المقالات
السياسة
حكاية ملف انساني تائه..مذكرة» مثيرة .. وألغام تتفجر..وأصول مبعثرة
حكاية ملف انساني تائه..مذكرة» مثيرة .. وألغام تتفجر..وأصول مبعثرة
09-20-2014 07:42 PM

حكاية ملف انساني تائه ..!
مذكرة» مثيرة .. وألغام تتفجر..وأصول مبعثرة
!
تقرير / هاشم عبد الفتاح
ليسوا هم العشرة السياسيين الذين هزوا عرش المؤتمر الوطني وأحدثوا بداخله تباينات وانشطارات سياسية وفكرية إبان حركة الرابع من رمضان الشهيرة في العام 1999، ولكنهم عشرة آخرين أطلقوا صيحتهم واستجمعوا قواهم وصاغوا هذه المذكرة التي أسموها «بصيحة الصامتين» أملاً في أن تحل قضيتهم وقبل كل ذلك تعالج قضية وطنية وإنسانية هامة تجنب بلادنا ويلات الحرب ومخاطر الألغام، فهم إذن موظفون يعملون في الحقل الإنساني وبالأخص في مجال مكافحة الالغام ضمن برنامج الدولة الخاص بجعل الأراضي السودانية خالية من الالغام تحت مسمى الجهاز الوطني لمكافحة الألغام الذي دشنة السيد رئيس الجمهورية صبيحة السابع من مارس من العام 2007، عبر اجتماع تأسيسي بقاعة الصداقة وقتها أعلنت الحكومة التزامها بالعمل من أجل تحقيق الهدف الاسمي وهو «سودان خال من الألغام والذخائر غير المتفجرة» وتعهدت كذلك بدعم كل الجهات ذات الصلة ببرامج مكافحة الالغام في السودان من منطلق اتفاقية «اتوا» لمكافحة الألغام والتي وقعت عليها الحكومة في العام 1997 وصادق عليها البرلمان في العام 2003، وفيما بعد أصدر السيد رئيس الجمهورية مرسوماً جمهورياً بالرقم «299» تم بموجبه تكوين الجهاز الوطني لمكافحة الالغام الذي يضم «اللجنة الوطنية العليا وامانة عامة ومركز قومي» بحيث يعمل هذا الجهاز جنباً الى جنب مع الامم المتحدة وشركاء مكافحة الالغام الاخرين على ان يتولى هذا الجهاز مهمة الاشراف والمتابعة والمراقبة والتمويل، ومنح التراخيص لبرنامج المكافحة خصوصاً ان السودان تأثر باطول حرب اهلية شهدتها القارة الافريقية ولازال يعاني كذلك من النزاعات والتوترات الامنية والحركات المتمردة، وبالاخص في مناطق النيل الازرق وجنوب كردفان ومعلوم ان هذه الحرب لها اسقاطاتها وتداعياتها السالبة على المواطن علاوة على تأثير هذه الالغام سلباً على القطاعات الانتاجية الاخرى، حيث تشير آخر الاحصاءات الصادرة من مركز الالغام انه تم تسجيل اكثر من «2» الف و«518» منطقة خطرة بالالغام منذ العام 2002 وحتى الان، وذلك قبل تجدد النزاع المسلح في ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق، وتقول ذات الاحصاءات انه في العام 2014 وحده تم تسجيل «13» منطقة خطرة فيما بلغ عدد ضحايا الالغام حتى اغسطس الماضي ألف و«953» في ذات الفترة منهم «39» ضحية تم تسجيلهم في العام الحالي.

تحريك «البرك» الساكنة
يبدو أن الأمور تبدلت وتغيرت المسارات وتراخت العزيمة وضعفت، واصبح كل شيء مدعاة للإحباط والأسى فارتسمت حالة ذهنية راسخة لدى العاملين بالمركز، فتحركت مجموعة العشرة من الذين شهدوا بدايات وأمجاد هذا المركز ففي أواخر رمضان المنصرم تبلورت فكرة الدفع بمذكرة مطلبية للجهات الرسمية والمعنية عسى ولعل ينصلح ما يمكن إصلاحه، فوُضعت المذكرة أولاً على منضدة السيد نائب رئيس الجمهورية حسبو محمد عبد الرحمن، وقدمت أيضاً الى البرلمان عبر بوابة لجنة الشؤون الاجتماعية والإنسانية، ثم الى وزير الدولة بوزارة الدفاع والى السيد قائد سلاح المهندسين، كما وصلت المذكرة الى العقيد الركن صلاح الحاج بشير مدير عام المركز القومي لمكافحة الألغام.

الطرد من الخدمة
وحرصاً منها على كشف كل الملابسات وما خلف الاستار جلست «الإنتباهة» الى عدد من الذين صنعوا هذه المذكرة، لمعرفة اصل الحكاية خاصة ان ادارة المركز طردتهم من الخدمة عقاباً لهم على ما قاموا به في صناعة وتحريك هذه المذكرة، وذلك بعد أوامر عليا ابلغهم بها السيد المدير بايقافهم من العمل واخلاء طرفهم من المركز حسبما قالوا .. بداية تحدث لـ«الإنتباهة» الاخ فتح الرحمن محمد احمد قنجاري مدير قسم التوعية بمخاطر الالغام بالمركز القومي لمكافحة الالغام «سابقاً»، وقال في افاداته للصحيفة : إن هذه المذكرة نتاج لما اسماه بالركود والانهيار في ملف الالغام لاسباب عددها، في عدم وجود التمويل الكافي لتغطية انشطة مكافحة الالغام، وغياب التنسيق بين المركز واجهزة الدولة وبالاخص الخدمية منها، ما أدى إلى توقف العديد من الانشطة اضافة الى ان المركز لم تكن لديه اجتماعات كافية او دورية، ما افقده الهيبة في ظل ادارته الحالية، حيث غابت الخطط والبرامج والاستراتيجيات. ومن أخطر القضايا التي أعاقت نشاط المركز هي اتباع هذا الملف الى وزارة الدفاع بعد ان الغيت وزارة الشؤون الانسانية، وكان هذا حسب قول الاخ فتح الرحمن بمثابة سبب مباشر في احجام الممولين لبرامج مكافحة الالغام او ان هؤلاء الممولين تشككوا في ان الاموال التي يدفعونها تستخدم في غير مكافحة الالغام.

أساليب فاسدة
وأخطر ما قاله الاخ فتح الرحمن، ان ادارة المشاريع تعمل بلا معايير وان هناك عدم التزام في شروط توزيع التمويل للمنظمات العاملة في مجال الالغام، وبالاخص للمنظمات العاملة في التوعية بدارفور، وقال فتح الرحمن انه حينما كان مسؤولاً عن التوعية بدارفور وقف على حقيقة اختيار المنظمات لمصالح شخصية، ومنها منظمات غير مؤهلة واخرى غير مسجلة او تم تسجيلها على عجل، وذهب الاخ فتح الرحمن في افاداته للصحيفة في اتجاه ان هناك اساليب فاسدة، تتمثل في وجود فواتير ايجارات لمكاتب وهمية وغير موجودة أصلاً في منطقتي زالنجي والضعين، ولكن تم صرف فواتير بشأنها، وقال انه زار هذه المناطق ومكث في زالنجي والضعين لاكثر من عشرة ايام، ولم تكن هناك أية مكاتب في هذه الفترة تتبع للمركز، بل ان ولايات دارفور الخمس تدار من ثلاثة مكاتب فقط في كل من الفاشر والجنينة ونيالا، وقد حصلت الصحيفة على صور من هذه الفواتير.

رؤية غائبة وبرامج معطلة
وفي سياق القضية ذاتها يعتقد الاخ مزمل احمد عبد الرحمن مساعد رئيس قسم ضحايا الالغام في حديثه لـ«الإنتباهة» ان المركز يدار بلا رؤية، وان هناك سوء تصرف في اصول المركز حيث توجد حوالي «20» عربة تابعة للمركز ومملوكة لاخرين ولكنها تعمل خارجه في ما لا علاقة له بانشطة المركز ولا ببرامج ازالة الالغام باستثناء عدد محدود جداً من هذه العربات.
ويقول الاخ مزمل ان خطر الالغام لا زال ماثلاً في النيل الازرق وجنوب كردفان، خصوصاً بعد تجدد الصراع المسلح في الفترات الاخيرة، وهذا يعني ان برامج مكافحة الالغام في حاجة الى معلومات جديدة وعمليات مسح شامل لمعرفة حقيقة توزيع الالغام، ما يعني الحاجة الى جهود واموال كبيرة اضافية لهذه البرامج، وهذا هو المبرر الذي استندت عليه اللجنة الدائمة لاتفاقية «اتوا» لمنح السودان خمس سنوات اضافية لاستمرار انشطة مكافحة الالغام حتى يتم اعلان السودان دولة خالية من الالغام.

وماذا قالت المذكرة ..؟
والذين وقعوا على هذه المذكرة يعتقدون ان الرؤية الاستراتيجية والمتمثلة في شعار «سودان خال من الألغام» لم تتحقق في ظل الادارة الحالية للمركز القومي لمكافحة الالغام، وقالوا ان هذه الادارة منكفئة على ذاتها ولا تحمل رؤية خاصة للتطوير والارتقاء بالاداء، كما ليست لديها مبادرات تعود بمزيد من الدعم المالي للمركز خاصة من المانحين داخلياً وخارجياً، كما ليس هناك اي تنسيق مع المؤسسات الحكومية ذات الصلة، الامر الذي نتج عنه بطء في عمليات ازالة الالغام في المناطق المتأثرة رغم الامكانيات اللوجستية والفنية الكبيرة التي آلت للمركز من الامم المتحدة، والتي تعادل برامج ثلاث دول متأثرة حسبما اشارت المذكرة، ولهذا فان الادارة الحالية وجدت بيئة جيدة وامكانيات كبيرة لكنها لم تُستغل بالشكل الامثل.

وأكدت المذكرة ان الموقعين عليها انتظروا كثيراً من الادارة الحالية علها تستشعر المسؤولية الانسانية والوطنية الكبيرة، وتغير من اسلوبها الاداري وتفتح آفاقاً جديدة نحو المجتمع الدولي والشركاء الاخرين، لمزيد من الدعم المالي اوالتنسيق الجيد مع المؤسسات الحكومية، وبالاخص وزارة المالية لضمان استمرار العمل دون أية معوقات، ولكن وبحسب المذكرة فان المدير الحالي غير مستعد لمثل هذا العمل.

البحث عن وضعية جديدة
وحاولت المذكرة التأكيد على أن الموقعين عليها ليست لديهم دوافع شخصية، ولكنها تنطلق من فكرة اصلاحية لمعالجة اعطاب هذا الملف الانساني الهام وضرورة مراجعة وضعيته القانونية والادارية الحالية، وان المذكرة نابعة من الشعور بالمسؤولية الوطنية تجاه مركز الالغام. وتعتقد المذكرة كذلك ان سودنة العمل الطوعي فيما يلي ازالة الالغام يصعب تحقيقها في ظل هذه الادارة، ولهذا نادت المذكرة بضرورة ايجاد وضعية قانونية وادارية وسيادية جديدة وذات خصوصية، واشارت المذكرة الى ان اللجنة الوطنية العليا لمكافحة الالغام لم تكن فعالة في دورها، ازاء وضع السياسات واجازة الميزانيات والخطط للمركز القومي للالغام، وان هذه اللجنة اجتمعت ثلاث مرات فقط خلال ثمان سنوات طبقاً لما جاء في نصوص المذكرة، ولهذا يطالب الموقعون بتكوين آلية سياسية تنفيذية رفيعة المستوى، لتكون بمثابة مجلس امناء يتولى مسؤولية توفير الدعم السياسي لهذا الملف الانساني، وان يبحث مع المانحين على المستوى العربي والدولي امكانية تمويل عمليات مكافحة الالغام في السودان.

الانتقال الخاطئ
وقالت المذكرة ان من اكثر القضايا التي اثرت سلباً في اداء المركز لمهمة ازالة الالغام، هو انتقال هذا الملف من وزارة الشؤون الانسانية الى وزارة الدفاع، وترتب على ذلك قلة التمويل الدولي وضعف في العلاقة التنسيقية مع مكاتب الامم المتحدة، باعتبارها اكبر منسق لاستقطاب الدعم من المانحين الى جانب ضعف التنسيق مع المنظمات الوطنية كشركاء وطنيين، ولهذا جاءت المطالبة بتبعية برنامج مكافحة الالغام الى رئاسة الجمهورية، فيما اتهمت المذكرة المدير الحالي للمركز بانه فشل في توقيع شراكة جديدة مع اي من مكاتب الامم المتحدة من اجل توفير الدعم المالي، ولكل ذلك نادت المذكرة بتكوين شراكة ذكية جديدة مع الامم المتحدة لضمان تدفق المال اللازم من المانحين.

الأصول الضائعة
وأخطر ما قالته المذكرة حينما تساءلت عن حقيقة توزيع حوالي «20» سيارة لاندكروزر لاشخاص خارج المركز ولا علاقة لهم ببرامج مكافحة الالغام؟ «مرفق صورة حول حقيقة هذه السيارات واسماء الجهات والاشخاص الذين سلمت اليهم»، كما تساءلت المذكرة عن اختفاء ثلاثة مولدات كهرباء كبيرة علماً بان قيمة المولد الواحد تتجاوز المائة الف دولار؟، وطالبت في ذات الوقت بمحاسبة كل من امتدت اياديهم لسرقة اربعة ماكينات سيارات «بفلو» كانت مخزنة داخل حوش المركز بسوبا، علماً بان هناك جهة معتبرة ضبطت هذه المسروقات، وطالبت كذلك بمحاسبة الموظفين الذين تصرفوا في كميات كبيرة من الاسبيرات وقطع الغيار التي آلت للمركز من منظمتي «رونكو الامريكية وماك البريطانية »، كما اشارت المذكرة الى ان الصورة الاعتبارية للمركز اصبحت مهزوزة وهزيلة جداً أمام الأمم المتحدة.

من المحرر
وحتى تكتمل الصورة حرصت الصحيفة على الاتصال بسعادة العقيد الركن صلاح بشير مدير عام المركز القومي لمكافحة الألغام، ولكنه رفض الحديث في هذه المرحلة وبرر هذا الرفض بأن هناك لجنة تحقيق تعمل وتتحرى الآن في كل ما ورد في المذكرة، ولكنه وعد الصحيفة بتمليكها كل تفاصيل هذا الملف حال الانتهاء من عملية التحقيق.. كما اتصلت الصحيفة بالأخ حسب الله رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية والانسانية وسألته ان كانت قد وصلتهم فعلاً مذكرة بخصوص المركز القومي للالغام، فلم ينف هذه الحقيقة ولكنه رفض الحديث في مثل هذه القضايا لوسائل الإعلام ..«ربما للحديث بقية».



صحيفة الانتباهة
هاشم عبدالفتاح
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 583

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




هاشم عبد الفتاح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة