباح. بعض المسافرين كان يحمل اشياء يريد بيعها فى المدينة مثل المنتجات الزراعية والاغنام والدجاج والمصنوعات اليدوية و الحقائب والاحذية الجلدية والقبعات وغيرها. وتلفت النقى حوله فراى الشرطى مازال يقف فى مكانه. وبعد سماعه دوى صفارة الانذار جذب نفسا عميقا وبانت عليه علامات الانشراح. وتيقن تماما بان الشرطى لن يرافق هذه الرحلة. لكن الشرطى اسرع واعطى اوامره للقبطان بالتوقف ففتح الاخير باب العبارة واوقف المحرك. وفى لحظات بدا التبرم يعتلى وجه النقى. وهم بصب وابل من اللعنات على الشرطى. ثم رفع يده محتجا ومتذمرا لكنه كتم الكلمات فى صدره وارخى يديه كليا. التفت الى رفيقه وهم بالبوح اليه بما يجيش فى صدره فى هذه الاثناء لكنه عدل عن رغبته فى اللحظات الاخيرة, لانه استدرك بانه ما يزال يتشكك فى نوايا الرجل. والذى لا يعلمه النقى هو ان معظم اهل المدينة يعلمون بكراهيته المفرطة للشرطى الذى يقف على رصيف الميناء. لكن النقى يعتقد جازما بان هذا الشرطى ظالم ومستهتر ووقح وعدوانى وهو يتمنى زواله من الوجود

وبالرغم من كرهه لرجال الشرطة المرتشين فان النقى يحاول دائما تجنب المواقف التى تدخله فى مشاكل معهم. وفى الوقت الذى كان يركز انتباهه كله لمراقبة الشرطى الوقح, كان يتمنى فى جوف فؤاده بالا ينضم الى الرحلة. ونادرا ما يقوم افراد الشرطة باجراء تفتيش للمسافرين لان الجريمة نادرة فى مجتمع المدينة المسالم. لكن التفتيش يقترن دائما باخذ الرشاوى وهو ما يجلب تذمر الناس. والنقى يعتبر هذا الشرطى رمزا للظلم والعدوان. ومن فرط كرهه له اطلق عليه لقب الكلب المرتشى نظرا للشره الواضح الذى يبديه حين يطلب الرشوة. وقد طلب من زملاءه المزارعين بان تظل التسمية سرا بينهم ولا تتسرب باى حال من الاحوال الى طرف ثالث. وهو يقف موقفا اخلاقيا صلبا ضد الرشوة لذلك ظل مصمما تصميما خرافيا على عدم دفع اى رشوة لاى موظف عام ولو كان مالاً قليلاً. وبالرغم من قلة دخله فانه لا يشتكى ويحمد الله كثيرا لانه وهبه القدرة على توفير الاحتياجات اليومية لاسرته الصغيرة وتكاليف دراسة ابناءه. ومع مرور الوقت اصبح البعض يقوم من مكانه ليلقى نظرة على الشرطى ويتأكد من ان امر التاخير لا يثير القلق. وعندما راى احد المسافرين الشرطى يخطو باتجاه العبارة ضغط على كتف النقى لينبهه. اعتدل بسرعة فى جلسته وارتجف جسمه. التفت الى رفيقه ثم الى الشرطى وحرك شفتيه لكنه لم يجرؤ على الكلام. وبعد لحظات تمتم بعبارات غير واضحة ثم قال بصوت منخفض: " ياساتر". تبسم الناس حوله وكانوا ينتظرون ان يقع خلاف فى الحال بينه وبين الشرطى. لكن الشرطى مر بقربهم وبرفقتة فتاتين ولم يسلم عليهم. وبعد بضع امتار توقف فترك عدد من المسافرين مقاعدهم له ولرفيقتيه. جلسوا عليها ولم يشكروا اى شخص ولم يردوا التحية. وانهمك الشرطى فى الثرثرة مع الشابتين الصغيرتين. كن يضحكن باصوات عالية ويظهرن الاعتناء بالشرطى والانجذاب له. وبعد حين وضع الشرطى يده اليمنى على كتف احدى الفتاتين وامسك بيدها اليسرى. كانت تصغى اليه وهى مبتسمة وتمزح معه مزاح الاصدقاء. وكان النقى يحدق فيه متبرما والغيظ يكاد يفجر صدره. وكان رفيقه يراقبه باستمرار. وعندما راى الشرر يتطاير من عينيه سيطرت على الرجل الشفقة لانه خشى ان يرتكب النقى حماقة. وكان الشرطى قد استثمر سنوات خدمته القليلة فى هذه المدينة فى خلق علاقات قوية بالنافذين والمؤثرين فيها. واصبح لا يتورع فى استخدام سلطتة وعلاقاته لابتزاز الناس واخذ الاموال منهم بدون وجه حق. عونا على ذلك فهو انسان متهور بطبيعته ولا يتردد فى مخالفة القانون. وهو لم يتطبع بالصفات الحميدة لاهل المدينة مثل التهذيب والسلم والتسامح والتعاون. بل ظل مسكونا بالطمع ويهتم بجمع المال اكثر من اهتمامه باداء الخدمة. لكنه كان باستمرار يبتدع تكتيكات جديدة تجنبه الوقوع فى مشاكل كبيرة مع اهل المدينة.

وقد روض الشرطى نفسه على عدم البوح بما يضمر تجاه اعداءه وكتمان كل مظاهر الاعتراض على الاراء و المواقف التى يرى ان اغلب الناس يتوافقون عليها. وظل يحرص على التمسك بوظيفته ولا يستثنى اى وسيلة تساعده على ذلك. ولان الناس يحترمون النقى فقد تظاهر الشرطى بقبول الموقف. بعض الناس ينظر الى مواقف النقى باعتبارها غلوا وتحجرا, لكنه لا يهتم بذلك ويعتبر التشدد طهارة. ومع مرور الوقت حول الشرطى اهتمامه كله نحو الفتاة التى كان يضع يده على كتفها. وزحزح جسمه بحذر على المقعد حتى التصق بها واصبح يحدق فى عينيها ويتحدث بلطف واضح. ثم جعل يضغط على كتفها ويحرك اصابعه برفق. وبرزت بسرعة خرزات العرق البيضاء الصغيرة على جبهتها السمراء النضرة. و حين استدارت بجسمها كله باتجاهه وتحدثت معه, ووهبته ابتسامتها العذبة, علا وجهه الخجل و تصبب العرق منه بكثرة. وحاول ان يسحب يده من على كتفها لكنها منعته ورفعت يدها وثبتت بها يده الموضوعة على كتفها. وازداد سيل العرق واصبح الشرطى ينظر حوله ثم يحول بصره باتجاه النيل العريض. ثم اصبح يحرك رجليه بصورة لافتة. وحين احست بحاله انزلت الفتاة يدها وضحكت بصوت عالى ثم امسكت بيده اليسرى. كان الناس يلاحظون الارتباك المتزايد على الشرطى ويقايسون ذلك بضحكات الفتاة ومداعباتها له. وكانوا يدونون كل حركة او ايماءة او ملمح ويحتفظون بها فى ادمغتهم. وكلما مال الشرطى الى التماسك شغلته الفتاة بامر جديد واعادته الى الهزل والضحك. و كاد ان ينسى انه مازال يؤدي الخدمة. ولان الطقس مازال معتدلا والساعة مازالت الثامنه صباحا, فانه لن يستطيع فيما بعد تبرير العرق الكثير المتدفق من وجهه وجسمه. وانتهز رفيق النقى الموقف وانشأ يؤلف النكات والتعليقات الساخرة حول الموقف. وكان الناس من حوله يضحكون ويشاركون بالتعليقات. اما النقى فاكتفى بالتبسم واحيانا كان يحاول اجبار نفسه على الضحك. وعندما حرر الشرطى يده من قبضة الفتاة اسرع وحول بصره الى البعد ثم الى المسافرين. كان يريد استجماع قواه ليخطو الخطوة التالية.

احس النقى بالراحة عندما هدأ الناس حوله وكفوا عن التعليقات والتهكم فى الشرطى. اغمض عينيه وضغط باصابعه على جبهته وهو يستعيد موقف الشرطى ثم تحدث مع نفسه قائلا: "منحط وصغير النفس". وهو يعرف جيدا تفاصيل ما يقول وكذلك يعرف الكل ان الشرطى يقبل من الناس الهدايا الصغيرة كالسجائر والشيكولاتة والمال الصغير ولا يستحى ابدا فى ذلك. وهو يقوم بالتفتيش حسب مزاجه واحيانا يفعل ذلك بطريقه ترعب المسافرين. وغالبا ما يبادر البعض ويدفع له تحاشيا للوقوع فى مشاكل. واغلب هؤلاء هم ممن لديهم ما يخيفهم او الذين يخبئون شيئا ما مثل مهربى الخمور والمخدرات او المتهربين من دفع الضرائب. والناس اغلبهم يدفع الضرائب لكنهم لا يهتمون فى العادة بان يسجل ما يدفعونه فى سجل ثابت وخاضع لضوابط المؤسسة ولا يسعون الى استلام وثائق اثبات الدفع. وبالبرغم من شكاواهم فان الناس هنا يرون ان هذه العبارة تعد من اهم انجازات السلطات المحلية. والنقى يتفق معهم فى هذا الموقف, ومع ذلك فهم لم يغفروا له رفضه للتوقيع على المذكره التى طالبت السلطات المحلية بشراء العبارة. كذلك لا ينسون اللحظات التى رفض فيها دفع مساهمة مالية مثل بقية المواطنين. وحين ابتعد عنهم وجد اصحابه مساحة واسعة من الحرية واصبحوا يخوضون فى امور سياسية. وكان كل الناس منتظمين فى مجموعات وهم منهمكين فى احاديث متنوعة. وبالرغم من علو بعض الاصوات واختلاطها باصوات البهائم الا ان المشهد كان رائعا جدا.

رجع النقى لكى ينضم الى رفاقه لكنه كان هذه المرة يتحدث بحذر واقتضاب. وعلت اصوات الناس والبهائم والموسيقى المنبعثة من اجهزة الكاسيت. وساهم دفئ الناس فى تنمية المشهد وتفخيم روعتة وسحره. وشعر المسافرون بالرغبة فى الرقص على انغام الموسيقى و التمتع بالاضواء المنعكسة على صفحة النيل. واستمتعوا بمناظر اللوحات المشرقة على ملابس النساء التى ظلت باستمرار تنطبع على صفحة الماء وتزينها الشمس بالدفء والحيوية. وحدقت الشمس مليا لكى ترى ابهة الكرنفال وجلاله. واصبح المشهد يكبر والموسيقى تصفو والدفء يزداد. والشرطى المرتشى اصبح ينسجم اكثر مع رفيقته الحلوة ويزداد منها فى القرب. وترك الفتاة الاخرى و تحرك مع صديقته الى طرف العبارة فظلا ينظران الى السماء الصافيه تارة وتارة الى اللوحة الجميلة المرسومة على النيل. وكان النقى يختلس النظر اليهما وهو مغتاظ يتململ. وبعد فترة احست الفتاة االمهجورة بالوحشة فقامت وذهبت ووقفت فى مكان بعيد و يممت وجهها صوب النيل. ارادت ان تستنشق الهواء النقى وتستمتع باللوحة المثيرة لكن حزنها غلبها فاثرت ان ترسل شكواها وتنتظر. وهى تعلم ان النيل يخبىء فى داخله الخير الكثير والغناء وشكاوى العشاق المجروحين وادلة الجرائم والتماسيح والثعابين والاسماك المكهربة. والفتاة الثانية اجمل من الاولى, صديقة الشرطى, وقوامها اكثر تناسقا. وانتبه اليها شاب صغير فاصبح يراقبها وينظر اليها بشهوة. وبعد دقائق زاد اهتمامه بها بصورة ملفتة

وبالرغم من علم المسافرين بان الشرطى المرتشى لا يتورع فى استخدام كل الاساليب القذرة من اجل الحصول على الاموال, الا انهم لم ينشغلوا به طول الوقت مثلما يفعل النقى. وهجس امر الشرطى فى نفسه واصبح باستمرار يختلس النظر اليه, لا يشغله عن ذلك الا فكرة شاردة تأخذه بعيدا ليرى حال بيته وبنتيه المراهقتين وزراعته, كلها تمثل امامه. وهو يعلم بان الشرطى يمكن ان يختلق تهمة لاى شخص فى المدينة ان اراد. وبالنسبة للنساء فان تشويه السمعة سهل فى ظل وضع يقهرهن وفى ظل سلطة يمتلكها الشرطى ويستخدمها بلا وازع ضمير او اخلاق. وفى الوقت الذى بدأت فيه الاصوات تهدأ والضجيج يقل والموسيقى يخبو صوتها رويدا رويدا, احس الناس ان العبارة قد اقتربت من المدينة الاخرى, وبدات مشاهد المرسى تتضح. وزاد ضجر البنت المهجورة وظهرت عليها امارات الاهتياج . وقام الشاب من مقعدة وتحرك بحذر باتجاهها وهو يتلفت حوله. وعندما احست بقدومه نحوها التفتت اليه وتبسمت مرحبة. وانضم اشخاص اخرين الى الحوار الدائر بين النقى ورفاقه واصبح النقاش يحتد عندما يدور حول الموضوعات الجادة, ثم تنشرح صدور الناس ويضحكون عندما يأخذهم الرجل الطيب الى اجواء الهزل. وشعر النقى بان المجموعة اصبحت متماسكة فاصبح يأخذ حذره عند الضحك و يتلفت حوله باستمرار. وعندما يسرد الرجل نكتة عن الشرطى وصديقته الجميلة يسكت النقى تماما. ووضح ان الشرطى لا يهتم بالمراقبة الدقيقة للناس. والعبارة تعج بالكثير من التجار والمزارعين والطلاب والعاطلين عن العمل والموظفين والسكارى والمهربين والنساء والاطفال والشيوخ. وهم يذهبون يوميا الى المدينة لان بها مكاتب الحكومة المحلية والمجلس والمستشفى والسوق الكبير والمصانع وبيوت الدعارة. واصبح الناس يفحصون اشياءهم استعدادا للنزول ولم ينشغلوا بما ينوى الشرطى فعله. اما النقى فقد احس باقتراب المواجهة مع الشرطى وظهر عليه الحذر وهو يرى ملامح المرسى تتضح والمشاهد تقترب منه. واحجم تماما عن المشاركة او التعليق على الموضوعات السياسية والنميمة والنكات التى تحتوى على عبارات او تلميحات جنسية. لكنه كان يضحك عندما يسمع ما يعجبه. واحيانا يكتفى برسم نصف ابتسامه وهو يتلفت حوله

ترك الشرطى مكانه وتحرك نحو الطرف البعيد. كان يمشى بخطوات سريعة وتظهر على وجهه ملامح الجدية. والتصق بحافة العبارة ووضع مرفقه عليها وهو يثبت السيجارة جيدا بين شفتيه. كانت صديقته تمشى خلفه وتراقبه وعندما احس بها تقف بالقرب منه, ضغط على دولاب القداحة بقوة ليشعل سيجارته وينفث سحابة من الدخان انطلقت بسرعة فى اتجاه النيل. وحين امسكت بيده احس بانه لم يطفئ اللهب فرفع ابهامه عن الدولاب وتبسم. ورسمت الفتاة كذلك ابتسامة نقية على وجهها الرقيق وهو تديم النظر اليه. وزاد اعجابها به وراق لها لما رأته هادئ المزاج وواثقا من نفسه. لكنه كان يلتفت اليها بين الحين والاخر ثم يركز بصره بعيدا وهو يقلب فى طيات ذاكرته ليبحث عن فكرة ما. استمتع بتلك اللحظات ثم ادار اليها جسمه كله واصبح يتحدث بجمل قصيرة ثم يتلفت ليراقب الناس وتحركاتهم ويتفحص وجوههم. والناس هنا يعرفون انه ملم بخبايا هذه المدينة الصغيرة واسرارها الخطيرة والكبيرة ونقاط الضعف. وهو احيانا يستخدم الجبناء وضعاف النفوس لكى ينقلوا اليه ما عندهم من معلومات و اسرار ثم لا يعيطيهم اى شئ مقابل خدماتهم. ولما اقتربت العبارة كثيرا من المرسى قل حديث الناس وكاد ان ينضب معينه. واصبح النقى ينظر الى الشرطى ثم يستدير حوله بوجه قلق ويسرح بخياله بعيدا. ولم يبذل الكثير من الجهد حتى يستخرج من تعابير وجه الشرطى ما يدله على ما يضمر تجاهه.

اخرج النقى اوراقه الثبوتيه من جيبه وفحصها ثم اعادها من جديد. بحث بين الاكياس الثلاثة بعناية حتى تاكد من عدم وجود شئ غريب. تحرك الى الطرف الاخر من العبارة وعندما وصل قبض على الطرف وشد بقوة حتى بانت عروق يديه. كان ينظر الى الماء وهو يتحرك بسرعة ويغلى. وبعد دقائق عاد الى مكانه وشرع فورا فى اخراج عدد كبير من قطع المانجو من الكيس وجعل يبحث فى الداخل. ولما اطمئن ارجع الفواكه الى داخل الكيس ثم ربطه باحكام. وفعل نفس الشئ مع الكيسين الاخرين. كان يحرك شفتيه باستمرار ويشد على عضلات يديه. وبمجرد انتهاءه من ضبط الوضع جيدا, ارتمى من جديد على المقعد وترك جسمه لكى يرتاح ويتوازن. فى هذه الاثناء توقف معظم المسافرين عن الحديث وهم يرون العبارة تقترب من المدينة. وحاول النقى ان يطيل تمتعه بالهدوء لكنه تذكر بان عليه ان يقوم بفعل شئ ما. واجتهد فى تذكره وبدأ يضرب باصبعه على جانب المقعد. ثم انتظمت الضربات وانشا يهمهم بأصوات ملفتة وهو يلاحظ ان العبارة تدنو كثيرا من الشاطئ. نظر الى الشرطى مرة اخرى والامل يكتنفه بان يغير الرجل خطته. ثم نظر الى القوارب الصغيرة الكثيرة فى المرسى وهى تتحرك وسط نشاط الناس الدؤوب والضوضاء, فاصبح المشهد يقلق مضاجعه. وتذكر التعهد الذى قطعه على نفسه بالا يدفع رشوة مهما كلفه الامر. وشد على قبضتى يديه وضغط بهما على فخذيه ثم ضغط بقبضة يده اليمنى على صدره واغمض عينيه. كان يريد ان يستعيد مشاعر العزة والفخر والقوة. وفى هذه اللحظات تذكر ان الشرطى لم يستطع من قبل اجباره على دفع رشوة. وحين فتح عينيه كان مبتهجا وممسكا بتلك اللحظات ووجهه ينبسط بابتسامات قصيرة متتالية. لكن العبارة ابطأت وطال وقت انتظاره فذهب من جديد الى الطرف. واخرج عود اراك واضحى يتسوك ويبصق على الماء. ثم رجع فتفقد حاجياته من جديد, فرفع رأسه فلاحظ ان الشرطى يراقبه, واحيانا كان ينظر اليه مليا ثم يبتسم ابتسامة خبيثة.

كان الشرطى فى تلك الاثناء يفتش الناس ويفحص امتعتهم. كان لطيفا مع بعضهم ويضحك معهم ويمازحهم, لكنه كان خشنا مع البعض الاخر. البعض دفع له وهم يحتفظون فى سرهم بعبارت لوم قوية ونقد تجاه النقى ويقولون انه متشدد يدعى الجرأة لكنه جبان. وهم يرون ان قصة الكلب المرتشى تظل شاهدا يدل على جبنه ونفاقه. وعندما اقتربت العبارة من الشاطئ راى النقى الشرطى وهو يواصل عمله لكنه مازال فى الجانب الاخر من العبارة. وقل توتره لكنه ذهب من جديد الى طرف العبارة لينظم افكاره. ومن جديد اخرج المسواك وانشا ينظف اسنانه. وعندما بصق لاحظ ان بصاقه تجمع وتكور وازدادت كثافته ثم غاص الى الداخل. وانضم الى الاشياء المخبئة فى جوف النيل. وفى هذه اللحظات توقف طويلا للتأمل ثم بدأ يحدث نفسه ويقول:" البوليس مهمته حفظ. الامن فقط لا التفتيش". ردد العبارة مرات عديدة. وهو كان يشعر بصدق بمرارة ظلم الشرطة واهمال الحكومة المحلية لانتقاداته ولشكاوى معظم المواطنين ومطالبهم. لكنه الان لم يستطع على البوح بما فى جوفه. ولاحظ ان الشرطى مازال يقف فى مكانه فذهب بعيدا وتسوك وبصق من جديد. واصبحت تشمل المكان الذى يقف فيه رائحة نتنة جدا. واعتقد الناس بان الذى يفعله هو نوع من المقاومة ويحمل فى طياته رسالة محددة, لكنهم لم يستطيعوا فك الشفرة, بل اصيبوا بالقرف. واخيرا رجع فجلس فى مكانه وهو يضع يده فى جيبه

عندما اقترب دوره ثبت يديه على المقعد وهو يستعد وعدل وضع جلبابه وعمامته. وخلع العمامة مرة اخرى لما شعر بان وضعها لا يريحه ثم ثبتها بجانبه فى المقعد. وعندما رفع راسه ببطء وجد الشرطى يقف قريبا منه ويراقبه. الصق ظهره على المقعد ثم مال بجسمه كله الى اسفل وهو يقبض على بطنه. وظهر كانه يريد ان يتقيأ. كانت بطنه تؤلمه لكنه لم يستطع ان يبصق. ضغط على رقبته بشدة ثم استقام فى جلسته ورفع الاوراق الثبوتية باتجاه الشمس وهو ينظر اليها بتمعن. وحين وقف الشرطى امامه كان العرق يتصبب منه بغزارة وظل الشرطى ينظر اليه بجدية. قبض على بطنه مرة اخرى وظهرت عليه ملامح الالم الشديد. وزاد الالم وتغيرت ملامح وجهه الصارمة واصبح مثيرا للشفقة. وتجنب النظر مباشرة الى عينى الشرطى ثم ثبت بصره فى الارض. وعندما ربت الشرطى على كتفه التفت سريعا وعيناه تتسعان وضربات قلبه تزداد سرعة. اسرع بادخال يديه فى جيوب سرواله وجلبابه الطويل الواسع وهو مضطرب ومنهمك فى البحث فيها. اخيرا اخرج اوراقه الثبوتيه واعطاها للشرطى دون ان يطلب منه ذلك. كانت يداه ترتجفان بشدة. واحس بصداع فوضع يده على راسه. ابتسم الشرطى واعطاه الاوراق الثبوتية من دون ان يلقى عليها نظرة اهتمام. طغى الخجل على وجهه فطاطا راسه من جديد. وكافح لكى يرسم ابتسامة على وجهه. ولاحظ الشرطى ان الرجل يتالم حقيقة فوضع يده على جبهته ليتاكد من درجة الحرارة.

وعندما اوقف القبطان العبارة وفتح الباب اندفع المسافرون بسرعة الى الخارج. انطلق اصحاب الدراجات النارية والهوائية بسرعة ثم اعطى الناس الفرصة لاصحاب البهائم. واخيرا خرج بقية المسافرين بمنتجاتهم من الخضر والفواكه وغيرها. كانوا يراقبون الشرطى وصاحبه الواقف امامه وهم يرثون لحال النقى. بعضهم كان يبتسم بخبث. البنت المهجورة خرجت تمشئ ببطئ والشاب يمشى معها وهو يتحدث حديثا متقطعا. وانتظرت الاخرى صديقها الشرطى عند مدخل العبارة. وكان النقى مازال واقفا ونسى ان يدخل الاوراق الثبوتية فى جيبه. كان اغلب الناس مسرعا فى مشيه. توقف رفيقه لكى يودعه لكن النقى لم ينتبه له فذهب الرجل فى طريقه. اخرج الشرطى دفتر المخالفات وقلما جديدا واستعد لعمل شئ. وهيأ النقى نفسه لكل الاحتمالات. كان يفكر عن الذى يمكن ان يقوله الناس حول ما فعله اليوم. وكان يشعر حقيقة بالم البطن الشديد وارتفاع درجة حرارة جسمه وبالتكلفة الغالية التى دفعها والتى سيواصل دفعها بعد ذلك اليوم. واسترجع الصورة كلها, وهى كانت اختبارا على مقدرته على تحمل المواقف الصعبة التى تتطلب المواجهة الحاسمة. اغمض عينيه وخاطب نفسه قائلا: " احمق. احمق". واستدار فلاحظ ان الشرطى قد ادخل دفتر المخالفات فى جيبه لكنه ظل واقفا صارم الملامح ومنتظرا لرد فعل منه. وهيأ نفسه لكى ياتى برد فعل سيخرجه من هذه الورطة. ولا شك ان الناس سيسخرون منه كثيرا بسبب الخسائر المادية والمعنوية التى جلبها لنفسه فى هذه الرحلة. وسيصيبه الخجل دوما كلما تذكر لحظات افتضاح مواضع ضعفه. كان متهورا واحمقا كما اعترف بنفسه. كان يمكن له ان يقتدى بالمسافرين الاخرين او يستعين بهم لكى يتخذ الموقف المناسب لمواجهة الشرطى. والناس فى مثل هذه الاحوال متفقون حول عدم جدوى ان يقف شخص ما بمفرده فى وجه السلطة.

محمد مهاجر
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 750

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة